تواجه حكومة قطاع غزة اتهامات متواصلة بكبت الحريات العامة؛ حيث تُسجَّل حملات عدة قامت بها كدليل على ذلك.

في العام الماضي، كانت حملة “الفضيلة” التي استهدفت منع اللبس وقصات الشعر الغريبة بين الشباب الفلسطيني، كما كان هناك قرار بإجبار طالبات جامعة “الأقصى” على ارتداء الزي الشرعي، وتم أيضًا إلغاء ماراثون الأونروا الثالث بعد قرار الحكومة بمنع النساء من مختلف الفئات العمرية من المشاركة به.

كما تم إقرار قانون التعليم الجديد بواسطة المجلس التشريعي وضمن بنوده فصل الطلاب عن الطالبات في المدارس ابتداءً من عمر التسع سنوات, وتأنيث مدارس البنات بما يعني إخلاء هذه المدارس من المدرّسين أو العاملين الذكور.

وتستمر سلسلة المنع بقيام حكومة غزة قبل أيام بمنع الفنان محمد عساف من إقامة حفلات غنائية بغزة، ورغم وجود عدد كبير يؤيد ما تقوم به الحكومة بغزة إلا أن آخرين وضعوها في خانة التدخل في الخصوصيات وكبت الحريات، وجاء عقب ذلك احتجاجات شبابية كردة فعل مباشرة ورافضة، وذلك عبر صفحات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام وفي المقاهي والجلسات المختلفة.

محمد عساف

الفنان محمد عساف

بدون حجاب

في المكتب الإعلامي الحكومي بقطاع غزة تتحرك الصحفية الفلسطينية عروبة عثمان بحرية وسط زملائها وزميلاتها التابعين فكريًّا لحركة حماس وهي لا ترتدي الحجاب، وذلك بعد أن انتقلت إليه من دائرة الإعلام بوزارة الشئون الاجتماعية؛ حيث طلب منها وكيل الوزارة ارتداء الحجاب فرفضت.

الصحافية عروبة عثمان

الصحفية عروبة عثمان

 عثمان التي حصلت على منحة توظيف كمتفوقة بدأت عملها هذا قبل عام، وهاجس قوي يؤرقها بسبب الاختلاف الفكري بينها وبين أغلب العاملين في هذا المكتب لكنها اليوم مطمئنة بسبب التعامل الإيجابي معها.

وتنتقد عثمان الحملات التي تقوم بها حكومة غزة  كحملة “البنطال السحال” وغيرها وقد وجدت تقبلاً لنقدها، لكنها لا تعمم هذا الوضع، فحسب وجهة نظرها توجد حرية في الحياة الاجتماعية بغزة لكن هناك تصرفات تنم أيضًا عن كبت للحريات بشكل معين وتظهر في الاستدعاء لمجرد كتابة “بوست” على الفيس بوك.

حرية نسبية

تصف الناشطة المجتمعية، سامية الزبيدي، تعامل الحكومة بغزة مع الحريات بأنه “نسبي ومتقلب”، أي أنه في الوقت الذي يُشهد فيه ملاحقة البعض على تصرف ما، نجد في وقت آخر توقف عن هذه الملاحقة لذات السبب.

وتُرجع الزبيدي أن سبب ذلك هو “الحالة السياسية” التي تحول دون وجود خطوط واضحة؛ حيث من الممكن أن يُوقَف أو يُعتَرض على مواطن على فعل ما، بينما في وقت سابق اعتاد ذات المواطن أن يمارس فعله دون منع أو اعتراض.

الناشطة سامية الزبيدي

الناشطة سامية الزبيدي 

وتعتقد الزبيدي أن مسألة كبت الحريات بغزة متعلقة بأشخاص في الحكومة، فعلى سبيل المثال كانت حملة ملاحقة الشباب “السيس” مرتبطة بأشخاص مسئولين أوقفتها الحكومة بعد الاعتراض الكبير عليها.

وتبين الزبيدي أنه بعد ما سُمِّيَ بحملة الفضيلة لم يُسمع عن أي حالات تدخل في الحريات الشخصية، وتبرر ذلك بدافع تخفيف وطأة الحصار في ظل عدم وجود أفق سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي.

فوْرات افتراضية

تقول المدونة الفلسطينية، علا عنان، إن الجدل يزيد كلما قامت الحكومة بغزة بفعلٍ ما ينافي الحريات أو يتدخل بشكل مباشر في حياة الناس أو يفرض نظامًا معيّنًا ينبغي على الجميع اتباعه غصبًا, مهما كان مغايرًا لقناعاتهم الداخلية أو مبادئهم الخاصة.

المدونة علا عنان

المدونة علا عنان

وحسب عنان فإن من يقوم بمتابعة حالات الجدل هذه, يلاحظ أنها تكون على شكل فوْرات افتراضية, لا تلبث أن تهدأ وترضى بكل خنوع بالأمر الواقع الذي تفرضه الحكومة, ثم تعود للفوران من جديد مع التصادم التالي الذي يحدث حتمًا بين الحكومة والمواطنين.

عنان التي أنشأت تدوينة لتجميع الأحداث المنافية لحرية التعبير والحريات الشخصية والتي تورط بها مرة بعد مرة أفراد من الشرطة أو أفراد الأمن التابعين للحكومة بغزة, تحاول توثيق هذه الأحداث وهي تشير إلى أن وضع الحريات بغزة أفضل حالاً منه في الضفة الغربية.

توجد حرية واقعية

يؤكد المتحدث باسم وزارة الداخلية في قطاع غزة، إسلام شهوان، أنهم كجهة رسمية يسعون دائمًا لأن يكون المواطن الفلسطيني في حالة يشعر بها بالأمن والأمان لذا فهم لا يتدخلون في الأمور الشخصية كاللبس أو الفكر، لكنه يتدارك القول بأن هناك مبادئ عامة بناء عليها يسير المجتمع الفلسطيني المحافظ المتدين، ويقول: “نحن لا نفرض على أي شخص أن يلبس أي شيء نريده أو أن يعمل شيئًا معينًا، والواقع بقطاع غزة يؤكد وجود حرية فكرية وسياسية تمنح للجميع بأن يقوم بأنشطته بشكل علني”.

المتحدث باسم الداخلية

المتحدث باسم الداخلية إيلام شهوان

 وبالإشارة إلى منع وزارة الداخلية لحفل الفنان عساف بعد موافقة وزارة الثقافة؛ يصفه شهوان بأنه حدث لا يمكن قياس النسق العام عليه، ويقول: “قمنا بتوفير حراسة شخصية لمحمد عساف، وساعدناه في أن يصل لأي مكان يريد، وكان من المجدي أن نرفض الحفل لأنه جاء في وقت ضيق وكنا نحتاج لفترة تأمين وترتيبات كثيرة لتوفير الحماية والأمن في المكان”.

قضية متوهمة

يرى القيادي في حركة حماس، “يحيى موسي”، أن المجتمع الفلسطيني يتمتع بحريته وكل حقوق الإنسان المطلوبة متوافرة، وأمر كبت الحريات بغزة غير موجود على أرض الواقع.

يحيى موسى القيادي بحماس

يحيى موسى القيادي بحماس

 لكنه يجد نفسه مضطرًّا لتوضيح ماذا يقصد بهذه الحرية، فيقول: “إذا كنا نتحدث عن الحرية بالمنطق الذي يعيش به العالم الغربي الذي يبيح كل المحرمات بلا حدود هنا تصبح هذه الحرية مقيدة وغير موجودة في غزة”، ويعقب بقوله: “لا يمكن الحديث عن قضية دون أن ننطلق من معايير واضحة أو اتفاق على ما هو الشيء الذي نتحدث عنه”.

ويشير إلى أن ما حدث في “حملة الفضيلة” على سبيل المثال أعلنت الحكومة أنه ليس قرارًا منها وتم محاسبة من قام بذلك، ومع هذا ينفي موسي تحمل أي شخص في موقع المسئولية مثل هذه القرارات، لكنه يعود ويناقض نفسه بأنها تصرفات من قبل أفراد في الأجهزة الأمنية يتم استدراكها من قِبَل الحكومة فورًا وإنهاؤها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد