مالي

 

في خطوة دبلوماسية غير مسبوقة، وفي ظل أجواء تزايد الصراع بين المغرب والجزائر على المستويين الإعلامي والدبلوماسي؛ استقبل الملك محمد السادس مؤخرًا بلال أغ الشريف، الأمين العام لـ”الحركة الوطنية لتحرير أزواد” بمالي، التي تدافع عن مصالح طوارق شمال مالي، وتضع من بين أهدافها استقلالاً ذاتيًّا للإقليم، بعدما تخلت عن فكرة الاستقلال الكامل وإقامة دولة مستقلة، وهو ما كان يتوجس خيفة منه الجيران قبل الإدارة المركزية لباماكو.

الحركة المعروفة في مالي – والتي لها قاعدة شعبية مهمة تجعل كل الفاعلين السياسيين المحليين والإقليميين يسعون إلى كسب ودها – دفعت وما تزال تدفع الثمن نظير مواقفها السياسية الرافضة لحمل السلاح في وجه إدارة باماكو، وهو ما جعل زعيمها، بلال أغ الشريف، هدفًا لفوهات بنادق الجماعات المتشددة التي كادت أن تغتاله في إحدى المحاولات التي نجا منها بأعجوبة.

والحديث عن التدخل المغربي الأخير من خلال استقبال زعيم أزواد، وإن جاء في سياق سيرورة دبلوماسية بدأها المغرب بتقديم دعم لوجيستي للتدخل العسكري الفرنسي، في أواسط السنة الماضية (2013)، وتواصل مع زيارة تاريخية للعاهل المغربي إلى مالي للمشاركة في حفل تنصيب الرئيس المالي إبراهيم بوبكر كيتا، ثم مع توقيع الرباط وباماكو على اتفاقية “إستراتيجية” لتكوين 500 إمام مسجد مالي في المغرب وهي الاتفاقية التي تمت في شتنبر بالموازاة مع زيارة الملك؛ هذه التحركات المغربية تعكس الأهمية القصوى التي باتت تكتسبها مالي بالخصوص، ومنطقة الساحل وجنوب الصحراء عمومًا، وهو ما جعل ليس فقط القوى الإقليمية (المغرب والجزائر على سبيل المثال) تتسابق من أجل وطأة قدم لها في المنطقة، بل حتى القوى الدولية كذلك.

الملك وزعيم ازواد

الملك وزعيم ازواد

الجزائر والمغرب.. صراع إستراتيجي!

يرى بعض المتتبعين أن الاستقبال الملكي الأخير لزعيم حركة أزواد يأتي في وقت يشتد فيه التسابق بين المغرب والجزائر على الإمساك بالملف المالي الشديد التعقيد والحساسية، بعد أن تبين فشل وساطة بوركينافاسو بين “باماكو” وطوارق الشمال، وبعد أن كان زعماء “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” قد بدأوا ينظرون بكثير من الشك والريبة إلى التحركات الجزائرية الأخيرة، والمتمثلة في استقبال عدد كبير من الفصائل السياسية والمسلحة المعنية بالصراع في شمال مالي، ما دفعهم إلى البحث عن لعب ورقة المغرب، خاصة بعد الزيارة الملكية الأخيرة للعاصمة المالية باماكو، واكتساب المملكة قدرًا كبيرًا من الثقة لدى الرئيس المالي، إبراهيم بوبكر كيتا، تجسّدت في توقيع ذلك الاتفاق الذي يتولى بموجبه المغرب تكوين 500 من أئمة مالي، وهو ما بدأ فعليًّا مع نهاية السنة الماضية باستقبال الرباط لأولى أفواج الأئمة الماليين.

واستقبال الملك لأكثر الحركات شعبية بين سكان الشمال المالي يعتبر – برأي كثيرين – تجسيدًا حقيقيًّا لعودة مغربية إلى منطقة تعتبر امتدادًا تاريخيًّا وثقافيًّا له، ويحظى فيها ملوك المغرب عبر التاريخ باحترام وتقدير كبيرين، كما أن الاستقبال الملكي لحركة أزواد يفتح المجال واسعًا أمام الدبلوماسية والفعاليات المغربية للعب دور أكبر في هذه المنطقة.

ويبدو أن تأكيد الرباط على ما وصفته بـ”الروابط التاريخية التي تجمع المغرب بمالي”، وكذا من خلال استقبال الملك محمد السادس لضيفه من الطوارق، بقصر الكتبية التاريخي بمدينة مراكش، هي مؤشرات تحمل أكثر من رسالة رمزية، بحيث أنه بالإضافة إلى أن الاستقبال ظهر فيه الملك وهو يرتدي الجلباب المغربي التقليدي، في إشارة إلى “مؤسسة إمارة المؤمنين” التي يتصف بها العاهل المغربي، فإن الاستقبال في مسجد “الكتبية” الذي أسسه المرابطون، وهم أسلاف الطوارق، يريد أن يبلغ رسالة إلى “من يهمهم الأمر” بحقيقة وجود روابط ثقافية وتاريخية بين المغرب ومالي وبالخصوص طوارق الشمال.

التحركات المغربية لم تكن محط ترحيب بطبيعة الحال من لدن الساسة الجزائريين، وسرعان ما صدرت تصريحات عن مسئولين نقلتها وسائل إعلام موالية للحُكم، تعتبر تلك التحركات المغربية أنها “موجهة” ضد الجزائر، وهي من أجل “تطويق بل وإفشال المساعي الجزائرية” في الوساطة ما بين الجماعات المتشددة، بما فيها حركة أزواد، وبين سلطات باماكو، واعتبرت تصريحات أخرى أن القصر الملكي المغربي يريد استعمال “العباءة الدينية”، في إشارة إلى تكوين الأئمة الماليين بالمغرب وإكساء طابع إمارة المؤمنين على الاستقبال الملكي الأخير، وذلك من خلال نهج ما يسمى بـ”الدبلوماسية الدينية”، من أجل الوقوف في وجه الدبلوماسية الجزائرية التي عُرِفت تاريخيًّا بنشاطها في منطقة الساحل والصحراء، وفق المصادر الجزائرية.

ويبدو أن حرص المغرب على الحفاظ على وحدة التراب المالي من خلال حث قيادات إقليم أزواد على ذلك، هو نقطة تلتقي فيها الرباط مع الجزائر؛ حيث إنه في الوقت الذي يسعى فيه المغرب إلى عدم استقلال الإقليم عن التراب المالي لأن عكس ذلك سيخدم بشكل كبير أطروحات جبهة البوليساريو المطالبة باستقلال إقليم الصحراء عن المغرب، فإن الجزائر هي الأخرى تعتبر استقلال إقليم أزواد عن دولة مالي وتأسيس دولة من الطوارق سيشكل خطرًا على الجزائر، لأن طوارق هذه الأخيرة ربما سيطالبون بمثل هذا الاستقلال مستقبلاً، وهو ما يجعل الجزائر هي الأخرى لا تتردد في مطالبة طوارق مالي في البقاء تحت نفوذ الدولة المالية.

الصحراء الكبرى والتهافت الدولي

بعيدًا عن الصراع بين الجزائر والمغرب؛ فإن تهافت القوى الدولية أيضًا على مالي وعلى منطقة الساحل والصحراء، تعكس إلى مدى بعيد الأهمية الإستراتيجية للمنطقة لدى الدول الغربية، فالكل يتذكر الإلحاح الذي أبدته واشنطن، في السنوات الأخيرة، من أجل حث بلدان إفريقيا على تأسيس قاعدة عسكرية أمريكية بالقارة السمراء تحت اسم “أفريكوم”، وهو المسعى الذي يبدو أنه لم يجد من أيٍّ من الدول الإفريقية من رحبت به بما فيها تلك الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية.

وهذا التهافت الغربي على المنطقة لا شك أنه جاء في سياق تزايد نشاط الجماعات الإسلامية المسلحة، وبخاصة “فرع تنظيم القاعدة في منطقة المغرب الإسلامي” التي تأسست على التراب الجزائري، قبل أن يمتد نشاطها ليشمل العديد من دول جنوب الصحراء الكبرى بما فيها مالي؛ بحيث باتت هذه الصحراء تُنعت بـ”صحرائستان”، تشبيهًا بأفغانستان.

مجموعة مسلحة في مالي

مجموعة مسلحة في مالي

ولعل ذلك هو ما جعل أيضًا القوات الفرنسية “تغامر” بتوجيه ضربة عسكرية إلى تلك الجماعات التي سيطرت على الشمال المالي وكادت أن تبسط سيطرتها على كل التراب المالي، لولا التدخل الفرنسي الذي لَقِيَ ترحيبًا ودعمًا دوليين، وبخاصة من لدن دول في المنطقة كالجزائر والمغرب، اللتين فتحتا مجاليهما الجويين للطائرات الحربية الفرنسية، التي كبدت الجماعات المتشددة خسائر فادحة.

وليس هناك في الأفق إلا أن يتزايد هذا الاهتمام الغربي بمنطقة الساحل والصحراء، وبخاصة في ظل الوضع الأمني غير المستتب في ليبيا ما بعد العقيد معمر القذافي؛ حيث تشير تقارير مختلفة إلى تدفق السلاح الليبي وكذا العناصر المتشددة إلى المنطقة الممتدة من الجنوب الليبي وإلى النيجر وبوركينافاسو وتشاد ومالي والجنوب الجزائري وكذا بتونس – التي تخوض حربًا ضد “أنصار الدين” المتورطة في اغتيالات سياسية – وغيرها من دول المنطقة.

مجموعة_مسلحة_في_مالي1

مجموعة مسلحة

وما يزيد الوضع خطورة وتعقيدًا هو إقامة أحلاف ما بين الجماعات المسلحة المتشددة، لا سيما بعد الضربة العسكرية الفرنسية للجماعات الموجودة بمالي؛ حيث ارتفعت أصوات الجماعات المتطرفة منادية بالدعوة إلى “الجهاد ضد النصارى الغزاة..”، ولعل ذلك ما جعل مجموعة مختار بلمختار (الملثمون) – المجموعة المتطرفة الجزائرية – و”حركة التوحيد والجهاد” بإفريقيا الغربية تتحالفان في أغسطس من العام الماضي؛ ليتم تشكيل جماعة جديدة تسمى بـ”المرابطين”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد