يقول بانكسي: «أحب الطريقة التي تجد بها الرأسمالية طريقها حتى إلى أعدائها»، فهل وجدت الرأسمالية طريقها إليه؟
لقد اعتاد بانكسي أن يكون فأرًا من الفئران، كان شابًا في السابعة والعشرين من عمره مجهول الهوية، يرسم الجرافيتي على حوائط المدينة  في الليل، لا يعرف أحد شيئًا عن حياته، ولا يملك من العالم شيئًا سوى جدران الشوارع وألوانه، يرسم فئرانًا كان لها دلالة مميزة في أعماله، ففنان الجرافيتي مثل الفأر لا يخرج إلى الشوارع سوى في الليل، ولا يمارس أعماله إلا والجميع نيام؛ لا يهدف للربح، فقط يعبر عن آرائه عبر جدران المدينة، فينتقد ديكتاتورية الأنظمة والحروب، ويحتج على السياسة الإسرائيلية عبر رسوماته على الجدار العازل.

لكن وبعد أن أصبح بانكسي واحدًا من أشهر رسامي الجرافيتي في العالم، يبدو أن قناعاته قد تغيرت، وأصبحت لوحاته تعرض في معارض لن يدخلها سوى الأثرياء، وتباع بمئات الآلاف من الدولارات، فلماذا هجر بانكسي الشوارع فجأة وقرر أن الجدران المغلقة لفندقه ستكون طريقة مثلى للاحتجاج على الجدار العازل؟

اقرأ أكثر عن بانكسي

ففي العالم العربي عرفنا بانكسي لأول مرة عندما قام بالرسم في فلسطين، تاركًا بصماته على جدران المنازل التي هُجر أهلها، وعلى جدار الفصل العنصري روى المعاناة الفلسطينية بألوانها، فكان الجدار هو قبلته ومتحفه المفتوح في فلسطين، حتى اعتبر البعض أعماله موروثًا وطنيًّا فلسطينيًّا، فهل سيتم اعتبار فندق الجدارعملًا وطنيًّا فلسطينيًّا أيضًا؟

لن نتحدث في هذا التقرير عن أعمال بانكسي حول العالم، ولا عن تضامنه مع كل المظلومين والمقهورين، وعدائه للسلطات الديكتاتورية والحروب، ولكننا سنتحدث عن فندقه الجديد، تحفته الفنية التي اعتبرها البعض أكبر راوٍ يشرح معاناة جدار العزل، واعتبرها البعض الآخر استغلالًا رأسماليًّا للجدار. فهل تغير بانكسي وأصبح رأسماليًّا فجأة؟

تاريخ الافتتاح: مئة عام على وعد بلفور

عزيزي اللورد روتشيلد/

يسرني جدًّا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته: «إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وتبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية».

الحكاية تبدأ من هنا، أو ربما قبل ذلك بـ 50 عامًا عندما بدأت الحركات الصهيونية بالضغط على رؤوس الاستعمار في العالم القديم، بمشاريع صنع وطن قومي لليهود، ولكن في عام 1917 تحديدًا، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وشعور بريطانيا بتهديد ممتلكاتها في الشرق، وبنص رسالة صغيرة من وزير الخارجية البريطاني «بلفور» إلى البارون اليهودي «روتشيلد» أصبح هناك وطن قومي لليهود، ودعوة للهجرة من كل أنحاء العالم إلى الأرض الموعودة فلسطين.

يعلم بانكسي – البريطاني الأصل-  جيدًا الدور الذي لعبته بريطانيا في المنطقة العربية، وخاصةً في صنع المعاناة الفلسطينية، فيلعن افتتاح فندقه بمناسبة مرور مئة عام على الوعد الذي قطعته بريطانيا للكيان الصهيوني في بلد ليس ببلدها، مئة عام من المعاناة والتهجير والقتل، فقط لأن بريطانيا أرادت بقواعد العالم الاستعماري القديم أن تحمي ممتلكاتها في الشرق، وأن تؤمن حدود تجارتها عبر قناة السويس وإلى الهند، وكان مشروع إسرائيل هو حليفها القوي، مسمار جحا الذي سيتم زرعه في وسط الأراضي العربية في فلسطين تحديدًا دولة المركز، والذي تضمن بريطانيا ولاءه، فتمت من هنا الموافقة على مشروع وايزمان، والذي كان مؤجلًا لسنوات من قبل.

فاختيار بانكسي لتاريخ افتتاح فندق الجدار في بيت لحم يراه البعض استكمالًا لسياسته المناهضة لبريطانيا، والبعض الآخر يراه عملًا جديدًا من أعمال الجرافيتي الخاصة به عن جدار الفصل العنصري، والمناهضة لأفعال الكيان الصهيوني في حق الشعب الفلسطيني، فهل فندق بانكسي فلسطيني الطابع فعلًا؟

الإطلالة: جدار الفصل العنصري

في فيلم «حبيبي بيستناني عند البحر» للمخرجة الفلسطينية ميس دروزة، رأينا الأهالي يروون قصة بحر يافا، هذا البحر الذي حُرم الفلسطينيون منه، ويفصل بينه وبينهم جدار، فكان الفيلم الوثائقي يروي قصص بشر يشتاقون إلى البحر، كمن يشتاق للقاء حبيبه، وهي واحدة فقط من مآسي هذا الجدار الحديدي الذي قطع الأراضي الفلسطينية إلى نصفين، فحرموا بذلك من كل ما يقبع على الناحية الأخرى من الجدار. أما الحكايات الفلسطينية الشعبية فتقول إن الذين تم تهجيرهم من منازلهم، قد قاموا بحمل مفاتيح تلك المنازل كتمائم حول أعناقهم، في انتظار اليوم الذي يعودون فيه.

يعلن بانكسي أثناء افتتاح فندقه، أنه يهدف لإزالة الجدار من الوسط، هذا الجدار الذي يكبل كلا الشعبين، ويحرمهم من المرور بسلام من القدس الشرقية إلى الضفة الغربية، والعكس بالعكس بحسبه، متناسيًا أن صناعة الجدار كانت إسرائيلية في المقام الأول، وأنه لا يجوز مساواة المعاناة الفلسطينية بمن صنع تلك المعاناة في نظر البعض، وكأن بانكسي قد وقع في الفخ، فخ الحياد في قضية لا تحتمل الحياد، وبعد سنوات من رسم المعاناة على الجدران، وبعد حروب قد أرّخَها بنفسه كحرب غزة، يعود بانكسي حاملًا شعار التعايش السلمي.


الشعب الفلسطيني لم يحرم نفسه من منازله في القدس الشرقية طواعية، بل تم تهجيرهم منها قسرًا، إذ أرادت إسرائيل في نظر العديد من المراقبين أن تفرغ القدس الشرقية من أهلها، ولكن عندما فشلت محاولات التهجير قسرًا وطواعية، ووجدوا أن عدد المهاجرين أقل بكثير من العدد المتوقع بعد حرب 1967، بدأ التفكير جديًا في مسألة الجدار العازل، وكان هدف الكيان الإسرائيلي منه هو تضييق الحصار على الفلسطينيين وتهجيرهم تمامًا من القدس الشرقية، أما هؤلاء الذين أبوا الهجرة، فقد تم حشرهم في أحياء صغيرة وجانبية، وبناء مستوطناتٍ يهودية خالصة، ومناطق صناعية وسياحية إسرائيلية حولهم تدعم وجود الكيان على أرض الواقع.

وبعد عام 2002، أصبح الجدار أمرًا واقعًا، يمر من أمامه الفلسطيني دون قدرة حقيقية على العبور، كل ذلك يجعل العديد من المراقبين يدركون أن قول بانكسي بأن كلا الشعبين يعاني من الجدار بنفس القدر، هو ربما ادعاء مبالغ، فالنظام الإسرائيلي هو الصانع الأول للجدار، وهو المستفيد الأوحد منه.

الديكور: وضع الجرافيتي بين الجدران المغلقة

قصة الفندق تبدأ من الجدار، الذي اعتقد بانكسي أنه واجهة مناسبة لجعل العالم كله ينظر من نافذة غرفته على الضفة الأخرى، ليرى السائح ما لن يراه أثناء التجول في المناطق السياحية اليهودية، وليكون شاهدًا على المعاناة، وقام باختيار ميعاد الافتتاح  ليؤرخ مرور مئة عام على وعد بلفور ببناء وطن لليهود. فجمع بذلك في متحفه الفندقي بين راحة الفنادق في الإقامة والرفاهية في الأثاث، وبين التعبير عن فكرة سياسية معينة يعتقدها صحيحة.

عشر غرف هي عدد الحجرات في فندق بانكسي من بينها جناح ملكي، يحكي بديكور كل واحدة منها قصةً مختلفة من قصص الاحتلال، أو ما يشير إليه على أنه النزاع العربي الإسرائيلي، وقد تم تجهيز الفندق على غرار النادي البريطاني إبان الاستعمار في إشارة أخرى واضحة للدور الذي لعبته بريطانيا في المنطقة، كما يحتوي الفندق على متحف ودار عرض ستمكن كلًّا من الفنانين الفلسطينيين والإسرائيليين من وضع لوحاتهم فيه بجانب لوحات بانكسي نفسه.

يقول بانكسي عن ذلك إنه دعوة لتنشيط السياحة في بيت لحم والضفة الغربية، وأن الفندق يفتح أبوابه لطرفي النزاع دون تفريق، وبدعوة منه للسلام والتعايش يريد بانكسي لكلا الطرفين أن ينظرا لوجهة نظر الآخر وهو يروي قصة الجدار من جانبه.

ولكن هل هذا ممكنًا؟ وهل قصص الحروب والاحتلال والاستيطان، وتهجير أهل الأرض يمكن وضعها في نفس الكفة على حد سواء مع قصص المُحتل والمستوطن والغازي؟

ففي هذا السياق يقول لنا الكاتب الفلسطيني «طارق حمدان»: «أي متتبع لمسيرة بانكسي لا يستطيع أن ينكر بأنه حقق جزءًا كبيرًا من شهرته من خلال أعماله التي رسمها في فلسطين. أعمال مؤثرة وشجاعة نعم. لكن هل بإمكاننا أن نقبض على موقف سياسي واضح وصريح لبانكسي الذي يشير إلى الموضوع الفلسطيني بالخطاب الإمبريالي المتمثل بكلمة (نزاع) Conflict؟ كأن فلسطين جزيرة متنازع عليها. وهو نفسه يصف الجدار بأنه (عائق للحركة بين شعب دولة إسرائيل وبين الفلسطينيين) كأن المحتل يعاني من الحركة تمامًا كالفلسطيني. هكذا تميَّع الفنون، وتتحول فكرة رسم مناهض للجدار إلى عمل لتجريد الجدار من معناه السياسي ليصبح عملًا فنيًّا و(بزنس) لا أكثر».

بانكسي الذي كان ضد الرأسمالية في بداية حياته، ويعاملها وكأنها العدو الأكبر في العالم، ويرفض تعليب الفن ووضعه في دور العرض والمتاحف، أصبح لديه الآن متحفه الخاص، ودار العرض الخاصة به، فمنذ عدة سنوات أصبح بانكسي وكأنه قد انضم للجانب الآخر من المعكسر، فأصبح رجل أعمال تباع لوحاته بمئات الآلاف من الدولارات، وهي مبالغ لا يقدر على دفعها سوى الأثرياء، تمامًا مثل فندقه الذي لن يستطيع أن يقيم فيه سوى هؤلاء الذين يستطيعون أن يدفعوا كلفة الرفاهية من السائحين، والذين لديهم القدرة على العبور إلى تلك النقطة من الأرض.

 

فيقول لـ«ساسة بوست» عن ذلك نضال بسام الكعبي من رام الله إن فكرة الفندق نفسها سيئة؛ لأنها تعمل على جعل الفن – والذي من المفترض أنه يسبح خارج كل دوائر الطحن الفاشية والإمبريالية- رأسماليًّا، محولة إياه إلى مشروع يدر أموالًا، ويستكمل حديثه قائلًا: «إخراج هذا الفن من موقع فعله الحقيقي في الشوارع وعلى الجدران، ومتحفته داخل الفندق، ليعيش الأجانب المتضامنون تجربتهم الثورية في الضفة المحتلة حتى خلال نومهم، وكأنهم بذلك يعيشون المعاناة. ووضع بانكسي طرفي الصراع على طرفي الجدار بكفتين متوازيتين، بدعوة الإسرائيليين للإقامة فيه، كل هذا إلى جانب صورة صراع الوسائد بين الملثم الفلسطيني والجندي الإسرائيلي، والتي ظهرت كلوحة رمزية لبانكسي داخل الفندق وتناولتها وسائل الإعلام، لا يعبر فعلًا عن وجهة نظر الفلسطيني الحقيقية في شيء».

في الواقع كانت إجابة بسام الكعبي في غاية الأهمية لأنها ألقت الضوء على مبدأ من مبادئ بانكسي نفسه، والذي قام بمخالفته، وهو تحويل الرموز الثورية إلى أداة رأسمالية، إذ قال بانكسي في مرة إنه ينزعج من الطريقة التي تتعامل بها الرأسمالية مع الرموز الثورية، محولة إياها إلى مادة استهلاكية هادفة للربح، معترضًا على طبع صور جيفارا على سلع استهلاكية تباع  بالأسواق قائلًا عنها: «يظن الناس أنهم إن ارتدوا شيئًا ثوريًّا فإنهم ليسوا بحاجة إلى أن يسلكوا الدرب الثوري». ولكن أليست هذه هي نفس فكرة فندقه؟

فالحقيقة حتى وإن رأى بعض الفلسطينيين غير ذلك أن بانكسي قد تعامل مع القضية الفلسطينية بنفس الطريقة التي تعاملت بها الرأسمالية مع تشي جيفارا، والتي اعترض عليها نفسه، محولًا الثورة والنضال الفلسطيني إلى حجرة فندق، يمكن للنزيل به أن يعتقد أنه إن قام بقطع تذكرة دخول إليه فقد أدى دوره الثوري، وليس بحاجة لأن يسلك الدرب الثوري على أرض الواقع.

هل يقبل الشعب الفلسطيني دعوة بانكسي الواضحة للتعايش والسلام؟

«لا تصالح! ولو منحوك الذهب.. أترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل ترى؟ هي أشياء لا تشترى». – الشاعر أمل دنقل

في فيلم «ميس دروزة» حبيبي بيستناني عند البحر، يقول أحد الفلسطينيين إنه لا يحب هذا المجند الإسرائيلي الذي يبتسم في وجهه كل صباح، ولا يسأله عن هويته أثناء عبوره للقدس، ولكنه يحب هذا المجند الآخر الذي يجعله ينتظر لساعات على حدود المعبر، ويتعامل معه باضطهاد واضح؛ لأنه هكذا يتعامل المُحتل، وهكذا لن ينسى أبدًا أنه يعيش وسط دولة احتلال.

في الحقيقة لا يحتاج الشعب الفلسطيني لتذكير نفسه كل صباح أنه مُحتل، فإسرائيل عادًة تتكفل بذلك، والسير بجوار هذا الجدار يجعلهم يوقنون كل يوم أنه على الناحية الأخرى هناك منازل ومدن وحياة تم حرمانهم منها.

ولكن السؤال هنا: هل يصالح الشعب الفلسطيني بعد مرور مئة عام؟ وهل دعوات بانكسي للتعايش السلمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين سيتم مقابلتها بالترحاب؟

يروي لنا أسعد صفطاوي من غزة شعوره حينما رأى لافتة الفندق لأول مرة، تلك التي ترحب بالزائرين باللغة العربية والعبرية والإنجليزية، والتي عرف بعدها أن الفندق يرحب بالزائرين الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، قائلًا: «لقد كنت من أشد المعجبين ببانكسي، لدرجة جعلتني أضع صور الجرافيتي الخاصة به على صفحتي الخاصة بفيسبوك منذ 2011 وحتى وقت قريب، لقد كان بالنسبة إليّ رمزًا وأيقونة في عالم الجرافيتي عامة، وفي موضوع فلسطين خاصة، ولكنني صدمت بموضوع فندقه أو متحفه كما يقول البعض، خاصة عندما علمت بما يرمز له الفندق من دعوات لجعل الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني في كفتين متماثلتين على حدٍّ سواء، لدرجة جعلت صورة بانكسي لديّ عليها الكثير من علامات الاستفهام».

وعلى الرغم من الموقف الواضح والصريح للعديد من الفلسطينيين من مسألة التعايش السلمي، أو وضع الطرفين معًا على حد سواء في كفة واحدة، إلا أنهم عندما يأتي الأمر لفندق بانكسي كانت هناك آراء مختلفة حول ما إذا كان الفندق رمزًا ينبه العالم للمعاناة الفلسطينية حقًّا، ويلقي الضوء على الجدار العنصري، أم أنه مجرد عمل متسلق آخر هادف للربح على حساب القضية الفلسطينية.

الفن يمكنه أن يكون مربكًا، خاصة وإن كان لفنان يستخدم السخرية في إيصال رسالته، مما قد يجعل الرسالة نفسها مشوشة لقطاع كبير من الجمهور، ولكن أيضًا لا أحد يستطيع أن ينكر أن الفن أداة نضال، يمكنها أن تكون أكثر فتكًا من الرصاص، ومن هنا يحدثنا سليم البيك الروائي الفلسطيني ومحرر مجلة رمان الثقافية، والذي يرى أن الفندق حتى وإن كان ينتقده في عدة نقاط إلا أنه ينبه العالم لبشاعة جدار العزل العنصري.

يقول سليم البيك عن ذلك: «أي حدث فني أو ثقافي لأجنبي داخل فلسطين سيمر حتمًا بنقاشات محلية فلسطينية قد يكون عنوانها الأساسي هو المقاطعة، لكن مسألة المقاطعة هذه صارت لدى الكثيرين فتوى مزعجة إذ يفرض بعض الفلسطينيين على الآخرين تماهيهم مع آرائهم، وإن لم يفعلوا كانوا في صف الاحتلال. ضمن هذه الفكرة كان النقاش حول فندق بانكسي، فمن الطبيعي أن يثير جدلًا أولًا لضخامة العمل وعالميته، وثانيًا لأسلوب بانكسي في إيصال رسائله المربكة، بمعنى أنه يصعب إدراك المقصود منها، والساخرة بشكلها العام. أنا مع أن تشمل النقاشات كل ما يحصل ثقافيًّا في فلسطين، على أن لا يفرض أحدنا نظرته للصحّ على الآخرين. ومن هنا أقول بأن الفندق، رغم ملاحظاتي العديدة عليه، نبّه وسينبّه العالم أكثر إلى بشاعة الجدار، وإلى أنه مقام في مدينة محتلة، وإلى أن الفن يمكن أن يكون دائمًا أداة نضال ضد كل أشكال القمع والعنصرية والاستعمار، وإن خضنا في التفاصيل أجد لدي انتقادات عديدة يخص أولها محاولته لإظهار الفلسطينيين والإسرائيليين كمتضررين، معًا، من الجدار».

أما سعيد أبو معلا من جنين فلسطين فيرى أن هناك علاقةً بين الفن والنضال الفلسطيني، وأن فندق بانكسي يدخل ضمن هذا النطاق الذي يُطلق عليه السياحة النضالية، فيقول: «حديثًا ارتبطت مسألة تكريس الهوية الفلسطينية والمقاومة اللاعنيفة بأشكال من المقاومة الثقافية والفنية، بعض هذه المظاهر كان مرتبطًا بأهداف اقتصادية، بمعنى أن تنجز أغراض ومنتجات فنية أو تحف تحمل قيمة مرتبطة بالقضية الفلسطينية، وتحقق للقائم عليها عائدًا ماديًّا ربحيًّا، وتجربة الفندق تأتي ضمن هذا السياق الفلسطيني والعالمي أيضًا، يضاف إليها ارتباط المسألة بالترويج السياحي، أو كما أسميها بالسياحة النضالية، وكما يسميها البعض بـ(سياحة الصراع)، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لنا كفلسطينيين؛ إذ نمتلك قصة آخر احتلال ومعاناة شعب يرزح تحته، ويمكن بحسب المفهوم التجاري الرأسمالي أن يحقق ذلك فائدة مالية لا يمكن التغاضي عنها».

وهنا يرى «أبو معلا» أنه يمكن للفن أن يستخدم أدوات الرأسمالية، وهو بذلك يخاطب الجمهور والمستهلك الرأسمالي، ويساند قضيته على حد سواء، ونتيجة لذلك سيحقق ربحًا أو فائدة مادية، ويستكمل حديثه قائلًا: «مدينة بيت لحم مقصد للسياحة الدينية عمومًا، وبالتالي يمكن الاستثمار في ذلك. مشكلتي مع تجارب كهذه إذا كان الهدف التجاري منها أهم من الهدف الوطني النضالي، بمعنى أن لا يصبح موضوع القضية مادة استهلاكية تجارية على حساب القضية ذاتها».

ولكنه يشير أيضًا إلى تفاؤله بتجربة الفندق، والذي يراه يبرز طرح القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني بجعلها موضوعًا سياحيًّا، مشيرًا إلى أن بانكسي يستثمر في سمعته العالمية ذاتها؛ لأن لوحاته تعتبر مزارًا للسياح في كل أنحاء العالم، مما سيلفت الأنظار للمعاناة الفلسطينية وبشاعة الجدار العازل بشكل أكبر.

في الحقيقة كل هذه الآراء تحمل بانكسي نفسه مسؤولية ضخمة، مسؤولية قضية لا يليق بها الربح المادي، ولا الاستغلال الرأسمالي، ومسؤولية أشخاص وضعوا حلمهم عليه لتنبيه العالم مرة أخرى إلى تلك البقعة من الأرض، والتي تم نسيانها لأن هناك حروبًا أخرى أكثر دموية تجري على الساحة السياسية، وتحصد التعاطف العام لأنها جديدة، فهناك شعب بأكمله يحيا في نظر أبنائه في سجن إجباري خلف الجدار، وينتظر أية بارقة أمل فهل سيكون بانكسي بأساليبه الجديدة قدر تلك المسؤولية، أم سيكون مصير هذا الشعب هو الخذلان؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد