ardogan

جاءت زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، أول أمس  الثلاثاء، لطهران في وقتٍ حرج، إذ يبدو أن تركيا قد غيرت من لهجتها في التعامل مع الملف السوري الذي يمثل أمنًا قوميًّا بالنسبة لإيران.

 صاحب أردوغان في زيارته رئيس خارجيته أحمد داوود أوغلو، ووزير التنمية جودت يلماز، ووزير الاقتصاد نيهات زيبكتشي، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية تانر يلماز، ما حدا بمحللين ومتابعين للشأن التركي التأكيد أن هذه الزيارة من أهم الزيارات بين البلدين ـ كان داوود أوغلو قد زار طهران في نوفمبر من العام السابق وزار جواد ظريف أنقرة في يناير الجاري ـ خصوصًا أن العلاقة بين البلدين شهدت توترًا بيِّنًا خلال العام 2013 بسبب اختلاف تعامل البلدين مع الأزمة السورية.

وكان حجم التبادل التجاري بين البلدين قد وصل إلى 13.5 مليار دولار خلال العام 2013 في نظير 21.8 مليار دولار في العام 2012، وقد أبدى أردوغان عن أمله في أن يصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلي 30 مليار دولار بحلول العام 2015.

 

تركيا وإيران: التنافس والتعاون   

الموقع الجغرافي والثقل التاريخي والسياسي والإستراتيجي جعل البلدين كفرسي رهان؛ حيث كان عنوان العلاقة بينهما هو التنافس وإن لم يخل هذا التنافس من تعاون على مستوىً عالٍ جدًّا، لم تكن تلك الحالة فقط في العصر الحديث، فقد شاهد التاريخ صراعًا مريرًا بين الدولة الصفوية بإيران والدولة العثمانية، ودخلا في حروبٍ عنيفة أدت في النهاية إلى هزيمة الدولة الصفوية وتغلب العثمانيين.

وشهدت السنة الأخيرة هذا التنافس بشكلٍ كبير وغير مباشر بالضرورة، وكانت الأزمة السورية هي عنوان هذا التنافس الذي وصل إلى درجات كبيرة ومتوترة من التضاد والتصريحات التي صعَّدَت من حدة الخلاف، فمنذُ بداية الأزمة السورية اتخذ الطرفان موقفًا متضادًا، فإيران ترى في سوريا أمنًا قوميًّا لن تسمح بالمساس به، إلى حد أن أحد المسئولين الإيرانيين قد صرح أنهم لا يفضلون فقط النظام السوري كنظام وإنما يفضلون بشار الأسد بشكل شخصي.

وارتفعت حدة العلاقة عندما أعلن أردوغان أن بشار الأسد يجب أن يتنحى، وقد آوى أردوغان المعارضة بشكلٍ كبير حتى إن جلسات الإئتلاف الوطني السوري تتم بتركيا بالتنسيق مع حكومة أردوغان، وفي ظل الحديث عن ضربة عسكرية تتزعمها الولايات المتحدة لتطيح بنظام الأسد كانت تركيا من أبرز المؤيدين للحل العسكري الأمر الذي زاد من الهوَّة بينها وبين إيران التي دافعت عن الأسد بقوة ودعمته أمنيًّا وعسكريًّا، وقد اشترك ذراعها في لبنان، حزب الله، في الأزمة السورية بسلاحه وأعضائه إلي جانب نظام الأسد.

ومع تصاعد نبرة الحديث عن حل سياسي للأزمة السورية بعد تراجع أمريكا عن فكرة الضربة العسكرية بسبب تهديد روسيا والصين باستخدام حق الاعتراض في مجلس الأمن” فيتو”، وبعد المحادثات الأخيرة حول نووي إيران وتخفيض العقوبات عليها، بدا أن حلفاء تركيا حول الأزمة السورية قد تخلوا عنها، حسب محللين، ما دفع تركيا إلى تهدئة تعاملها مع الملف السوري وخفوت نبرتها العدائية تجاه النظام السوري.

 

الملفات المشتركة بين البلدين:

لا تتوقف الملفات المشتركة بين تركيا وإيران على الأزمة السورية وحدها وإن كانت أهم الملفات، إلا أنَّ العديد من الملفات الأخرى “الشائكة” تجمعهما، فكردستان العراق أحد أهم المشكلات التي تهدد ليس فقط تركيا وإنما العراق وسوريا وإيران معًا، باعتبار أن الأكراد يوجدون في الدول الأربع، وبعض المحللين يتحدث أنه خلال زيارة أردوغان الأخيرة لطهران تباحث مع السلطة السياسية هناك حول ملف الأكراد؛ حيث نشبت بعض الخلافات بين تركيا وبغداد علي خلفية استيراد تركيا للغاز من إقليم كردستان العراق بشكل منفصل عن بغداد العاصمة، ما أثار الحكومة المركزية العراقية ضد تركيا، وكذلك تسهيل تركيا توصيل أنابيب من الإقليم إلى أوروبا.

بعض التقارير الأمنية الأخيرة أشارت إلى أنَّ طهران خلال الفترة الأخيرة تواصلت مع مجموعات كردية من شأنها إثارة القلاقل في تركيا بسبب التوتر في العلاقات بينهما خلال السنة السابقة، إلا أن أحدًا لم يؤكد صحة هذه التقارير أو إن كان الطرفان قد تحادثا بالفعل حول هذا الملف أم لا.

تأتي أيضًا قضايا خاصة بالوضع الاقتصادي بين البلدين، إذ أن اصطحاب أردوغان وزيري الاقتصاد والطاقة معه دليل علي محاولات تقارب اقتصادي كبير، وقد صرح أردوغان أنه يسعى إلى وصول حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 30 مليار دولار بحلول العام 2015، ويعتقد محللون أن تركيا من أهم الدول التي تتعاون اقتصاديًّا مع إيران، وقد كشفت فضيحة الفساد في تركيا مؤخرًا عن جانب من هذه العلاقة التجارية والاقتصادية، حسب محللين.

 

تركيا تحتاج إيران:

رغم المشادات التي جرت بين وزير خارجية تركيا داوود أوغلو ونظيره الإيراني جواد ظريف في منتدي دافوس، إلا أنَّه حسب محللين تحتاج تركيا لإيران وكذالك تحتاجها إيران وإن بشكلٍ أقلّ، فبعد الأحداث الأخيرة وتخلّي حلفاء تركيا عنها في الملف السوري وسوء علاقة تركيا بدول كبيرة في المنطقة كمصر ودول الخليج، باعتبار أردوغان لم يعترف بالسلطة الحالية في مصر التي أطاحت بحليفه الرئيس المعزول محمد مرسي، وكذلك موقف دول الخليج الداعم للسلطة المصرية الحالية، إضافةً إلي علاقة أنقرة المضطربة مع العراق، كل هذا يجعل تركيا تتجه مرةً أخرى لطهران، في محاولة منها لوضع توازن ما في سياستها الخارجية، إضافةً إلى محاولة تركيا الفوز بعدة عقود للغاز والنفط بعد تخفيض العقوبات الاقتصادية على إيران، في ظل الحديث عن تخفيض جميع العقوبات إذا استمرت المفاوضات النووية بين طهران والدول (5+1).

على الجانب الآخر فإن إيران تحتاج تركيا أيضًا، وإن بدرجة أقلّ، فتحريك المياة الراكدة بينهما سيضمن لها تحالفًا مع دولة سنية كبيرة كتركيا كبديل عن علاقتها السيئة بالسعودية، كما أنها ستتجنب خطر وجود صواريخ الناتو علي حدود تركيا بتحالفها القوي معها.

نتائج الزيارة:

رغم التصريح العنيف الذي أدلى به عبدالله حاجي صادقي مساعد خامنئي، قبيل زيارة أردوغان لطهران، بأن أردوغان “أصبح كالدمية في يد إسرائيل في الفترة الأخيرة” إلا أن نتائج الزيارة المهمة لطهران ـ بعد أن قابل أردوغان روحاني وخامنئي ـ جاءت إيجابية، فقد وقَّع الجانبان اتفاقيات في مجالات التجارة والتعريفة الجمركية والاقتصاد والسياحة،  وقد أعلن أردوغان عن نجاح زيارته، وكان قد أدلى بعدة تصريحات اعتبرها محللون محاولة ناعمه للتقارب، ما قوبل بالإيجاب من إيران.

كان أردوغان قد صرح خلال زيارته بأن إيران تعتبر”وطنًا ثانيًا”، وصرح بأنه يسعى إلى التقارب في العمل بين البلدين حتى تصبح العلاقة بين البلدين كحكومة واحدة؛ بحيث يغدو اجتماع وزيرين من البلدين يعتبر اجتماع وزيرين من بلدٍ واحد، وحسب تصريحات وزير الثقافة الإيراني علي جنتي فإن العلاقات بين البلدين ستمتد للتعاون الثقافي والسينمائي، كما أعلن أردوغان عن أمله بإبرام اتفاق ثنائي بين البلدين حول مجلس أعلى للتعاون بين البلدين خلال زيارة روحاني المزمع القيام بها قريبًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد