عناصر_ليبية_مسلحة_1

سؤال عريض هذا الذي يفرض نفسه بإلحاح على المتتبع للوضع الليبي الذي يزداد تأزمًا وغموضًا يومًا بعد يوم، وفي ثنايا السؤال يبدو المستقبل محفوفًا بكثير من المخاطر، على رأسها خطر انجرار أبناء الشعب الواحد إلى مستنقع الحرب الأهلية، وإلى التفرقة البغيضة القائمة على الأيديولوجيا والقبلية؛ إنها التحذيرات التي بات لا يتردد حتى أكبر المتفائلين بغد الثورة المشرق في إطلاقها وتبليغها لمن يهمهم أمر هذا الشعب الخارج لتوه من حكم دكتاتوري حكمه لأربعة عقود.

وبشكل لافت للنظر تتابعَت الأحداث في الأيام الأخيرة، وفي ظرف وجيز سمعنا أخبارًا عن أكثر من محاولة انقلاب، آخرها كان الذي حدث أمس عندما توجهت عناصر مسلحة بأسلحة خفيفة وثقيلة إلى مقر المؤتمر العام الوطني (البرلمان)، وطلبت من النواب (الأعضاء) الانسحاب من المقر، بعدما تم إعطاؤهم مهلة 5 ساعات لمغادرة مقر المؤتمر، وكذا ترك العضوية بعدما اتهموهم بلائحة عريضة من التهم من قبيل “الخيانة” و”الفساد” و”التآمر” على الوطن، وغيرها مما يعتبر كافيًا لأن يكون فتيلاً لإشعال نار الشقاق والعداوة والتفرقة.

محاولات انقلاب..

Libyan Prime Minister Ali Zeidan speaks during a joint news conference with Libyan General National Congress President Mohamed al-Magariaf at the Prime Minister's Office in Tripoli February 5, 2013.   REUTERS/Ismail Zitouny (LIBYA - Tags: POLITICS CIVIL UNREST)

عاش الطرابلسيون يوم الثلاثاء الماضي (17 فبراير) ليلة استثنائية، وهم يتابعون تحرك آليات عسكرية صوب مقر المؤتمر الوطني العام؛ حيث كانت تحمل عناصر مسلحة تابعة لِلوائي “القعقاع” و”الصواعق”، وكانت تتخذ مواقعها أمام مقر المؤتمر العام، وفي نفس الوقت هب ثوار آخرون موالون للحكومة والمؤتمر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وضربوا طوقًا على مؤسسات حساسة وشخصيات مسئولة، خاصة بعدما هدد كل من لوائي “القعقاع” و”الصواعق”، التابعين لثوار مدينة الزنتان باعتقال أعضاء المؤتمر في حال لم يستجيبوا لطلبهم لهم بالاستقالة ومغادرة مقر المؤتمر.

واستمر التوتر في العاصمة الليبية أمام اندهاش المواطنين في وقت لوحظت فيه دبابات وعربات مجنزرة تجول في الشوارع، وعلى متنها جنود تابعون للواء الأول المعروف باسم “القعقاع” من ركن حرس الحدود بالجيش الليبي؛ الذي سارع البعض منهم إلى إغلاق مطار العاصمة طرابلس أمام حركة الملاحة الجوية لعدة ساعات، ومما ساهم كثيرًا في تلبد الأجواء هو أن هؤلاء “الانقلابيين” الجدد الذين عبروا عن رغبتهم في الإطاحة بالمؤسسة الأسمى تشريعيًّا وسياسيًّا حاليًا في ظل غياب مؤسسة الرئاسة، جاء تحركهم مباشرة بعد إعلان الحكومة عن إجراء انتخابات سابقة لأوانها، من أجل برلمان أو مؤتمر عام جديد وسلطة انتقالية جديدة أيضًا، وهو ما جعل البعض يبدي كثيرًا من الاستغراب عن الدواعي الحقيقية لهذا التحرك العسكري في هذا الوقت بالذات.

من يريد نقل النموذج المصري؟

مؤتمر_3

على الرغم من أن رئيس الحكومة الليبية، علي زيدان، خرج إلى الصحافة في تلك الليلة (الثلاثاء 18 فبراير / شباط)، بعد وقت وجيز من تحرك المسلحين، ليُعلن أن حكومته توصلت إلى “تفاهم” مع الثوار السابقين الذين وجهوا إنذارًا إلى أعضاء المؤتمر الوطني العام يضم مطالبة باستقالتهم، مؤكدًا أنه أجرى محادثات مع مجموعات الثوار السابقين ومع الأمم المتحدة والمؤتمر الوطني العام، وأن “الحكمة قد انتصرت”، فإن جوانب كثيرة من هذا التحرك المسلح الأخير ظلت معتمة وتحتاج إلى مزيد من تسليط الضوء، لا سيما في ظل تداول أخبار عن ارتباط هذين اللواءين بشخصية سياسية معروفة مثل محمود جبريل، رئيس الوزراء السابق (من 23 مارس 2011 إلى نوفمبر 2011)، ورئيس تحالف “القوى الوطنية”، وهي القوة الثانية في المؤتمر من حيث التمثيلية، ومعروف عن جبريل مناهضته للإسلاميين الذين يسيطرون على أغلبية المؤتمر الوطني العام وكانوا ضد إنهاء ولايته، قبل أن يتراجعوا عن تشبثهم بذلك بعد النفق الذي سار إليه المشهد الليبي في الأيام الأخيرة.

حفتر_3

محمود جبريل الذي نفى أية علاقة له بالعناصر المسلحة المهاجمة وأكد أن التحالف السياسي الذي ينتمي إليه ليس له “جناح” عسكري، لم يتردد في مقابل ذلك من توجيه “إشارات” قوية تكاد تتماهى مع ما طالب به هؤلاء الذين حاولوا الانقلاب على المؤسسة التشريعية؛ بحيث وصف ما تشهده ليبيا بأنه “تأزم ناتج من تعنت بعض الجهات السياسية”، لافتًا إلى أن “قرارات المجموعات المسلحة الفاعلة هي في أيدي قبائلها”، وذهب جبريل إلى حد التكهن فيما إذا كان هؤلاء المسلحون سيستعملون سلاحهم وينفذون ما يتوعدون به المؤتمر العام أم أن تحركهم هو فقط تهديد لأجل الشعب، قائلاً في هذا الصدد أن “هناك فرقًا بين التهديد بالقوة واستخدامها”، متمنيًا أن “تؤتي الضغوط وحدها بنتيجة في إقناع المؤتمر بسماع صوت الشعب”.

وليس وحدها أطراف داخلية لها “شبهة” العلاقة بالضلوع في التوتر الأمني والسياسي الأخير، في ليبيا، بل إن أصابع الاتهام تشير أيضًا إلى أطراف خارجية إقليمية في المقام الأول لا تريد للثورة الليبية أن تنجح، على غرار ما فعلته هذه القوى في أرض الكنانة مع الإخوان المسلمين، ودعمها لمن أطاحوا بهم، والحديث يخص دولة الإمارات العربية المتحدة التي اتهمتها صراحة غرفة عمليات ثوار ليبيا – أكبر تجمع رسمي للثوار بليبيا- بتآمرها على الثورة الليبية، ودعمها لمحاولة الانقلاب التي فشلت والتي قادها اللواء حفتر قائد القوات البرية السابق والذي فر من ليبيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة.

قائد_بلواء_القعقاع_5

وذهب الثوار إلى حد الزعم أن دولة الإمارات التي “نجحت في إسقاط نظام ما بعد الثورة في مصر”، بحسبهم، أنهم حصلوا على “معلومات موثقة وممهورة بالأسماء والتفاصيل بشأن الخليتين اللتين قام جهاز الأمن الإماراتي بتشكيلهما، من أجل الانقلاب على الثورة الليبية وضرب نتائجها، وإيقاف تصدير النفط الليبي”.

في ظل هذا الزخم من الأحداث المتوالية والتي أبانت عن ضعف السلطة المركزية في طرابلس يظل المواطن الليبي يمني النفس في أن يرى بلاده تخرج من هذا المأزق الذي وضعها فيه السياسيون والجماعات المسلحة، بيد أن أمنيات الشعب الليبي التي تتجلى في بناء مؤسسات دولة جديدة ديمقراطية وحديثة يبدو أنها لن تكون سهلة المنال في ظل وجود أطراف أخرى منزوية في جهات معينة بالبلاد، ولا يهمها أن يرحل هذا المؤتمر العام أو يبقى بل هدفها هو إقامة “إمارة إسلامية تحكم بشرع الله” وهذه حكاية أخرى لم تبدأ بعد!

عرض التعليقات
تحميل المزيد