التأسيسي التونسي يصادق نهائيا على الدستور الجديد 

في نفس الشهر الذي قامت فيه الثورة في تونس قامت الثورة في مصر أيضًا، في يناير من العام2011، وبعد ثلاث سنوات من انطلاق الثورتين تقابلت مصر وتونس مرةً أخرى، ولكنّ هذه المرة على الدستور، في مصر تمّ اعتماد الدستور عبرَ استفتاءٍ شعبيّ، بينما كان اعتماد الدستور في تونس من خلال المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان)، جاء الدستور في كل بلدٍ منهما في ظروف سياسية واجتماعية مختلفة في ظل دور الجيش في كلا البلدين. الثورتان اللتان تقاربتا كثيرًا في البداية لم يكن مكتوبًا لهما التقارب في النهاية.

 

الحالة السياسية في البلدين:

كان مسار الثورة في تونس تحييدًا للمؤسسة العسكرية من العمل في السياسة منذ البداية، وقد تعامل الجيش مع الثورة بواقعية شديدة، ولم يتدخل فيما بعد، إذ يبدو أنه ليس هناك أي طموح سياسي لقادته، ثمَّ جاء التيار الإسلامي في تونس إلى السلطة عبر الصناديق، لكن حركة  النهضة في تونس لم تحاول السيطرة علي أيٍّ من السلطات التنفيذية وأبدت مرونة كبيرة جدًّا في التعامل مع الفرقاء السياسيين، وقد تخلت الحركة عن رئاسة الحكومة مؤخرًا في محاولة منها لاحتواء المعارضة والخروج من أزمة كادت تودي بالتجربة الديموقراطية في تونس، وفي منتدي دافوس صرح زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي أنَّ في المراحل الانتقالية 51% من الصناديق لا تكفي لقيادة دولة، وإنما يجب التوافق بين جميع أطياف الطيف السياسي، وقد استطاعت حركة النهضة تنفيذ هذا جيدًا.


مداخلة الشيخ راشد الغنوشي في منتدى دافوس

كانت الأمور على اختلاف في مصر، إذ ما بدأت الانتخابات والصراع علي السلطة حتي كان التيار الإسلامي مصارعًا أساسيًّا في الانتخابات، وقد حاول السيطرة على السلطة الرئاسية إلى جانب مجلس الشعب والشورى، لكنَّ المؤسسة العسكرية كان لها رأيٌ آخر، بعد سنة واحدة فقط من رئاسة التيار الإسلامي، تصاعدت حدة المظاهرات الشعبية، حتي قاد الفريق الأول عبد الفتاح السيسي انقلابًا ضد الرئيس الذي جاء به وزيراً للدفاع، وألغي العمل بالدستور الذي استفتى عليه وتم العمل به في حكم التيار الإسلامي، وقامت عليه تعديلات حتى تمّت الموافقة عليه في استفتاء شعبي خلال يناير الجاري.

وهنا يبدو الاختلاف بينًا، في تونس لم تتدخل المؤسسة العسكرية في السياسة بشكلٍ من الأشكال، أما في مصر فقد تدخلت وأشرفت علي إعداد الدستور من خلال لجنة الخمسين التي عينتها السلطة الجديدة.

جاءت ذكرى الثورة في كلتا البلدين مختلفتين بعض الشيء، في تونس قامت بعض المجموعات الشبابية بالمظاهرات ضد الحكومة، تخلت حكومة النهضة عن السلطة لصالح حكومة تنكوقراط ما أدى إلى استقرار وهدوء نسبي في الساحة السياسية في تونس، أما في مصر فقد حدثت حوادث قتل وإصابات واعتقالات واسعة خلال ذكرى الثورة، فقد نزلت جموع من الشعب المصري الرافضة للسلطة الحالية في مصر، قابلتها الحكومة  بيدٍ من حديد ما أدى إلى سقوط أكثر من خمسين قتيلاً وأكثر من خمسمائة معتقل، وعشرات الإصابات.

اختلافات في الدستورين:

بين الدستورين اختلافات كثيرة، نذكر هنا أهمها:

يبرز أول اختلاف إجرائي بين الدستورين المعتمدين خلال شهر واحد، الطريقة التي عُمل بها الدستور، ففي تونس تمّ انتخاب 217 أعضاء للمجلس التأسيسي التونسي (البرلمان)، المنوط به إعداد الدستور، حاز حزب النهضة علي أغلبيته بإجمالي 89 عضوًا، وفي تقاسم واضح للسلطات السياسية في تونس كان رئيس المجلس التأسيسي هو الأمين العام لحزب التكتل الذي حل رابعًا في الانتخابات بإجمالي 20مقعدًا، مصطفى بن جعفر.

في مصر كانت طريقة تعديل دستور 2012 (الذي اعتمد في سنة حكم التيار الإسلامي من خلال استفتاء شعبي) عن طريق تعيين السلطة الجديدة في مصر للجنة الخمسين الذين اختارتهم، وقد تمّ عرض الدستور في استفتاء شعبي، كانت نتيجة التصويت بنعم فيه 98% وهو ما فتح الباب للحديث عن عدم شفافية الاستفتاء.


عضو لجنة الخمسين محمد أبو الغار يتحدث عن تزوير الجيش لمسودة الدستور المصري.

ثانيًا: فيما شاهد الدستور المصري تكثيفًا وتأكيدًا على الشريعة الإسلامية التي يستمد منها الدستور تشريعه، كان التأكيد في دستور تونس علي أن الدستور هو السلطة العليا للبلاد والشعب هو مصدر السلطات، رغم أنه لم ينفي أن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام، إلا أنَّ دستور تونس لم يشهد تأكيدًا أو توسعًا في المواد الخاصة بالشريعة، فيما حاول الدستور المصري ـ حسب محللين ـ مراضاة التيار السلفي ممثلاً في حزب النور.

ثالثًا: جاء الدستور التونسي في محاولة لرأب الصدع ولم شمل الفرقاء السياسيين، في ظل تخلي النهضة عن رئاسة الحكومة، ومحاورتها للفرقاء السياسيين للخروج من الأزمة، فيما خيم جو الاستقطاب على الدستور المصري، ما بين مؤيدي الفريق السيسي ومعارضيه، بل شهدت أجواء الاستفتاء القبض علي المعارضين الذين كانوا يوزعون دعايات للمشاركة في الدستور بالسلب (لا).

رابعًا: جاء الدستور التونسي متوسعًا جدًّا في الحقوق والحريات، فقد ضمن الدستور التونسي حماية الدولة لكرامة الذات البشرية وضمن عدم سقوط جريمة التعذيب بالتقادم وتحجير سحب الجنسية من أي مواطن أو منعه من العودة إلى البلاد كما ضمن هذا الباب حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات والحق في التظاهر والاجتماع وحق الإضراب والحق في الوصول إلى المعلومة في حدود عدم المسّ بالأمن القومي، كما ضمن هذا الباب الحق في الملكية وحقوق الطفل، وضمن حق اللجوء السياسي وحظر تسليم اللاجئين.

بينما جاء الدستور المصري أكثرَ تفصيلاً وإن كانت عباراته عامة، فهو قد ضمن الحقوق والحريات وعدم  التمييز بين أحد علي حساب الدين أو العقيدة أو الانتماء إلا أنه أيضًا احتوى على إمكانية تقييد الحرية إلا أنه ضمن لمن تقيد حريته “التعامل بما يحفظ عليه كرامته وعدم تعذيبه ولا إيذاؤه معنويًّا ولا بدنيًّا” كما تضمن الدستور المصري إمكانية محاكمة المدنيين عسكريًّا في 17 حالة، وهو ما كان غائبًا عن الدستور التونسي.

خامسًا: جاء دور المؤسسة العسكرية قاصرًا في تونس علي حماية الدولة والأمن القومي في البلاد، واختصاص الدولة وحدها بإنشاء القوات المسلحة وقوات الأمن وأية قوات أخرى، بينما جاء الدستور في مصر محتويًا على تدخلات المؤسسة العسكرية في الواقع السياسي، فبعيدًا عن المحاكمات العسكرية للمدنيين، فقد ضمن الدستور حصانة موازنة الجيش من أية رقابة مدنية، بعد أن حصر مناقشتها على مجلس الدفاع الوطني، كما ستدرج الموازنة القوات المسلحة في موازنة الدولة دون أية تفاصيل عن الموازنة، كما جاء أن القضاة العسكريون مستقلون وغير قابلين للعزل!

كما جاء في الدستور أن الرئيس يختار وزير الدفاع، إلا أن تعيينه لا يتم إلا بموافقة المجلس الأعلي للقوات المسلحة، ويكون تعيينه لمدة ثمان سنوات (مدتين رئاسيتين) ما جعل بعض المحللين يرى في تلك المادة تحصينًا غير مباشر لوزير الدفاع عبدالفتاح السيسي.

 كما جاء في المقدمة أن “ثورة30 يونيو جاءت تتويجاً لثورتي 1919 و1952، واصفةً جمال عبد الناصر بالزعيم، ما دفع بمحللين للتأكيد أن الدستور الجديد جاء بمصر ليؤكد السلطة العسكرية التي كانت قد أسسها الرئيس جمال عبد الناصر.

سادسًا: جاءت نسبة الموافقة علي الدستور التونسي بأغلبية ساحقة للموافقة، إذ وافق 200 عضو على الدستور من إجمالي 216 عضوًا، في مصر جاءت نسبة المشاركة في الاستفتاء علي الدستور 38.6% بإجمالي 20 مليون و500 ألف ناخب، وجاءت نسبة الموافقة على الدستور98% ما فتح الكلام عن عدم شفافية الاستفتاء.

ينتظر بعد الموافقة على الدستورين تحديد موعد الانتخابات الرئاسية في كليهما، وتحديد موعد الانتخابات البرلمانية في مصر، في مصر كان قد أعلن المجلس الأعلي للقوات المسلحة في وقتٍ سابق أنه لا يمانع من ترشح الفريق السيسي للرئاسة في مصر، وتم ترقيته من قبل الرئيس المؤقت عدلي منصور لرتبة مشير، ما يبدو أنه توطئة لترشحه للانتخابات الرئاسية في مصر، وفي حال ترشحه فإن نزاهة الانتخابات وشفافيتها ستكون محل نقاش واسع.

 

استقبال الدستورين عالميًّا:

تتابعت التعليقات والتقارير من المؤسسات الإعلامية الكبرى والعديد من الحكومات، ففي مقالهِ المنشور في فورين بوليسي قال الكاتب مارك لينتش أنه يخشي من زيارة مصر، آخذًا في الاعتبار الطريقة التي تتعامل بها السلطات مع الأشخاص الذين يشتبه بهم الانتماء للإخوان، وأكد أن الاستفتاء خطوة أخرى نحو الديكتاتورية، وتكريسًا للنظام الاستبدادي في مصر الذي حاول الشعب في 25يناير التخلص منه.

فيما قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري – في بيان لوزارة الخارجية الأمريكية – أن الديموقراطية في مصر لا يحددها الاستفتاء وإنما العبرة بالخطوات التي تتبعه، ودعا الحكومة المصرية إلي اتخاذ خطوات تجاه الديموقراطية وعدم ممارسة العنف والاستبداد.

كما أن منظمة الشفافية الدولية قد أعلنت أن الظروف السياسية في مصر وحالة الحريات المضطربة في الشهور الأخيرة قد حالت دون فرصة تنظيم استفتاء حر ونزيه في مصر، كما أشارت جريدة الغارديان في تقرير بعد الاستفتاء أن مصر على بوابة العودة للحكم المطلق، كما أشارت في تقريرٍ آخر إلى أنَّ الربيع العربي بدأ في تونس وانكسر في مصر في إشارة منها إلى اعتماد الدستورين التونسي والمصري.

بالنسبة لتونس كان الوضع مختلفًا، فقد أشادت العديد من الحكومات بالدستور التونسي المعتمد، رحبت الإدارة الأمريكية بالدستور التونسي الجديد” الذي يعد لحظة تاريخية للشعب التونسي ويمثل إنجازًا ملموسًا في طريق تونس نحو العملية الديموقراطية”، فيما صرح الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن المصادقة علي دستور تونس يعتبر مرحلة تاريخية، كما اعتبر النموذج التونسي مثالاً يحتذي بالنسبة للدول الأخرى التي تسعى للديمقراطية.

دستوران في تونس ومصر خلفا حسرةً لدي التيار الإسلامي في مصر، وبهجة لدى التيار الإسلامي في تونس، وكان الشيخ راشد الغنوشي قد صرح أكثر من مرة منذ بدايات الثورة أن على التيار الإسلامي بمصر أن يحذو حذو حركة النهضة سياسيًّا، لكنَّ ما هو متفق عليه مدى صعوبة المشكلات التي تواجهها البلدين، فمستوي البطالة مرتفع جدًّا إضافةً إلى البنى التحتية التي تأثرت بشدة خلال الثورة والثلاث سنوات التي بعدها. يهنئ الفرقاء السياسيين في تونس بعضهم البعض في مشهد كرنفالي في البرلمان، بينما لا يسمع صوت المعارضين في مصر، ويواجهون بالدبابات!

علامات

تونس, دستور, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد