صور-المصريين_1.png (774×768)

“رُبّ ضارة نافعة!” هذا المثل يكاد ينطبق على الأصوات المسيطرة على المشهد الإعلامي والسياسي المصري هذه الأيام، والتي وجدت في مقتل سبعة مواطنين مصريين مسيحيين في شرق ليبيا، مناسبة أخرى سانحة لجلد “الجماعة الإرهابية” – الإخوان المسلمون – بل واتهام التنظيم الدولي للإخوان بالوقوف وراء هذه الجريمة النكراء، خاصة في ظل وجود جماعات متشددة ومسلحة في الشرق الليبي وبخاصة في مدينة بنغازي، وهي الجماعات التي لا تخفي عداءها للسلطات المصرية الحالية التي جاءت بعد الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين وإدراجها ضمن القائمة السوداء.

الإعلام المصري وكعادته، في ظل الحكم الجديد، عندما يتعلق الأمر بسفك الدماء فإن المتهم معروف وهو الجاني مع سبق الإصرار والترصد، وعندما يكون الأمر يتعلق بدم الإخوة المسيحيين الأقباط، فإن التهمة ثابتة لا غبار عليها، لأن “الجماعة الإرهابية والمنتمين إليها ما تزال تهدف لشق الصف في مصر بعد فشلها في إحداث الفوضى والبلبلة بالمظاهرات واستهداف الضباط”، كما قالت إحدى الصحف الموالية للحكم الجديد.

قتل أم انتقام!

مسيحيون_مصريون_2.jpg (1024×450)

صحيح أن هناك بليبيا – وبخاصة في مدينة بنغازي مهد الثورة الليبية – توجد جماعات متشددة لا تخفي تعاطفها مع جماعة الإخوان المسلمين، وأن مقتل هؤلاء المصريين الأبرياء السبعة قد يكون نكاية في نظام الحكم الحالي الذي أطاح بجماعة تعتبرها هذه الجماعات الليبية المتشددة الجماعة الأم والروحية، وصحيح أيضًا أن هناك أحداث مؤسفة من هذا القبيل سبق أن شهدتها الديار الليبية بالموازاة مع الأحداث الساخنة والدراماتيكية التي مرت ولا تزال تمر بها بلاد مصر منذ إزاحة الرئيس المعزول محمد مرسي عن السلطة؛ ومن هذه الأحداث مقتل مواطن مصري في الشهر قبل الماضي في مدينة بنغازي الليبية، كما تم حرق كنيسة بني مرقص القبطية المصرية في مصراتة سابقًا؛ لكن كل ذلك لا يمنع من القول بأن هناك أيضًا مسئوليات للحكام الجدد إزاء مواطنيهم لا ينبغي بأي حال من الأحوال التملص منها.

مصريون_3.jpg (600×800)

ويبدو أن المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير بدر عبد العاطي، لم يكن على صواب عندما أعطى تصريحات لإحدى القنوات أكد فيها “أن حماية المصريين في ليبيا هو مسئولية الدولة الليبية”، وكان من اللائق أن لا يرمي بكل اللوم على المسئولين الليبيين، لأن مصر  -كغيرها من الدول وكما تنص على ذلك كل الأعراف والمواثيق الدولية – ملزمة ومن حقها الدفاع على مواطنيها وحمايتهم بما يخوله لها القانون الدولي، بما في ذلك استعمال القوة إذا استدعت الضرورة ذلك.

حماية المواطن تأتي أيضًا كإجراء وقائي منذ عزم المواطن مغادرة التراب الوطني، بحيث يتم ترشيده وتحذيره من الذهاب إلى هذه المنطقة أو تلك لخطورتها، وعندما يتعلق الأمر بالذهاب إلى ليبيا حاليًا يعتبر تنبيه المواطنين واحدًا من الواجبات الوطنية، ويبدو أن أكبر مثال على كون الدولة الأصل وليس دولة الإقامة هي الأولى بحماية مواطنيها من غيرها، هو أن الدول التي تحترم مواطنيها (الدول الغربية بالخصوص) لا تتردد في إصدار البيانات والتحذيرات عبر سفاراتها وقنصلياتها بالخارج من أجل تنبيه رعاياها بأن لا يقتربوا لهذه التجمعات أو تلك، أو بأن يلتزموا بيوتهم إلى أن يأتيهم إشعار بغير ذلك، وذلك خوفًا على أمنهم وأرواحهم!

الوجه الآخر للاغتيال

أنصار-الشريعة_4.jpg (782×539)

لا شك أن في طريقة اغتيال المصريين السبعة المسيحيين – بالرصاص – توجد عدة رسائل، إضافة إلى الرسالة الانتقامية من الحُكم المصري الحالي؛ بحيث لا يخفى على أحد أن هناك من الجماعات المتشددة الخارجة عن سيطرة الإدارة المركزية بطرابلس من لا تزال لا تعترف بهذه السلطة المركزية وتعتبرها علمانية و”لا تقيم حدود الله .. وتوالي النصارى والصليبيين”.. إنها الجماعات المتشددة والمسلحة التي أعلنتها صراحة وما تزال تؤكد عليها في العديد من المناسبات، بأنها لن تضع سلاحها جانبًا مادامت هذه السلطة لا تريد إقامة “شرع الله”، أي أنهم يريدونها “إمارة إسلامية تحكم بما أنزل الله”، مثل هذه الجماعات لن تتردد في اغتيال مسيحي خاصة إذا كان قادمًا من بلاد – مصر – يُعتبر فيه رموز المسيحيين من الموالين للنظام الذي أطاح برئيس ينتمي لجماعة تشاركهم نفس المبادئ الأيديولوجية تقريبًا.

وقد يكون عنصر الصدفة واردًا في حادث مقتل المصريين السبعة، وأن حظهم العاثر جعلهم يسقطون في أيدي جماعة متشددة خرجت لتقتنص بعض الرؤوس “الصليبية”، بحسب عقيدتها، فلم تجد أمامها إلا هؤلاء المصريين – الذين قيل إنهم كانوا يفكرون في الرحلة بحرًا إلى إيطاليا عبر قوارب الهجرة السرية – فقتلتهم.

وبالرغم من أنه حتى الآن لم تتبن أية جماعة مسئوليتها عن الحادث الدموي فإن أصابع الاتهام تشير إلى جماعة “أنصار الشريعة” التي لها ارتباط بتنظيم القاعدة، والتي كانت وراء حادث مقتل رجل بريطاني وامرأة نيوزيلندية، في الشهر الماضي، على أحد  الشواطئ التي تبعد مائة كيلومتر غرب العاصمة طرابلس.

إذا كانت ليبيا تعاني من انفلات أمني كما قال المسئول المصري السالف الذكر، ضمن التصريح الذي حاول فيه التنصل من مسئولية مقتل هؤلاء الأبرياء، فإنه كان بالأحرى أن لا نترك مواطنينا يذهبون إلى بلاد غير آمنة، وهذه هي أكبر مسئولية ينبغي المحاسبة عليها!

عرض التعليقات
تحميل المزيد