ليبيا_1.jpg (954×581)

بعد حادث مقتل المواطنين المصريين السبعة مؤخرًا بمدينة بنغازي، شرق ليبيا، تتعرض القنصلية المغربية بمدينة طرابلس العاصمة لحادث إطلاق نار لم يخلف ضحايا لحسن الحظ، لكنه طرح أكثر من علامة استفهام حول ما إذا كانت الجهات التي قتلت المصريين السبعة ببرودة دم، هي نفسها الجهة التي روعت مرتادي القنصلية المغربية وكذا موظفيها أو لها علاقة بها؛ وليطرح السؤال بالتالي: لماذا تُستهدف المصالح العربية في ليبيا هذه الأيام من طرف الجماعات المسلحة أو لنقل من طرف بعض الجهات التي يبدو أنها تريد إضافة مشاكل جديدة إلى مشاكل ليبيا العصية عن الحل ولا سيما منها الأمنية؟ وبمعنى آخر هل تريد هذه “الجهات” خلق الشقاق والتأزم في العلاقة القائمة بين سلطات طرابلس وبعض القوى العربية التي لها دورها البارز على الساحة الدبلوماسية الإقليمية والدولية؟

لا شك أن توطيد الساسة الليبيين الحاليين علاقاتهم بمحيطهم العربي يعد مكسبًا هم في أمس الحاجة إليه في وقت يعانون فيه من ضعف مؤسساتي، يجعل بعض الجيران داخل نفس المحيط لا يترددون في “التحرش” بالدولة الليبية الفتية؛ حيث إن البعض من هؤلاء لا يخفي استضافته لبعض رموز وعناصر النظام الليبي السابق، كدولة النيجر التي تحتضن بعض أبناء العقيد معمر القذافي منذ الإطاحة بالأخير قبل ثلاث سنوات، أو كبعض الدول العربية الأخرى التي لم تخف توجسها من الثورة الليبية منذ انطلاقها وأبدت على مدى هذه الثورة وقوفها إلى جانب “العقيد” وعائلته التي فرت إليها في آخر مراحل الثورة، وهي الجزائر التي بالرغم من إبداء حسن نواياها إزاء الحكام الجدد في طرابلس إلا أن هاجس “الشك والريب” ما يزال مخيمًا على العلاقة بين البلدين!

قتل المصريين السبعة.. أية رسالة؟

 صور-المصريين_2.png (774×768)

عندما قُتل المصريون السبعة المسيحيون الأقباط اتجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى الجماعات المتشددة، وربط البعض بين هؤلاء الضحايا وبين ما يحدث في مصر؛ حيث تمت الإطاحة بجماعة “الإخوان المسلمين” من الحكم، واقتيد أبرز قادتها إلى السجن ليحاكموا أمام قضاء الحكام الجدد بتهم مختلفة؛ ورأى هذا “البعض” أن مقتل المواطنين المصريين يعتبر “انتقامًا” ورسالة واضحة إلى حكام القاهرة مفادها أن لا مكان لكم في دولة ليبية أصبحت قاب قوسين أو أدنى من أن تسيطر عليها جماعات متشددة منها من هي أكثر تشددًا وتدعو إلى إقامة دولة تُحكم “بما أنزل الله من شرع”!

هذا الحادث لا يمكن أيضًا فصله عن بعض الجوانب المظلمة التي ما تزال سائدة في العلاقة المصرية الليبية، ويكفي أن نذكر حالة الرجل القوي في عهد معمر القذافي، ابن عمه أحمد قذاف الدم، منسق العلاقات الليبية المصرية سابقًا، والذي على عهد “الإخوان” ربما كانت بدأت مباشرة إجراءات تسليمه إلى السلطات الليبية الجديدة، قبل أن يحدث ذاك الحادث عندما اشتبكت عناصر موالية له مع قوات الأمن المصرية في مقر إقامته وتم إيداعه السجن، قبل أن يتم الإفراج عنه والحكم عليه بالبراءة في أواخر السنة الماضية.

جماعات_ليبية_3.png (1024×568)

وعلى عهد الإخوان أثيرت قضية تسليمه إلى سلطات طرابلس التي أودعت في تلك الأثناء وديعة ليبية تقدر بملياري دولار في البنك المركزي المصري، ولم يتردد البعض ومنهم “قذاف الدم” نفسه في نعتها بأنها كانت “ثمن” رأسه!

الجماعات المتشددة التي لها وجود قوي على الساحة الليبية بدون شك لن تكون راضية عن نظام سياسي يؤوي أحد الرموز البارزة في عهد القذافي، ومن ثَمّ تصبح كل الوسائل المتاحة مباحة للرد على ذلك النظام! إنه الرد الذي سيخلق حالة من التوتر في العلاقة ما بين البلدين، وهو ما يصب في مصلحة البعض ممن يريد لهذه العلاقة أن لا تكون على ما يرام.

من يريد تسميم العلاقة بين الرباط وطرابلس؟

المغرب-ليبيا_4.jpg (1024×575)

عندما أُطلِقَ الرصاص بطريقة مكثفة، قبل يومين، على مقر القنصلية المغربية وبالرغم من أن البعض سارع إلى التقليل من خطورة الحادث، بل هناك من المسئولين الليبيين من ذهب إلى حد تكذيب خبر إطلاق الرصاص على المقر القنصلي المغربي، رغم أن الخارجية المغربية أكدت ذلك وعبرت عن تنديدها بالحادث مقابل “أسف” عبرت عنه الخارجية الليبية، إلا أن هناك من ربط الحادث بحادث مقتل مواطنة مغربية في الأيام القليلة الماضية برصاص “طائش” – كما قيل – حين كان مجموعة من الأشخاص يتبادلون إطلاق النار في تصفية حسابات شخصية بوسط العاصمة الليبية طرابلس.

وبحسب هؤلاء فإن هناك من الليبيين وربما من الأجانب من ينظر إلى التقارب المغربي الليبي بأنه قد يأتي بما ليس في صالحهم، ومن تم ينبغي خلق التوتر بين الطرفين وتعطيل التفاهم والتعاون بينهما، لا سيما بعدما تناقلت التقارير وجود تعاون أمني وثيق بين المغرب وليبيا، بموجبه تشرف الرباط على تدريب وإعادة تأهيل الأطر الأمنية الليبية، بل إن هذا التعاون امتد ليطال حتى الجانب الروحي؛ حيث أعلنت طرابلس مؤخرًا توقيعها اتفاقًا مع الرباط يقضي بتأهيل وتكوين أئمة ليبيين بالمعاهد والمؤسسات الدينية المغربية، وهو ما يُنظر إليه بأنه دبلوماسية دينية بدأت المملكة المغربية تنهجها مع بعض الدول الإفريقية والعربية وتهدف إلى تكريس ما يسمى بـ”المذهب المالكي المعتدل” الذي تتبناه المملكة في عقيدتها.

المغرب_وليبيا_5.jpg (1024×610)

ويبدو أن الذين يريدون للعلاقات المغربية الليبية أن لا تكون في مستوى متقدم من التعاون وجدوا مؤخرًا ما يمكن استغلاله للتشكيك في متانة وعمق تلك العلاقات، وهو عندما أعلنت الرباط، مع مطلع شهر فبراير الماضي، عن فرض تأشيرة الدخول إلى ترابها الوطني على الرعايا الليبيين، معللة قرارها – وإن بطريقة غير مباشرة – بأسباب أمنية، وهو ما فسره متتبعون أيضا بأنه (القرار) جاء بعدما ضبطت السلطات المغربية عناصر “إرهابية” تحمل جوازات سفر ليبية مزورة.

القرار وإن اعتبرته طرابلس “سيادي” ويهم المملكة، إلا أن هناك من اعتبره “مؤشرًا” على “عدم حسن نوايا” الرباط تجاه طرابلس، حتى وإن كانت الأخيرة لا تشك أبدًا في تلك النوايا على أساس أن الرباط كانت من أبرز الدول التي ساعدت الثوار على الانقلاب والإطاحة بنظام “العقيد” كما أكد ذلك العديد من قادة ثوار ليبيا، الذين عبروا في أكثر من مناسبة عن “أسفهم” للموقف الجزائري غير الداعم للثوار.

إنها الجزائر نفسها التي لن تكون – بدون شك – مسرورة بتقارب النظام المغربي الملكي الذي تفاعل بطريقته “المعتدلة” مع “الربيع العربي” – في نسخته المغربية – مع النظامين التونسي والليبي ما بعد الثورة، وهو التقارب الذي لا يخفى على أحد اليوم!

عرض التعليقات
تحميل المزيد