نيجريا_ماذا_وراء_صراع_الحكومة_مع_جماعة_بوكوحرام

أعلنت وكالة إغاثة، يوم الخميس الماضي، أن أكثر من ألفي شخص أُجبروا على الفرار من منازلهم بعد الهجوم الدامي الذي استهدف الأحد الماضي سوقًا شمال شرقي نيجيريا – ونُسب إلى إسلاميي بوكو حرام – مخلفًا 52 قتيلاً.

وقالت الوكالة الوطنية للحالات الطارئة في نيجيريا – في بيان لها – إن أعمال العنف التي حصلت الأحد الماضي “تأثر بها” أربعة آلاف شخص على الأقل، وأضافت أنه فضلاً عن هؤلاء “فأكثر من ألفي نازح موجودون” حاليًّا في مدرستين في إقليم كوندوغا بولاية بورنو التي تُوصف بأنها معقل للإسلاميين المتشددين.

ولا يكاد يمر أسبوعفي نيجريا دون عملية تفجير أو اشتباك مسلح ينتج عنهاعشرات القتلى في ولايات شمال وشرق نيجيريا، والمتهم واحد: جماعة بوكو حرام، التي صارت متهمة بتنفيذ عدة تفجيرات وعمليات مسلحة في الولايات الشمالية من البلاد بداية من عام 2010م،وأودت بحياة من 2000 إلى 3000 شخص نيجيري في التقديرات المتوسطة،ولعل أبرز هذه العمليات تفجيرسوق أبوجا في ديسمبر 2010، وتفجير مركز الشرطة في مايدوكوري في يناير 2011، وتفجير مكتب للجنة الانتخابية الوطنية المستقلة في مايدوكوري في أبريل 2011، وتفجير مقر الأمم المتحدة في أبوجا في أغسطس 2011، وتفجيرات الكنائس في ليلة رأس السنة الميلادية الماضية، إضافة إلى أكثر من خمس تفجيرات وعمليات مسلحة خلال يناير الحالي 2014م.

ما هي خلفية الصراع المسلحفي نيجيريا؟

تُعد نيجيريا من أكبر وأغنى البلدان الإفريقية، وهي تصنف من الدول الغنية بالبترول، ليس على مستوى إفريقيا فحسب، بل على مستوى العالم؛ حيث تحوي 2.6 % من احتياطي النفط في العالم، ومع هذا فإن أغلب سكانها يرزحون تحت خط الفقر.

فضلاً عن ذلك تُعتبَر نيجيريا من أكبر البلدان الإفريقية من حيث عدد السكان؛ حيث يبلغ تعدادهم حوالي 160 مليون نسمة يشكل المسلمون أكثر من 60% من السكان، الذين يتركزون بشكل كبير في الشمال بينما يتركز المسيحيون في الجنوب، وتعيش أقليات دينية مسيحية ومسلمة بأعداد كبيرة في أغلب المدن في الشمال والجنوب، كما توجد أقلية ذات معتقدات وثنية يدينون بما يسمى بالديانات الطبيعية.

تاريخيًّا، استقلّت نيجيريا عن بريطانيا في أكتوبر عام 1963م وقامت على إثر ذلك حكومة اتحادية فيدرالية تشمل خمسة أقاليم: نيجيريا الشمالية وعاصمتها كادونا، ونيجيريا الغربية وعاصمتها إيبادان، ونيجيريا الشرقية وعاصمتها إينوجو،إضافة إلى إقليم لاجوس، وأخيرًاالإقليم الغربي الأوسط، وكان يشمل بنين، ثم انفصلت بنين بعد ذلك في جمهورية مستقلة.

وتمتد جذور النزاع المسلح في نيجيريا إلى ستينيات القرن الماضي خلال مرحلة مابعد الاستقلال، فكعادة الاحتلال الأوروبي في إفريقيا والذي يخط حدودًا لدول غير متجانسة عرقيًّا ودينيًّا؛ حيث شهدت البلاد حربًا أهلية عرفت بـ “حرب بيافرا” كانت عبارة عن نزاع مسلح استمر ما بين يوليو 1967 حتي يناير 1970 في محاولة من ولايات الجنوب الشرقي النيجيري للاستقلال عن الدولة الاتحادية في نيجيريا وإعلان جمهورية بيافرا، وراح ضحيته أكثر من مليون شخص، قبل أن تستطيع الحكومة المركزية السيطرة عليه.

كذلك تشهد دلتا النيجر صراعات ما زالت مستمرة بين الجماعات المحلية التي تعاني من التهميش من جانب والحكومة النيجيرية حول حقول النفط، بينما كانت آخر فصول النزاع هي الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أبريل 2011 التي شكك البعض في نتائجها، وجاءت بنائب الرئيس المسيحي جودلاك جوناثان إلى الرئاسة خلفًا للرئيس المسلم عمر يارادوا، والتي راح ضحيتها أكثر من 200 شخص.

ما هي جماعة بوكوحرام؟

تأسست جماعة بوكو حرام في عام 2002م كجماعة محلية، ويعني اسم بوكو حرام بلغة الهوسا -القبائل الشمالية- “التعليم الغربي حرام”، و(بوكو) اسم لنمطٍ من التعليم العلماني والمناهج الدراسية الجديدة التي أرادت السلطات الحكومية إدخالها إلى المناطق الإسلامية في نيجيريا بديلاً عن التعليم الديني المتوارث في تلك الأنحاء، وتأسست الجماعةعلى يد شاب يدعى محمد يوسف الذيترك التعليم في سن مبكرة، وحصل على قدر من التعليم الديني غير النظامي، ويطلق على هذه الجماعة “طالبان نيجيريا” لأنها مؤلفة خصوصًا من طلبة تخلوا عن الدراسة وأقاموا قاعدة لهم في قرية كاناما بولاية يوبه شمال شرقي البلاد على الحدود مع النيجر.

وبدأت الجماعة تنشر أفكارها منذ عام 2004, وكان عددهم حينئذ حوالي 200 فرد بينهم نساءيرفضون جميعًا التعليم الغربي والنمط الغربي في المعيشة؛ الذي ينتشر في المدن الكبرى، ويطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية في كل الولايات النيجيرية الـ36 وألا يكون تطبيقها قاصرًا على 12 ولاية في شمال نيجيريا فقط كما هو معلن منذ عام2000.

واستمرت هذه الجماعة في نشر أفكارها بصورة سلمية بين أفراد المجتمع, خاصة الشباب حتى يوليو2009؛ حيث تحولت إلى استخدام القوة المفرطة، وذلك بعدما تم القبض على عدد من قادة الجماعة في باوتشي، مما أدى إلى اشتعال اشتباكات عنيفة مع قوات الأمن النيجيري وقُدِّر عدد الضحايا بحوالي 150 قتيلاً.

وبدأت الجماعة منذ هذا الوقت في تنفيذ سلسلة من الهجمات المسلحة على مراكز الشرطة وبعض المباني الحكومية، مما دفع الأمن النيجيري إلى استخدام العنف معها، وانتهت المعارك بين قوات الأمن وعناصر الجماعة بعد مقتل أكثر من700 شخص, وقيام قوات الأمن بإعدام زعيم الجماعة محمد يوسف دون محاكمة، لتُعلِن السلطات النيجيرية أنها تمكنت من القضاء على جماعة بوكو حرام تمامًا، وأن الأمن قد استتب.

بيد أن ما أعلنته الحكومة لم يكن صحيحًا تمامًا؛ حيث نُسِب للجماعة بعدها عددٌ من التفجيرات والهجمات التي شهدتها المناطق الشمالية الشرقية من نيجيريا في الفترة من 2010 إلى الآن سبق الحديث عن أبرزها،والجدير بالذكر أن الجماعة قد أعلنت رسميًّا في وقت سابق انضمامها لتنظيم القاعدة.

كيف تتعامل الحكومة في نيجيريا مع جماعة بوكو حرام؟

تعمد الحكومة النيجيرية إلى سياسة “العصا” و”الجزرة” في تعاملها مع «بوكو حرام»؛ حيث انطوت سياسة “الجزرة” على منح عفو عام عن أعضاء الحركة في حال نبذهم للتشدد، وهو العفو الذى رفضته الحركة –في تسجيل منسوب إلى زعيمها أبو بكر شيكاو- بحجة أنها لم ترتكب جرائم تحتاج معها إلى عفو، وأن الحكومة هي من يحتاج إلى عفو تجاه جرائمها.

كما أشارت الحكومة إلى رغبتها في إيجاد حل سياسي للتمرد من خلال التفاوض مع جميع المعنيين، وفي هذا الصدد شكلت لجنة تقصي حقائق من أجل تحديد المظالم التي تطرحها الجماعة وتقديم التوصيات اللازمة بخصوص تحسين الظروف الأمنية في مناطق الشمال الشرقي للبلاد، ومعالجة قضايا الفقر والبطالة والظلم الاجتماعي والفساد.

من ناحية أخرى تتضمن سياسة “العصا” استخدام قوات الأمن لشن عمليات تعقب وقمع صارمة ضد أعضاء الجماعة، وفي هذا الصدد تم إنشاء فرقة عمل خاصة مشتركة (Joint Task Force) وتعرف بـ”قوة إعادة النظام”، وتهدف خصيصًا للتصدي لتهديد بوكو حرام، وقد نجحت في إلقاء القبض على كبار القادة في الجماعة منهم علي صالح في سبتمبر 2011 في مدينة “مايدكوري”،وأخيرًا أنشأت الحكومة النيجيرية مكاتب استخباراتية دفاعية جديدة في الدول المجاورة خصوصًا النيجر ومالي.

من جانبه قام الرئيس النيجيرى جودالاك جوناثان بإجراء تغييرات كبيرة في الطبقة العليا من القيادات العسكرية خلال يناير المنقضي وأحال عددًا من الجنرالات القدامى إلى التقاعد بسبب فشلهم في التعامل مع قضية بوكو حرام.

بينما يشير بيروس دو كونتكلو، الخبير في الشئون النيجيرية – في حوار مع وكالة فرانس 24–إلى إن الحكومة ترتكب أخطاء كبيرة،فكلما كانت معاملة بوكو حرام قاسية، كلما كان رد فعلها عنيفًا، بينما لا يوجد في نيجيريا أي إستراتيجية حقيقية لمحاربة التمرد؛ حيث إن الرد الوحيد على هجمات بوكو حرام هو تطهير أحياء وقرى كاملة على يد عناصر الجيش النيجيري الذين يطلقون النار على الجميع، فرأينا جميعا صورًا متداولة لتلامذة المدارس الدينية وهم عزّل من أي سلاح يُقتلون برصاصة في الرقبة بكل بساطة بسبب الاشتباهبتعاطفهم مع بوكو حرام.

عن أشكال وأسباب الصراع المسلح في نيجريا؟

تُركز وسائل الإعلام أضواءها بشكل مكثف على العمليات التى تقوم بها بوكوحرام ضد القوات الحكومية أو ضد المسيحيين في البلاد،بينما لاتُلقي بالاً لأعمال العنف الطائفي في وسطوجنوب البلاد خاصة مدينة جوس التي تنشط فيها الحركات الإنجيلية المتطرفة التي تقوم بأعمال عنف ضد المسلمين يروح ضحيتها مئات القتلى.

ويشير الباحث في الشئون الإفريقية، رأفت صلاح الدين، في دراسة له، إلى أن حقيقة هذا الصراع وإن كانت دائمًا تشير إلى كونه صراعًا دينيًّا عقديًّا بين المسلمين والمسيحيين, إلا أن هناك عوامل أخرى كثيرة كانت تستتر خلف هذا الصراع وتحركه أهمها; العوامل الإثنية والاقتصادية؛ حيث تتكون نيجيريا من حوالي 300 جماعة إثنية وعرقية ولغوية، أكبرها ثلاث جماعات هي الهوسا وغالبيتهم مسلمون, والإيبو واليوروبا ومعظمهم مسيحيون, وهي التي يتركز بينها الصراع دائمًا، ويستخدم السياسيون غالبًا هذه العصبيات الإثنية في تحقيق مآربهم السياسية البرجماتية.

بينما تتركز القدرات الاقتصادية الهائلة لنيجيريا في يد قلة قليلة من المسئولين، ولا تنعكس على الأوضاع المعيشية لغالبية المواطنين؛ حيث لا يزال أكثر من70% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، كما ينتشر الفساد بصورة كبيرة في مؤسسات الدولة وبين المسئولين الحكوميين؛ حيث يسعي الجميع للحصول على المناصب السياسية لأنها تمثل الطريق الآمن للاستحواذ على الثروة مما يفجر صراعًا طبقيًّا نتيجة لسوء توزيع الثروات, خاصة عائدات النفط التي تفجر صراعًا دائمًا في دلتا النيجر؛ حيث يبرز نشاط الانفصاليين نتيجة الشكاوى المتكررة لسكان الإقليم من الفقر والتهميش.

عرض التعليقات
تحميل المزيد