1

بالطبع ليس المقصود بالسؤال هو الانقسام السياسي الطبيعي، فهذا حادث بالفعل في أوكرانيا ويراه الجميع بوضوح، السؤال هنا أكثر إزعاجًا، هل يمكن أن تنقسم أوكرانيا فعليًّا إلى دولتين؟

تبدو هذه الاحتمالية مستبعدة بشكل كبير استنادًا إلى المعطيات الحالية بشكل مجرد، لكن تبقى هناك تحديات ثلاثة تهدد وحدة الشعب الأوكراني ووحدة أراضيه، والجواب على هذه التحديات مجتمعة يشكل جوهر الجواب على السؤال الجدلي المتعلق بالوحدة والانقسام، والتحديات الثلاثة المقصودة هي كالتالي:

أولاً: هل تنجح أوكرانيا في تجاوز يانكوفيتش والاتفاق على من يخلفه؟

ثانيًا: هل يمكن أن يتفق الشرق والغرب في أوكرانيا على مسار مشترك فيما يخص العلاقات الخارجية واحترام الخصوصيات الثقافية؟

ثالثًا: إلى أي مدى يمكن أن يبلغ الصراع الروسي الأوروبي بشأن أوكرانيا؟

من سيخلف يانكوفيتش؟

يانكوفيتش وتيموشينكو وكليتشكو

يانكوفيتش وتيموشينكو وكليتشكو

ربما كانت أحد مميزات اتفاق نقل السلطة الموقع بين الحكومة والمعارضة يوم الجمعة الماضي هو إبقاء الرئيس يانكوفيتش لحين إجراء تعديلات دستورية ثم انتخابات رئاسية بعد سبتمبر، وهو ما انقلبت عليه المعارضة الأوكرانية بعد قرار البرلمان – السبت – بإبعاد يانكوفيتش وتعيين رئيس البرلمان رئيسًا مؤقتًا للبلاد.

يانكوفيتش الذي تم انتخابه في عام 2010 – من خلال انتخابات ديمقراطية لم يطعن أحد بنزاهتها – بنسبة 49%؛ يرحل من السلطة ويترك خلفه فراغًا سياسيًّا، فالحزب المعارض الأبرز في البلاد “فاذر لاند” الذي ترأسه رئيسة البلاد السابقة والمفرج عنها مؤخرًا، يوليا تيموشينكو، قد خسر الانتخابات أمام يانكوفيتش بشكل شهد له المراقبون بالنزاهة.

أما باقي أقطاب المعارضة الأوكرانية فيمثلها التحالف الديمقراطي للتغيير بقيادة الملاكم السابق فيتالي كليتشكو الذي قاد مفاوضات المعارضة مع يانكوفيتش، إضافة إلى حزب سفوبودا القومي ومركزه مدينة لفيف التي انضمت قوات الشرطة الخاصة بها إلى المدافعين عن المتظاهرين في كييف ضد هجوم القوات الخاصة.

لم تتفق المعارضة حتى الآن على رؤية واضحة لمرحلة ما بعد يانكوفيتش باستثناء موعد الانتخابات الذي أقره البرلمان في 25 مايو المقبل، بينما تشتعل البلاد من جديد بالتظاهرات، هذه المرة في الشرق؛ حيث يتظاهر مؤيدو يانكوفيتش خاصة في دونيتيسك مسقط رأسه، مما اضطر الشرطة لإقامة حواجز للفصل بين الفريقين.

ويُفترض أن تنتهي أوكرانيا الثلاثاء من إجراءات تشكيل حكومة وحدة وطنية ترضي جميع الأطراف، وفي حالة الفشل في ذلك – كما هو متوقع – فإن وتيرة الاضطرابات في البلاد سوف تزداد حدة.

أوكرانيا بين الشرق والغرب


3

رغم كون أوكرانيا بلدًا واحدًا فإنه يعاني اختلافات واسعة بين شطريه الشرقي والغربي تعود إلى أبعاد تاريخية، فأوكرانيا المستقلة الآن كانت لقرون منقسمة إلى جزئين، ففي حين انتمى جزؤها الشرقي إلى القيصرية الروسية، فقد كان جزؤها الغربي تابعًا للمملكة البولندية، ما يفسر ميول سكان أقاليم ومدن الغرب نحو الشراكة مع الغرب الأوروبي، وميل السكان الشرقيين – وهو أكثرية نسبيًّا – نحو الشراكة مع روسيا.

جذور الاختلاف التاريخي ألقت بظلالها على الحاضر، ففي حين يتحدث سكان الغرب اللغة الأوكرانية وهي اللغة الأولى في البلاد، لا زال معظم السكان الشرقيين يتحدثون باللغة الروسية التي كان معترفًا بها كلغة ثانية، قبل إلغاء قانون اللغات مطلع الأسبوع الحالي.

حتى على المستوى الأيديولوجي، ففى حين يميل كثير من الغربيين نحو القومية الأوكرانية والتوجه اليميني، فإن كثيرًا من الشرقيين لا يزالون يؤمنون بالمجد السوفييتي مع وجود نزعة يسارية لا يمكن تجاهلها.

وعلى المستوى الديني فهناك تباين واضح، ففي حين تتركز في الغرب أغلبية كاثوليكية أسوة بأوروبا، فإن أغلب سكان الشرق الأوكراني هم من المسيحيين الأرثوذكس أسوة بروسيا.

الأمر إذًا أعمق من خلاف سياسي، فما يقارب من نصف الشعب الأوكراني يؤيدون التقارب مع روسيا ويعتبرون أنفسهم امتدادًا لها حتى وإن اختلفوا مع يانكوفيتش، لذا فإن مسألة التوجه الأوكراني مستقبلاً تمثل قضية أكثر جدلاً ومصيرية من مسألة بقاء أو رحيل يانكوفيتش.

ففضلاً عن التظاهرات المؤيدة ليانكوفيتش، شهد يوم السبت الماضي اجتماعًا للزعماء الإقليميين في منطقة شرق أوكرانيا الناطقة بالروسية في مدينة خاركوف حضره النائب الروسي ألكسي بوشكوف؛ حيث أعلن زعماء المناطق أنهم لم يعودوا يعترفون بقرارات البرلمان الإقليمي، وهو ما يُعطي ذريعة قوية لروسيا بالتدخل أسوة بالتدخل الأوروبي لدعم مطالب الغربيين.

هذه الهوة الكبيرة تاريخيًّا وثقافيًّا بين الشرق والغرب مهددة بالاتساع في حالة فشل الوصول لاتفاق سياسي يُرضي الجميع، وفي حال استبدت نشوة الانتصار بمعارضي يانكوفيتش فأنستهم التباين الكبير الذي يميز المجتمع في بلادهم، فإن وحدة أوكرانيا سوف تكون أمام اختبار حقيقي.

الصراع الروسي الأوروبي.. هل يؤثر على وحدة أوكرانيا؟ 

بوتين وأوباما

بوتين وأوباما

على المستوى الرسمي، تتفق تصريحات الروس والأوروبيين بشأن أهمية الحفاظ على أوكرانيا موحدة بالنسبة للجميع، لكن هذا الأمر مرهون وبشدة بمدى القدرة على الوصول إلى اتفاق يحترم مصالح الجميع في البلد الذي يقطنه 46 مليون شخص.

يبدو واضحًا أن روسيا خسرت حليفًا مهمًّا، ولن تقبل موسكو بحال بأن يتحول إلى عدو أو حتى إلى أن تصير أهدافها الحيوية في أوكرانيا مكشوفة للناتو، يبقى الأمر إذًا مرتبطًا بقدرة أوكرانيا على الوصول لصيغة سياسية تهدف إلى إحداث توازن بين التوجه الأوروبي وبين العلاقات التاريخية والمصالح الإستراتيجية مع روسيا خاصة في ظل تأييد قطاع شعبي عريض لسياسات يانكوفيتش بالتقارب مع روسيا.

تبدو الذرائع كثيرة بالنسبة لموسكو بالتدخل في الشرق الأوكراني – ولو وصل الأمر للتدخل العسكري – حماية لمصالحها، كما أن موسكو قادرة على استغلال الروابط الثقافية والتاريخية والاقتصادية بينها وبين الشرق الأوكراني في تعزيز نزعات الانفصال – أسوة بما فعلته في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عام 2008 – إذا شعرت بأن مصالحها قد صارت مهددة، لذا تبدو وحدة أوكرانيا مرتهنة أيضًا بالسياسات الأوروبية والروسية إضافة إلى القدرة على الوصول إلى حل لمأزق السلطة مع إيجاد صيغة تفاهم مشتركة بين الشرق والغرب، وبصيغة أكثر وضوحًا يمكن أن نطلق على هذه العوامل الثلاثة مثلث الوحدة والانقسام في أوكرانيا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد