هل_تتدخل_روسيا_عسكريا_في_أوكرانيا_-_Header

حينما يتعلق الأمر بروسيا لا يمكن أن نعتبر هذا سؤالاً عبثيًّا، ورغم أن الأمور لا زالت مبكرة لقول مثل هذه النتيجة، فليس من نافلة القول أن نقول إن موسكو لا يمكن أن تتهاون بخصوص أي أمر من شأنه أن يهدد مصالحها الإستراتيجية في أوكرانيا.

جورجيا.. تجربة لم تزل في الحسبان

القوات الروسية في جورجيا

القوات الروسية في جورجيا

جورجيا هى إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق والتي نالت استقالها عام 1991 إبان انهيار الاتحاد السوفييتي، ومع بداية الألفية الجديدة بدأت جورجيا تتخذ خطوات جدية نحو التقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بلغت ذروتها خلال اجتماع لحلف الناتو في العاصمة الرومانية بوخارست في أبريل عام 2004؛ حيث وعدت فيه جورجيا بانضمام قريب للحلف وهو ما يعني عمليًّا دخول قوات الناتو في المجال الأمني الروسي وهو ما لم تكن لتسمح موسكو بحدوثه مطلقًا.

أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا هما إقليمان كانا يتمعتعان بالحكم الذاتي في جورجيا قبل عام 2008 ويطالبان بالانفصال، ودعمت روسيا مطالب أوسيتيا بالانفصال؛ حيث اتهمت جورجيا بارتكاب جرائم حرب في أوستيا الجنوبية وهو ما اتخذتها روسيا ذريعة للتدخل العسكري في جورجيا في يوليو عام 2008 لحماية مصالحها وتحجيم نفوذ دول الناتو سياسيًّا وعسكريًّا.

وبعد السيطرة على الإقليم اجتاحت روسيا جورجيا بعمق 40 ميلاً حتى خط البترول الذي يمتد من باكو “أذربيجان” حتى ميناء جيهان “تركيا”، مرورًا بجورجيا والذي يمد الدول الأوروبية بالبترول والغاز ويمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الأوروبي، وقبل أن تنسحب روسيا من الأراضي الجورجية عملت على صناعة منطقة عازلة حول أوسيتيا وأبخازيا.

وفي أغسطس 2008 اعترفت روسيا رسميًّا باستقلال أوسيتيا وأبخازيا، وفي سبتمبر استضافت موسكو قمة “معاهدة الأمن الجماعي” الذي حذر حلف الناتو من مغبة التوسع شرقًا، ولم تنسحب القوات الروسية من جورجيا حتى انسحبت القوات الجورجية من أوسيتيا وأبخازيا، وتعهد حلف الناتو بوقف التعزيز العسكري في جورجيا، بينما لا زالت بعض القوات الروسية في أوسيتيا وأبخازيا إلى الآن.

هذا مجرد نموذج لكيف يكون التعامل الروسي حين تتعلق الأمور بأمنها ومصالحها الإستراتيجية.

لماذا تمثل أوكرانيا أهمية إستراتيجية بالنسبة لروسيا؟

4

على مستوى الرؤية والمستقبل، فإن أوكرانيا مدرجة كعنصر لا غنى عنه في كل المشاريع الرامية لإحياء الاتحاد السوفيييتي من جديد، إنها مسألة الهوية الوطنية لروسيا في نسختها الأحدث، التي تستند إلى الماضي الشموليّ للإمبراطورية السوفييتية التي تسعى موسكو لاستعادتها من جديد ولو بشكل جزئي.

روسيا هي قوة قارية نموذجية، تعرضت خلال تاريخها للعديد من الغزوات، ولذلك فهي تسعى دائمًا إلى إقامة حزام من الدول العازلة بينها وبين غيرها من البلدان القوية.

وفي نهاية المطاف، فإن لأوكرانيا أهمية خاصة بالنسبة لروسيا؛ فعلى الأراضي الأوكرانية تحديدًا انبثق كيان الدولة الروسية، ولهذا لم تكن موسكو ترغب في أن توقّع كييف اتفاقًا تصبح معه أوكرانيا تابعًا اقتصاديًّا وسياسيًّا للاتحاد الأوروبي.

على المستوى الجيوسياسي، تود روسيا في الاحتفاظ بأوكرانيا على الأقل كمنطقة عازلة للمناورات بينها وبين الاتحاد الأوروبي إذا لم تنجح في الاحتفاظ بأوكرانيا روسية خالصة، لذلك فروسيا لا تمانع في أوكرانيا ليبرالية أو ديمقراطية أو حتى رأسمالية لكنها تمانع بالتحديد في أوكرانيا أوروبية قد تكون بابًا لوجود قوات حلف الناتو في الأراضي الأوكرانية.

الأسطول الروسي بالبحر الأسود

الأسطول الروسي بالبحر الأسود

على المستوى الأمني، نجحت موسكو بتمديد بقاء أسطولها العسكري على الشواطئ الأوكرانية في البحر الأسود حتى العام 2042 وهو ما يعطيها طمأنينة نسبية، هذا الوجود بالتحديد لن تسمح موسكو بأي اتفاق قد يهدده حتى لو اضطرت للدفاع عنه عسكريًّا؛ حيث تمثل أوكرانيا بوابة روسيا على البحر الأسود ومنه إلى البحر المتوسط.

أنابيب الغاز

أنابيب الغاز

على المستوى الاقتصادي، تمر عبر الأراضي الأوكرانية الخطوط الرئيسية لتمرير النفط والغاز الروسيين إلى أوروبا وهذا بعد إستراتيجي آخر؛ حيث لن تسمح موسكو أبدًا بأن يصير أمنها النفطي قيد الاحتمالات فضلاً عن أن يصبح مهددًا بوجود مباشر للناتو وحلفائه.

كذلك تمثل الأراضي الأوكرانية الخصبة سلة غذاء ضخمة كما تمثل أوكرانيا مصدرًا للأيدي العاملة منخفضة التكلفة إضافة إلى اعتبارها سوقًا كبيرًا للبضائع الاستهلاكية يستحق المنافسة.

خيارات روسيا في التعامل مع الملف الأوكراني؟

بوتين ويانكوفيتش

بوتين ويانكوفيتش

رغم تعبير موسكو بوضوح عن امتعاضها بشأن اتفاق نقل السلطة الذي تم توقيعه بين الحكومة والمعارضة الأوكرانية يوم الجمعة الماضية إلا أن موسكو لم تستخدم ثقلها الحقيقي – كما استخدمته في سوريا مثلاً – من أجل إيقافه، وهو ما يعني أن موسكو قررت تقديم بعد التنازلات في أوكرانيا منعًا من دخول البلاد في دوامة عنف قد يضر بمصالحها ويأتى بنتائج غير محسوبة، وقد صرح قادة الاتحاد الأوروبى بعد توقيع الاتفاق أن موسكو على علم بالتطورات الجارية.

لكن المعارضة الأوكرانية وحلفائها من الأوروبيين ذهبوا إلى ما هو أبعد من الاتفاق بقرار البرلمان الأوكراني بالإطاحة الفورية بيانكويتش – خلافًا لاتفاق الجمعة الذي ضمن بقاءه إلى آخر العام – إضافة إلى قرار البرلمان أمس الأحد، بإلغاء اعتماد اللغة الروسية كلغة ثانية.

قلنا سلفًا أن موسكو لا تمانع بشأن ديمقراطية أوكرانية لكنها تمانع بالتأكيد بشأن أوكرانيا أوروبية، لذا فإن موسكو لا زالت تملك العديد من الأوراق التي يمكنها أن تستخدمها من أجل إدارة المشهد الحالي في أوكرانيا.

الورقة الأولى هي المساعدات الاقتصادية والديون؛ حيث كان من المقرر أن تبدأ موسكو بمنح كييف حوالى 15 مليار دولار كرقم مبدأي وهو رقم تحتاجه أوكرانيا بشدة لتضميد جراح اقتصادها المتعثر، وهو ما يجبر أي حكومة قادمة أن تنظر لمصالح موسكو بعين راعية.

الورقة الثانية هي الغاز الروسي الذي تمنحه موسكو لكييف بثلث الثمن، وغيابه يمكن أن يحدث شللاً يطال الحياة اليومية في أوكرانيا بشكل مباشر، أما الرهان الثالث فعلى قطاع جماهيري واسع في الشرق الأوكراني لا زال يرى أن موسكو هي الحليف الحقيقي والتاريخي لأوكرانيا والأمر الذى سيسهم بوضوح في تشكيل الحكومة والتوجهات الجديدة في أوكرانيا التى يفترض أن تفرزها الانتخابات القادمة.

ويبقى الأسطول الروسي المرابط على شواطئ البحر الأسود أحد الأوراق الهامة في معادلة التوازن الروسى الأوروبي في أوكرانيا، فقد أعربت كل من أوروبا والولايات المتحدة – على لسان مستشارة الأمن القومى سوزان رايس – عن قلقهما من تدخل عسكري لموسكو في أوكرانيا، وهو الأمر الذي تنفيه الدوائر الروسية حتى الآن لأن الأمور – في نظرها – لم تصل بعد إلى مرحلة الخطر الذي يمس النقاط الحمراء الخاصة بمصالح موسكو في أوكرانيا.

وحتى نكون أكثر وضوحًا، ثلاث نقاط يمكنها أن تجعل التدخل العسكري بالنسبة لموسكو خيارًا مطروحًا وبقوة، أولها في حال حدوث تهديد واضح لأمنها النفطي، وثانيها في حالة إقدام الناتو على تعزيز وجوده العسكري في أوكرانيا في حالة ضم أوكرانيا رسميًّا للاتحاد الأوروبي، أما ثالثها ففي حالة إقدام أي جهة داخل أوكرانيا على التعرض للاتفاقات المبرمة بين البلدين خاصة المتعلقة منها بالوجود العسكري في البحر الأسود، وفيما عدا ذلك تبقى خيارات موسكو في المناورة السياسية واسعة وفضفاضة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد