ليبيا_جيش_1

 يبدو أن التطورات المتسارعة في ليبيا مؤخرًا، والتي بدأت بحديث عن تزايد نشاط الجماعات المسلحة بالجنوب الليبي وضلوع أبناء الرئيس المقتول، العقيد القذافي، في هذه الأنشطة، ثم تصريح مسئولين ليبيين بإلقائهم القبض على ضباط ينتمون إلى النظام السابق، إلى إعلان الساسة في طرابلس عن إحباط محاولة للانقلاب على السلطة كان يخطط لها ضباط سابقون، ثم وصولاً اليوم الجمعة إلى خروج أحد الضباط الذين برزوا أثناء الثورة وإعلانه إنهاء مرحلة الحكومة الانتقالية والمؤتمر العام (البرلمان) وتعليق العمل بالإعلان الدستوري، بل والإعلان عن خارطة طريق للمرحلة المقبلة، مع ما واكب كل هذه التطورات من تحرك جماهيري غاضب مطالب برحيل البرلمان، كلها مؤشرات لا يمكن إلا أن تنبئ بأن ليبيا ربما هي اليوم في منعطف حاسم من تاريخها، ووحدها الأيام القليلة المقبلة كفيلة بتجلية العتمة التي خلفتها هذه التطورات.

انقلاب.. ليس انقلابًا!

علي زيدان

علي زيدان

في القول المأثور يُحكى أنه “لا توجد نار بدون دخان”؛ وتوارد الأحداث والتطورات في المشهد الليبي بهذه الطريقة المقلقة لا يمكن إلا أن يشير إلى أن هناك تغييرًا سيحدث، إن بطريقة حوارية يجلس من خلالها الفرقاء جميعهم إلى الطاولة لرسم خطة عمل لـ”إنقاذ” ليبيا – الدولة الفتية التي لِتوها خرجت من حكم دكتاتوري استمر أزيد من أربعة عقود -، أو بطريقة يتم فيها الاحتكام إلى فوهات البنادق وصهوات الدبابات لحسم الأمر لهذا الفريق أو ذاك، مع العلم أن مؤشرات استعمال السلاح للتغيير، أو على الأقل للإطاحة بالسلطة الحالية، لن يكون بالشيء العسير، ما دام أن السلطة الحالية عجزت لحد الآن وبعد ثلاث سنوات من الثورة عن تجميع الأسلحة وإقناع مختلف الجماعات بالانضمام إلى الجيش الليبي الوليد، أو حل نفسها ووضع سلاحها تحت تصرف الدولة؛ والمطلوب لاستغلال “قوة” هذا السلاح والجماعات الخارجة عن سيطرة السلطة المركزية فقط أن يكون هناك شخص له من قوة التأثير والكاريزما ما يجعله يقنع شرائح مهمة من الشعب الليبي – بمن فيهم المسلحون- والتي ما تزال مترددة في تقديم ولائها للحكام الحاليين.

الطريقة الإعلامية التي خرج بها اللواء خليفة حفتر – وهو الضابط الذي انتفض ضد طغيان العقيد الراحل معمر القذافي وانشق عنه وهو في عز قوته قبل أن ينضم لثوار 17 فبراير – يبدو أنه لم يحسبها جيدًا وهو يعلن عن مخططه لـ”الإطاحة” بالحكم؛ بحيث أنه بالإضافة إلى ظهوره وحيدًا في الشريط – الذي كلف وكالة أنباء عالمية بترويجه- فإنه اكتفى بتلاوة بيان هو أقرب إلى الأماني والأحلام منه إلى لغة الانقلابيين العسكر المتسمة بالحزم والصرامة، والتي تكون في الغالب مصاحبة للإعلان – صراحة أو ضمنًا – بوضع رأس الهرم الحاكم تحت تصرف الانقلابيين، وهو ما لم يكن في خطاب حفتر.

حفتر

حفتر

حفتر اكتفى بذكر ما ينبغي أن يكون ما بعد الانقلاب العسكري، دون أن يكون هناك تحرك على الميدان يقوده ضباط وجنود موالون أو عناصر مسلحة مؤيدة لرأس الانقلاب، ولعل ذلك مرده إلى غياب أي دور مؤثر لهذا الضابط الذي سبق له أن أبلى بلاء حسنًا في حرب ليبيا مع تشاد، في ثمانينيات القرن الماضي؛ وهو ما وصفه علي زيدان، رئيس الوزراء الليبي بـ”غياب أي سلطة” لدى حفتر يمكن أن تساعده في التأثير على ضباط لينخرطوا في مخططه، وهذا ما اتضح على الأقل لحد الآن، وإن كان لا يُعرف حقيقة حجم ومدى نفوذ حفتر داخل الجيش الليبي الناشئ في بلد تتمتع فيه الجماعات المسلحة الأخرى بوضع أقوى، جعل البعض منها لا تتردد في إعلان العصيان على الحكومة المركزية منذ مدة.

ما العمل؟

كان طبيعيًّا أن يخرج المسئولون بسرعة لتكذيب خبر وجود انقلاب عسكري، وهذا ما فعله رئيس الوزراء الليبي علي زيدان، مؤكدًا أن الحكومة “تمارس عملها بشكل عادي وأن الأمن تحت السيطرة”.

وفي رده على ادعاءات حفتر؛ قال زيدان لرويترز: “أؤكد للشعب أن المؤتمر الوطني العام قائم يمارس مهامه بكيفية طبيعية وعادية، وأن الحكومة تمارس مهامها بكيفية طبيعية وعادية وأن الموقف في البلاد تحت السيطرة لا يعتريه أي أمر وأن الأمور في البلاد على ما يرام”، قبل أن يشير إلى أن حفتر ليس له سلطة، ومعلوم أن الأخير تم إعفاؤه، في وقت سابق، من مهامه العسكرية.

وإذا كان حفتر قد نقل في انقلابه “المزعوم”، مطالب تكاد تكون هي نفسها التي بسببها يتظاهر حاليًّا العديد من الليبيين وكذا شريحة مهمة من السياسيين المعارضين لاستمرار عمل المؤتمر الوطني العام (البرلمان) والحكومة، فإن تكذيب زيدان لحقيقة الانقلاب جاء غير مصحوب  بإجراءات عملية يمكن أن تساهم في التخفيض من الاحتقان الذي يعيش عليه الشارع الليبي هذه الأيام.

Mideast Libya

ويخشى البعض من أن يقود استمرار هذا الوضع الذي يسود فيه انقسام بين الفرقاء السياسيين – وخاصة في ظل تشبث “القوى” الإسلامية ومنها حزب العدالة والبناء (الإسلامي)، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، بهذا البرلمان، بينما هناك قوى سياسية أخرى تدعو إلى إجراء انتخابات سابقة لأوانها وتجاوز مرحلة هذا “الركود” السياسي – من أن يقود ذلك إلى مزيد من “الانفلات” الأمني! وبعد كل هذا الحديث عن المحاولات الانقلابية لن يضمن أحد – كنتيجة – أن هذه الجماعة المسلحة أو تلك المدعومة من هذه القبيلة أو تلك، أو المسيطِرة على هذا البئر النفطي أو ذاك، أن تقود انقلابًا عسكريًّا غدًا أو بعد غد، وقد شهدت طرابلس شبه محاولات من هذا القبيل، لولا تدخل كتائب الثوار الذين يبدو أنهم ما يزالون يحلمون بدولة المؤسسات ويعملون على صون هذه المؤسسات التي بدأت في البنيان رغم كل عيوبها! فهل سيستمر الثوار يدعمون الحكام المؤقتين رغم تباطؤ عملهم؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد