3
ما بين عشية وضحاها (مساء الجمعة وصباح السبت 24 و25 يناير) تم اختطاف خمسة من الموظفين العاملين بالسفارة المصرية بالعاصمة الليبية طرابلس، من طرف جماعة مسلحة لها وزنها في ليبيا، والأسباب التي جعلت عناصرها يقدمون على الخطوة هو رد فعل على اعتقال أحد قياداتها في مصر من طرف الأمن المصري.

التقارير ذكرت أن عددًا من الثوار التابعين لما تسمى “غرفة ثوار ليبيا”، التي كانت تسهر على حفظ الأمن في العاصمة طرابلس قبل أن يتم إدماجها في هيئة الأركان بغض النظر عن الغضب الشعبي ضد عناصرها، يقفون وراء عمليتي الاختطاف، احتجاجًا منهم على اعتقال السلطات المصرية رئيس الغرفة شعبان هدية الملقب بـ”أبو عبيدة” مساء الجمعة في مدينة الإسكندرية.

وبينما لم تنف أو تؤكد السلطات المصرية خبر اعتقال أبي عبيدة المقرب من جماعات متشددة، فإن زملاءه في “غرفة ثوار ليبيا” أشاروا إلى أن قائدهم هدية توجه إلى مصر فقط لمناقشة رسالة الدكتوراه وليس لديه أي أعمال أخرى على الأراضي المصرية، في إشارة على ما يبدو إلى تبرئته من أي تهمة محتملة، ولا سيما أي “شبهة” بعلاقة ثوار ليبيا بالحراك المصري.

حساسية السلطات المصرية من الإسلاميين

الثابت هو أن علاقة السلطات المصرية اليوم بالجماعات الإسلامية أو التي لها صلة بما يسمى الإسلامي السياسي “ليست على ما يرام”، وإذا أخذنا بعين الاعتبار العلاقة المتوترة جدًّا بين السلطات المصرية الحالية، التي تسيطر على الحكم منذ الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي، وبين حركة “حماس” الفلسطينية التي تحكم قطاع غزة من الجانب الفلسطيني، والتي ما فتئ الحكام الجدد في مصر يوجهون إليها التهم بتورطها في الشأن الداخلي المصري، فإننا سنعرف لماذا وجود هذه “الحساسية” من كل ما له علاقة أو شبهة الانتماء إلى التيار الإسلامي، الذي لجأت السلطات المصرية الحالية إلى اعتبار جزء كبير ومهم منه (جماعة الإخوان المسلمين) تنظيمًا إرهابيًّا، وتخوض ضده وضد أتباعه إلى اليوم “حربًا” ضروسًا بل وحرب “حياة أو موت” من أجل القضاء عليه، وهو ما جعل هذه السلطات تتوجه إلى قوى إقليمية ودولية لتبني وجهة نظرها واعتبار جماعة الإخوان المسلمين والمرتبطين بها من التيارات الإسلامية تنظيمات إرهابية، وهو ما لم تفلح فيه إلا في حدود ضيقة جدًّا.

ويبدو أن هاجس “التدخل” في الشأن الداخلي وإن لم يذكره أي مصدر رسمي مصري رفيع المستوى والتزام السلطات العليا المصرية الصمت في هذا الجانب واكتفائها فقط بتأكيد خبر اختطاف الدبلوماسيين وإجلاء آخرين، فإن تقارير إعلامية محلية نقلت عن مسئول أمني بمدينة الإسكندرية قوله بأنه تم القبض على “هدية” بتهمة “الانتماء لجماعة إرهابية وهى تنظيم القاعدة”، ولعل زمن الاعتقال، عشية الاحتفال بالذكرى الثالثة للثورة المصرية، فيه أكثر من رسالة؛ بحيث لا يخفى على أحد موقف الثوار الليبيين الرافضين للإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي بتلك الطريقة “الانقلابية” وهو ما لا يخفيه حتى مسئولين حكوميين ليبيين، وإذا أخذنا بعين الاعتبار وجود “قائد عسكري” من طينة قائد “غرفة الثوار الليبيين” في هذه الظرفية بالذات بمصر التي تعيش على إيقاع احتجاجات متواصلة منذ الإطاحة بالرئيس مرسي، وهي الغرفة التي لها قوة تتشكل من الآلاف من الأشخاص، ولها تأثير كبير وواضح على الحكم بليبيا، وعناصرها هم الذين كانوا من وراء اختطاف رئيس الوزراء الليبي علي زيدان، في وقت سابق، قبل أن يفرجوا عنه فقط لأنه “أغصبهم” بقراراته، إذا وضعنا كل هذا بالحسبان، فإن اعتقال أبي عبيدة يعتبر إجراء طبيعيًّا، على الأقل من باب الاحتياط من طرف سلطات ليست ظروفها الأمنية على ما يرام.

ثوار ليبيا والشأن المصري!

هل يمكن أن يتدخل الثوار الليبيون في الشأن المصري؟ سؤال سنجيب عنه بما راج خلال السنة الماضية في الحالة التونسية، بحيث في الوقت الذي اشتد فيه الصراع في تونس بين الفرقاء السياسيين، وخاصة بين حركة النهضة الإسلامية وخصومها السياسيين ولا سيما منهم الليبراليين والعلمانيين، ووقعت اغتيالات سياسية ذهب ضحيتها زعيمان كبيران، وتوجهت أصابع الاتهام إلى “الجماعة الإسلامية” الليبية بقيادة علي بلحاج الذي اتهمته بعض الأصوات التونسية بوقوف جماعته خلف تلك الاغتيالات لخدمة الجماعة التي يتقاسم وإياها “الإيديولوجيا” وهي جماعة النهضة الإسلامية.

لا شك أن التنسيق بين الجماعات الإسلامية في بلدان الربيع العربي هو موجود على صعيد بعض البلدان، وإن كان خجولاً، كما تذهب إلى ذلك بعض التقارير، إلا أن مجرد تواجد “ضيوف غير مرغوب” فيهم في هذه اللحظات بالذات، ولا سيما في بلد كمصر، يصبح مبررًا وداعيًا إلى اتخاذ ما يلزم في حقهم من اعتقال واستنطاق، بل إن مجرد الانتماء إلى حركة إسلامية كـ”حماس” مثلاً لن يكون سببًا في اعتقال قياداتها واتهامهم بالتآمر على  البلاد وحسب، بل حتى في قطع العلاقة مع بلدان، وإغلاق المعابر والحدود، كل ذلك يتم تحت يافطة “رفض التدخل في الشأن الداخلي”، بينما الواقع هو وأد أية إمكانية وهي في المهد تسعى إلى دعم تيارات محلية تتقاسم نفس المبادئ والأفكار.

علامات

ليبيا, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد