يحفل تاريخ الأمة الإسلامية على مدار أكثر من 14 قرنًا بالكثير من الشخوص والأحداث، يشتهر القليل منها بين الناس، بينما تبقى الأكثرية في طيَّات كتب التاريخ، تحتاج إلى من يبذل بعض الجهد من أجل التنقيب عنها، وتسليط الأضواء على ما يستحق منها أن يبرز ويشتهر.

في الجولة الحالية، نسلط الضوء على شخصية قد لا يعرف غالبية الناس حتى مجرَّد اسمها، لكنه على قصر رحلته في صفحات التاريخ والجغرافيا، ونهايتها الدرامية، اجتمع في مجلسه خيرة علماء عصره، ومنهم أسماء ما تزال تُدوَّن بالذهب في تاريخ العلم والحضارة، مثل أبي الريحان البيروني العلَّامة الموسوعي في الحساب، والفلك، والتاريخ، ومقارنة الأديان، ومؤسس علم دراسات الهند.

المأمون الثاني.. سَمِّي المأمون بن هارون الرشيد الذي يُشبهه

إذا ذُكر اسم المأمون في التاريخ الإسلامي، انصرف الذهن فورًا إلى الخليفة العباسي الشهير، المأمون بن هارون الرشيد، الذي يُعد عصره من أبرز عصور الدولة العباسية، لاسيَّما في مجال الاهتمام بالعلم والترجمة. 

أما المأمون بن المأمون، صاحب جولتنا الحالية، فقد أتى زمنه في نهاية القرن الرابع الهجري، بعد قرنيْن من عصر المأمون العباسي، ولم يكن له صلة بالعباسيين أكثر من الولاء الاسمي لخلافتهم، التي كانت تتداعى آنذاك، وتفرق سلطانها بين عشرات الملوك الطامحين المستقلين بما تحت أيديهم.

والمأمون بن المأمون، والذي اشتهر تاريخيًّا بلقب المأمون الثاني، فارسي الأصل، ينتسب إلى الأسرة المأمونية التي حكمت لفترة قصيرة تقل عن ربع قرنٍ بعضَ أجزاء من آسيا الوسطى الإسلامية، لاسيَّما منطقة خوارزم، التي كانت تحتوي أزهى الحواضر الإسلامية آنذاك.

مقطع قصير عن العالم المسلم أبي الريحان البيروني، أحد أهم علماء عصر المأمون الثاني:

للمفارقة، ورغم ندرة التفاصيل عن تاريخ هذا الرجل، فإنَّ جُلَّها تتركز على حبه للعلم، وتقديره للعلماء، فشابه سَمِيَّهُ المأمون العباسي في هذا الجانب. وتميَّز مجلسه بكوكبةٍ من جواهر العلماء في كافة مجالات العلوم والمعارف، لم يجتمِع عند المأمون العباسي من يداني بعضهم علمًا وشهرة.

كيف اعتلى المأمون الثاني عرش خوارزم؟

كان الخليفة العباسي المعاصر لتلك الأحداث هو القادر بالله، والذي تولى الخلافة عام 381هـ، وكان خلفاء العصور العباسية المتأخرة، لا يملكون من أمرهم وسلطانهم الكثير، وتقاسم السيطرة على كافة الأقاليم الإسلامية عشراتُ الأمراء والأسر الحاكمة، الصغيرة والكبيرة، وكان بعضهم اكتسابًا للشرعية، يعلن انتسابه اسمًا إلى خلافة بغداد، ويأمر بالدعاء للخليفة العباسي على المنابر، ويرسل بعض الأموال إلى خزانة الخلافة؛ رمزًا للولاء.

وإن كان القادر بالله قد حاول كثيرًا استعادة بعض صلاحيات الخلافة، مستغلًّا الضعف التدريجي الذي بدأت تشهده دولة بني بويه الفارسيين الذين تسلطنوا على بغداد قبل عقودٍ من عهده. لكن القادر لم ينجح في العموم في إحداث تغيير جوهريٍّ في المشهد، ومصائر الخلافة.

في تلك الأثناء كانت آسيا الوسطى تموج بالصراعات المسلحة بين العديد من الأمراء؛ لتوسيع مساحة ملكهم ونفوذهم. لمئات السنين وقبل الفتوحات الإسلامية وبعدها، كان يحكم منطقة خوارزم أمراء من أصل فارسي، ينتسبون إلى السلالة الأفريغية، وتمركزوا في مدينة كاث حاضرة ملكهم، وكانت منطقة حكمهم في الأساس هي خوارزم الشمالية.

لكن الكثير من تراث تلك السلالة وتواريخها ما قبل الإسلام ضاع، كما يفسِّر البيروني؛ لأن الفاتح قتيبة بن مسلم عندما افتتح تلك البلاد عنوة بأمر الحجاج بن يوسف الثقفي، أعمل فيها البطش، وقتل العديد من علمائها، ومن كهنة الديانة الزرادشتية، فضاع معهم هذا التراث. وبمرور السنين بدأ الإسلام ينتشر تدريجيًّا بين سكان تلك المناطق، لاسيَّما مع بداية العصر العباسي الذي بزغ فيه نجم الموالي والشعوب غير العربية، وأسلم أمراء تلك المناطق، وحكموا بأمر الخلافة، وأصبحوا جزءًا من الزمن الجديد.

Embed from Getty Images

أحد آثار منطقة خوارزم- في أوزباكستان الحالية

عام 995م= 384هـ، برز في تلك المناطق نجم الأمير المأمون الأول، والذي كان يحكم باسم الأسرة السامانية الفارسية بعض أجزاءٍ من خوارزم الجنوبية، وتمكَّن من انتزاع الأقاليم الشمالية لخوارزم – تقع معظمها الآن في أراضي دولة أوزباكستان المعاصرة – من الشاه عبد الله، آخر الأمراء من السلالة الأفريغية، وبذلك أسَّس دولته، التي ستحمل اسمه «المأمونية»، على كامل أراضي خوارزم. وقد استغلَّ المأمون الضعف الشديد الذي سرى في أوصال الدولة السامانية لتحقيق طموحاته، حيث كان الشاه عبد الله – الذي انتزع منه سلطانه – هو الآخر حليفًا للسامانيين.

بعد عامين فحسب، يقع المأمون الأول ضحيةً لمؤامرة من بعض جنده الخاص، فيقتلونه، وينصبون مكانه ابنَه أبا الحسن علي، والذي نجح في تهدئة الأوضاع في خوازرم، وإدارة ملكه جيدًا على مدار 12 عامًا، متحالفًا مع القره-خانيين الذين كانوا من أقوى ملوك آسيا الإسلامية في المنطقة التي تعرف ببلاد ما وراء النهر، وكانوا خصومًا للقوة الصاعدة آنذاك في آسيا، والتي كانت تريد بأي شكلٍ ضم خوازرم إلى ملكها، وهم الغزنويون، بقيادة سلطانهم الشهير محمود بن سبكتكين، لاسيَّما وأن خوارزم كانت أشبه بمنطقة عازلة بين القوتيْن الكبيرتيْن.

توفي أبو الحسن علي عام 1009م= 408هـ، وخلفه في ملك خوارزم أخوه المأمون الثاني بن المأمون الأول، والذي تلقَّب بعد حينٍ بلقب «خوارزم شاه». كان التحدي السياسي الأكبر الذي واجه المأمون الثاني هو تصاعد قوة الغزنويين؛ لذا حرص على مهادنتهم، وتزوَّجَ أخت محمود بن سبكتكين عام 1015م= 405هـ، وبالطبع حرص أيضًا على إعلان الولاء لخلافة بغداد، التي يدعي الكل وصْلًا بها. وبالفعل أرسل له الخليفة العباسي القادر بالله كتابًا يقره على ما تحت ملكه عام 1014م= 404هـ. 

العلم والعلماء عند المأمون الثاني

كما ذكرنا في المقدمة، كان جوهرة العقد في مجلس المأمون الثاني، العلامة أبو الريحان البيروني، العالم الموسوعي الذي صنَّف في الكثير من المجالات المتنوعة، من الرياضيات والفيزياء، والفلك والتنجيم، إلى التاريخ والجغرافيا، إلى مقارنة الأديان والمذاهب. ويعد من الطبقة الذهبية في أعلام الحضارة الإسلامية بل الإنسانية على مدار تاريخها. 

طابع تذكاري روسي في الذكرى الألفية للبيروني- المصدر : wikivisually

للمفارقة، كان البيروني من مواليد مدينة كاث، حاضرة مُلك الأفريغيين الذاهب، وكان من المُقدَّمين لديهم؛ ولذا فقد انزوى جانبًا لفترةٍ طويلة بعد نهاية عصرهم مخافة أن يُنكِّل به المنتصرون، ثم ما لبث أن حصل من المأمون الثاني على الأمان والتكريم اللائق، وانضم إلى مجلسه الذي تقاطر عليه العلماء المحليون في كافة مجالات العلم، من كل حدبٍ وصوب؛ لاشتهار حب المأمون للعلوم، والإغداق على العلماء، حتى إن السلطان محمود الغزنوي كان يغار من مجلس المأمون الثاني، وطلب منه صراحة غيرَ مرة أن يرسل كل من عنده من العلماء إلى بلاطه في مدينة غزنة.

كذلك كان من أبرز علماء عصر المأمون الثاني، القاضي عبد الجبار، أحد كبار أعلام فرقة المعتزلة على مدار تاريخها، والذي ألف إحدى أكبر موسوعاته، وهي «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» بناءً على طلبٍ مباشر من المأمون الثاني نفسه. وللقاضي عبد الجبار عشرات التصانيف في فكر المعتزلة وتاريخهم، والمنافحة عن مذهبهم ضد خصومه.

وذكر القاضي عبد الجبار في مقدمة كتابه أن المأمون الثاني نفسه كان يدين بمذهب المعتزلة، وتلك مفارقة أخرى تضاف للتشابهات بينَه وبين المأمون العباسي، والذي لم يكتفِ باعتناق رؤى المعتزلة، إنما امتحن عليها العلماء والناس في أواخر عصره فيما عُرِف بـ«فتنة خلق القرآن». أيضًا اهتمَّ المأمون الثاني بالعمران، وما تزال بقايا المنارة التي تحمل اسمه موجودة في أراضي تركمانستان الحالية.

نهاية المأمون الثاني المُفجِعَة

في نهايةٍ تشبه مصير أبيه المأمون الأول قبل 20 عامًا، قُتل المأمون الثاني عام 1017م= 407هـ، ولكن بمؤامرة من بعض أمراء دولته، والذين أحنقهم عليه ما رأوهُ من مهادنته الشديدة لصهره محمود الغزنوي، وانصياعه لضغوطاته، حتى إنه أمر بالدعاء باسمه على منابر خوارزم. ولَّى الأمراء مُلك خوارزم بعد المأمون لأحد أبناء إخوته، وبدا أن العد التنازلي لنهاية دولة المأمونيين قد شارف على الانتهاء.

كان السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي، أقوى حكام آسيا الإسلامية، وصاحب السياسة التوسعية المتدثِّرة برداء الانتساب الشرعي الاسمي إلى الخلافة، يتربَّص بإمارة خوارزم، ويريد ضمها إلى إمبراطوريته المترامية الأطراف، والتي تمتد من حدود العراق غربًا إلى حدود الصين شرقًا. وبالفعل، بعد شهورٍ قليلة من مصرع المأمون الثاني، اصطدمت جيوشه بجيوش خوارزم في معركة فاصلة، تحمل عنوان الثأر للغدر بصهره المأمون الثاني، وتمكن فيها من إلحاق هزيمة ساحقةٍ بأمراء خوارزم، وضمَّها إلى سلطانه، وبذلك انطوت صفحة الدولة المأمونية نهائيًّا من التاريخ. 

للمفارقة، وبعد فترةٍ قصيرة من سقوط مُلك المأمونيين، ظهر البيروني مجددًا، واستقبلَه السلطان محمود الغزنوي في بلاطه في حاضرة ملكه غزنة – في أفغانستان حاليًا – وأصبح له التميز فيه أيضًا، ورافق السلطان في حروبه الكبرى في الهند، والتي ألهمت البيروني لكتابة مؤلفاته الغزيرة عن تراث الهند وصفاتها، والذي أكسبه لقب مؤسس علم الهنديات، والذي قيل إن إنجلترا بعد قرون استفادت منه كثيرًا في فهم الهند، عندما توجَّهت أطماع إمبراطوريتها لاستعمار تلك البلاد.

مجتمع

منذ سنة واحدة
دفع ثمن كلمته.. ثورة «النفس الزكية» التي تسببت في جلد العباسيين للإمام مالك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد