في عام 503هـ (1109م) احتشد الآلاف في الساحة الكبرى لمدينة قرطبة حاضرة الأندلس بناءً على نداء مُنادي أمير المرابطين علي بن يوسف بن تاشفين، ملك الأندلس والمغرب، ولم يكن ما اجتمع الناس لمشاهدته جيشًا مُظفرًا عائدًا لتوِّه من الثغور الشمالية، حيث الحرب التي لا تنتهي ضد مملكتيْ قشتالة وليون المسيحيَّتيْن اللتيْن لا تكفان عن الزحف جنوبًا لانتزاع الأندلس من المسلمين، وإلقائهم إلى الجهة الأخرى من المضيق.

ولا كان الاجتماع كذلك لمشاهدة إيقاع عقوبة القصاص في قاتلٍ أو قاطع طريق، وإنما كان من أجل كتاب «إحياء علوم الدين» درة تاج مؤلفات أبي حامد الغزالي، أبرز علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري، والذي لا يزال إلى اليوم من أكثر الكتب الإسلامية تداولًا بين المسلمين، مع شروحاته، ومختصراته، واقتباساته.

بل كان الحشد من أجل جمع نسخ «الإحياء» التي وصلت إلى الأندلس بعد رحلة لآلاف الأميال، بهدف إحراقها، فقد أصدر الأمير قرارًا بحظر تداول هذا الكتاب وغيره من كتب الإمام أبي حامد الغزالي، لاعتبارها كتبًا تنشر الضلال، وتبتعد كثيرًا عن العقيدة الصحيحة. 

وكانت المفارقة أنه قبل أكثر من 20 عامًا على تلك الواقعة، لعب الإمام أبو حامد الغزالي دورًا ليس بالهيِّن في صعود دولة المرابطين وضمِّها الأندلس إلى سلطانها، وإكساب هذا الضمِّ العسكري العنيف نوعًا من الشرعية بعد فتاوى الإمام أبي حامد الغزالي. والآن نعود إلى الوراء قليلًا إلى جذور تلك الواقعة.

أبو حامد الغزالي والمرابطون.. فتوى وصداقة ثم عداء

لا يحتاجُ الإمام أبو حامد الغزالي لتقديمٍ كبير، فهو أحد أبرز العلماء في تاريخ الأمة الإسلامية، وما يزال اسمه وكتاباته إلى اليوم، بعد ما يقارب ألف عامٍ، تحظى بالكثير من الاهتمام بين محبِّيه ومخالفيه على حدٍّ سواء، وقد أجْمَلَ الحافظ الذهبي في صدر ترجمته لأبي حامدٍ الغزالي في موسوعته «سير أعلام النبلاء» كلَّ ما يُمكن أن يُقال في امتداح الشيخ والثناء عليه، فوصفه قائلًا:

«هو الشَّيْخُ، الإِمَامُ، البَحْر، حجَّةُ الإِسْلاَم، أُعجوبَة الزَّمَان» 

في الربع الأخير من القرن الخامس الهجري، كانت شُهرة الإمام أبي حامد الغزالي، وثقله العلمي، ومكانته الدينية قد طبقتِ الآفاق، حتى وصلت إلى أقصى بلاد المغرب الإسلامي والأندلس، رغم الخلاف المذهبي بينه وبين جُلِّ المغاربة، فقد كان شافعيًّا أشعري العقيدة، بينما كان الأندلسيون والمغاربة – وإلى اليوم – يسود بينهم المذهب المالكي.

Embed from Getty Images

مساجد الأندلس

وفي عهد أبرز أمراء المرابطين يوسف بن تاشفين، صاحب الانتصار العسكري الشهير ضد الصليبيين في الأندلس في موقعة «الزلاقة» عام 479هـ (1086م) كانت العلاقات مع أبي حامد الغزالي على ما يرام، فقد كان ابن تاشفين يحترم مكانته العلمية كثيرًا، ويراه من أبرز فقهاء العصر.

ولم يكن هذا الاحترام من اتجاهٍ واحد فحسب، إذ تذكر المصادر التاريخية أيضًا أن الإمام أبا حامد الغزالي قد أبدى إعجابه غير مرة بابن تاشفين، وبجهود دولة المرابطين في توحيد المغرب الإسلامي وفي الدفاع عن الأندلس ضد المد الصليبي القادم من الشمال.

جاءت ذروة التفاعل الإيجابي بين الجانبيْن في الأحداث الجسيمة التي تلت معركة «الزلاقة» الفاصلة، فقد وقع الخلاف بين يوسف بن تاشفين، وملوك الطوائف في الأندلس، وتفكَّكت الوحدة المؤقتة بين الجانبين والتي كانت قد تُوِّجَت بانتصار «الزلاقة»، فقد خشي ملوك الطوائف من فارق القوة الهائلة لصالح المرابطين، وأن يطمع الأخيرون في الاستيلاء على الأندلس وثرواتها الواسعة، فعاد بعضهم سرًّا للتواصل مع الصليبيين شمال الأندلس للاستنصار بهم ضد المرابطين، ووقعت بعض تلك المراسلات في قبضة استخبارات المرابطين في الأندلس.

تاريخ وفلسفة

منذ 3 سنوات
عبد الرحمن المستظهر.. الأموي الذي أجهض تجربة «التحول الديمقراطي» في الأندلس

وحسم ابن تاشفين قراره بضم الأندلس والقضاء على ممالك الطوائف التي تقاسمتها، لكنه أراد إكساب تلك الخطوة الشرعية اللازمة، فأرسل وفدًا من فقهاء الأندلس الموالين له إلى المشرق الإسلامي، فحصلوا له على موافقة الخليفة العباسي في بغداد على أن يكون ابن تاشفين واليًا على دولة المرابطين التي هيمنت على مختلف أرجاء المغرب الإسلامي آنذاك.

وقد مرَّ هذا الوفد في الشرق بالإمام أبي حامد الغزالي، وقصُّوا عليه ما يحدث في الأندلس، وأن تفرُّق ملوك الطوائف يوشك أن يذهب بالوجود الإسلامي فيها، وقصُّوا عليه نماذج من عدل ابن تاشفين وزهده، فأصدر الإمام فتواه الشهيرة التي تعطي الشرعية لابن تاشفين، وتسمح له بانتزاع الحكم في الأندلس بالقوة، معتبرًا أن ملوك الطوائف في حكم «البغاة» ضد الحاكم الشرعي، وأن أية شرعية لهم في الحكم قد سقطت بعودتهم للاستنصار بالصليبيين ضد المسلمين المرابطين.

مشهد من مسلسل «ملوك الطوائف» يجمع بين يوسف بن تاشفين والمعتمد بن عباد

عندما وصلت فتوى الإمام أبي حامد الغزالي من المشرق، وصحبها فتاوى أخرى من علماءٍ آخرين تؤيد ما فيها، سهَّل هذا كثيرًا من مهمة ابن تاشفين في الاستيلاء على الأندلس التي تشبَّث ملوكها بعروشهم، وحارب بعضهم بشدة دفاعًا عن ملكه، مثل المعتمد بن عبَّاد ملك إشبيلية، وأقوى ملوك الطوائف، والذي انتصر عليه ابن تاشفين عام 483هـ (1090م)، ونجح خلال سنواتٍ قليلة في إتمام السيطرة على كامل أرجاء الأندلس الإسلامية.

وقد استمرَّت العلاقة الودية بين المرابطين وأبي حامد الغزالي طوال الفترة الباقية من حياة ابن تاشفين، حتى إن الإمام أبا حامد الغزالي أراد السفر إلى المغرب للقاء ابن تاشفين تقديرًا له لإقامته العدل ولجهاده ضد الصليبيين، وتذكر بعض الروايات أن أبا حامد الغزالي توجه بالفعل إلى الإسكندرية بمصر ليركب البحر إلى المغرب عام 500هـ، لكن باغتته الأنباء هناك بوفاة يوسف بن تاشفين، فألغى خطط السفر.

وقد خلف يوسف في حكم المرابطين ابنه علي بن يوسف بن تاشفين، والذي سار على نهج أبيه في محاربة الصليبيين، لكنه كان خاضعًا لفقهاء المرابطين بشكلٍ ملحوظ، فكان لا يقطع أمرًا بدون مشورتهم، فارتفعت أسهمهم في الأندلس والمغرب بشكلٍ غير مسبوق، لاسيَّما قاضي قرطبة ابن حمدين، وقد أغدق علي بن يوسف على الفقهاء الكثير من الأموال إلى جانب ما حظوْا به من الجاه، فترقَّى الكثيرون منهم على السلم الاجتماعي بشكلٍ ملفت للنظر، وقد استفزَّ ذلك بعض شعراء الأندلس مثل ابن البنيِّ الجيَّاني فعَرَّض بذمتهم المالية، واتهمهم بأنهم تاجروا بالدين من أجل الدنيا، فقال:

أهلَ الرياء لبِستمُ ناموسكم … كالذئب أدلج في الظلام العاتمِ

فملكتمُ الدنيا بمذهب مالكٍ … وقسمتمُ الأموال بابن القاسمِ

ثم خصَّص أبياتًا أخرى لهجاء الفقيه ابن حمدين بالاسم قائلًا: 

أدجالُ، هذا أوان الخروج … ويا شمس لُوحي من المغربِ

يريد ابن حَمْدين أن يعتفي … وجدواه أنأى من الكوكبِ

وكان فقهاء المرابطين متعصبين للغاية للمذهب المالكي، لاسيَّما في قضايا الفقه، وفروعه، ويرون الحديث في العقائد وعلم الكلام من البدع المضلة، وراج بينهم الاكتفاء بكتب الفقه على المذهب المالكي، والزهد فيما سواها، حتى إن الاهتمام بتلك الكتب وحفظها وتكرارها قد زاد على الاهتمام المباشر بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية المطهَّرة، وكان فقهاء المرابطين يكفِّرون من يهتم بالجدل العقائدي وعلم الكلام الذي شاع في المشرق الإسلامي، الذي هيمن عليه في ذلك الوقت أحد المذاهب الكلامية، وهو المذهب الأشعري.

وعندما وصلت كتب الإمام أبي حامد الغزالي إلى الأندلس، وهو الذي كان إمام عصره في جدل العقائد وعلم الكلام والمناظرة، صُدم فقهاء المرابطين مما حظيت به من الانتشار الواسع، فرفعوا الأمر إلى الأمير علي بن يوسف، فتعصَّب لرأيهم، وأصدر أوامره بجمع كتب الإمام أبي حامد الغزالي وإحراقها وعلى رأسها كتاب الإحياء.

«ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي -رحمه الله- المغرب، أمرَ أميرُ المسلمين بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد -من سفك الدم واستئصال المال- إلى من وُجد عنده شيء منها؛ واشتد الأمر في ذلك»*عبد الواحد المُرَّاكشي في كتابه «المُعجِب في تلخيص أخبار المغرب»، وأمير المسلمين هو لقب أمير المرابطين، وكان آنذاك هو علي بن يوسف بن تاشفين

ولم تقتصر أوامر علي بن يوسف على استهداف كتب الغزالي فحسب، وإنما وضع عقوبة قاسية تصل إلى القتل لمن يُعثر بحوزته على كتب للإمام أبي حامد الغزالي أو سواه من المشتغلين بعلم الكلام أو الفلسفة. 

لكن عليًّا بن يوسف لم يكن يعلم أن مثل هذا التعصب المذهبي العنيف، سيكون له ردود أفعالٍ مساوية أو مجاوزة له في الشدة، ومضادة في الاتجاه، إذ أسفرت تلك الأحوال المضطربة في المغرب آنذاك عن ميلاد خصمٍ مذهبي وسياسي عتيد للمرابطين، هو الموحدون، والذين سيستخدمون ضدهم سلاح التكفير العقائدي، لينزعوا عنهم الشرعية الدينية، ويستحلون دماءهم، وينتزعون سلطانهم.

الموحدون وأبو حامد الغزالي.. نبوءة مزعومة

«ليذهبَنَّ عن قليلٍ مُلكه، وليُقتلَنَّ ولدُه، وما أحسب المتولي لذلك إلا حاضرًا مجلسنا»*أبو حامد الغزالي في روايةٍ منسوبة إليه، معلقًا على أخبار حرق أمير المرابطين لكتبه في الأندلس عندما أخبره بها محمد بن تومرت

عبر ما يقارب الثلاثين عامًا من الحرب الأهلية في المغرب الإسلامي، والتي بدأت عام 512هـ حتى عام 541هـ، نجح الموحدون المغاربة في سحق المرابطين، والاستيلاء على معظم أرجاء المغربيْن الأقصى والأوسط، ثم بعد سنواتٍ نجحوا في ضم ما بقي من الأندلس الجنوبية والوسطى تحت السيطرة الإسلامية، لكن ما علاقة الموحدين خصوم المرابطين بالإمام أبي حامد الغزالي؟

Embed from Getty Images

العمارة الإسلامية في الأندلس

كان محمد بن تومرت المُلقَّب بـ«المهدي»، مؤسس مذهب الموحَّدين ودولته، والذي أشعل الثورة في المغرب ضد المرابطين في الربع الأول من القرن السادس الهجري، قد سافر في شبابه في رحلةٍ طويلة لطلب العلم الشرعي إلى بلاد المشرق الإسلامي، وقابل أبرز علماء هذا العصر، لاسيَّما في بغداد حاضرة الخلافة العباسية، وتأثر كثيرًا بمذهب الأشاعرة وتأويلهم صفات الله سبحانه وتعالى، مثل (اليد والعين) فأصبح يعد المرابطين كفارًا، لأنهم يثبتون لله سبحانه وتعالى هذه الصفات دون تأويل، ومن ثم عدهم مُجسِّمة وكثيرًا ما عرَّض بهم بهذه الصفة في كتبه فكان يقول: «قال المجسمة كذا، فعل المجسِّمة كذا، هذا رأي المجسمة.. إلخ».

وفي لمسة دعائية مهمة، ادعى ابن تومرت أنه قد قابلَ الإمام أبا حامد الغزالي، وتتلمذ على يده لشهور، وأنه شكا إلى الغزالي سطوة المرابطين ضد مخالفيهم في المذهب، وإحراقهم كتابه «إحياء علوم الدين»، وحظر تداول كتبه، فغضب الإمام أبو حامد الغزالي بشدة، ودعا على المرابطين بزوال ملكهم، وتبدُّد شملهم، وبشَّر ابن تومرت بشكلٍ غير مباشر بأنه سيكون هو الذي سيقضي على سلطان المرابطين.

ولا يخفى ما في تلك الرواية من محاولة فجَّة لإضفاء القداسة والحتمية القدرية على حرب الموحدين ضد المرابطين، ولم يكن هذا مستغربًا من سياسي برجماتي مثل محمد بن تومرت، والذي ادَّعى لفترة – وهو بربري من قبائل المصامدة – أنه ينتسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، وادعى ابن تومَرت أيضًا أن الإمام أبا حامد الغزالي تنبَّأ في حقه قائلًا:

«لا بد لهذا البربري من دولة، أما إنه يثور بالمغرب الأقصى، ويظهر أمره، ويعلو سلطانه، ويتسع ملكه، فإن ذلك ظاهر عليه في صفاته، وباين عنه في شمائله» 

وقد شكَّك الكثير من المؤرخين في وقوع مثل هذا اللقاء بين ابن تومرت وأبي حامد الغزالي، وعلى رأسهم المؤرخ المعاصر محمد عبد الله عنان، مؤلف الموسوعة الشهيرة عن التاريخ الأندلسي في العصر الحديث «دولة الإسلام في الأندلس».

إذ يرى عنان أنه خلال الفترة التي وجِد فيها محمد بن تومرت في الشرق الإسلامي، كان الإمام أبو حامد  الغزالي قد غادر بغداد متجهًا شرقًا إلى نيسابور – شمالي شرق إيران الحالية- للتدريس، ثم ما لبث أن غادرها إلى مسقط رأسه مدينة طوس (مدينة مشهد الحالية في إيران) حيث اعتزل من أجل العبادة وتأليف الكتب، ولا يوجد أي دليل على أن ابن تومرت القادم من المغرب الأقصى قد توغَّل إلى هذا الحد شرقًا، كما يذكر عنان أن واقعة حرق كتب الإمام أبي حامد الغزالي في الأندلس قد وقعت عام 503هـ، وقد غادر ابن تومرت إلى الشرق عام 500هـ، أي قبل تلك الواقعة بثلاث سنوات.

المصادر

تحميل المزيد