المكان هو مجلس الملك العادل أبي بكر الأيوبي في القاهرة، والزمانُ هو عام 613 من الهجرة، الموافق لعام 1216 من ميلاد المسيح. استقبل الملك بحفاوةٍ بالغة رجلًا في الخمسين من عمره، تبدو عليه سيماء العلم والمكانة البارزة، ولا يخفى من هيئة ملابسه أنه من أهل الأندلس.

وصل الضيف المُكرَّم لتُوِّه من مدينة الأسكندرية، التي وصل إليها في طريقه الطويل لأداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، لكن كانت سمعته البارزة في علوم الفقه، والحديث، والنبات، والطب، قد سبقته إلى مصر، وإلى ملكها، الذي أمر على الفور بإحضاره إلى القاهرة لينال التكريم الذي يستحق.

أمر الملك بمنح العالِم الجليل مكافأةً مادية مُجزية، وأن يُخصَّص له راتب شهري مُجزٍ، على أن يقيم في مصر ليُستفاد من خبراتِه، لكن رفض الرجل هذا العرض السخي بإصرار، رغم إلحاح العادل، وذكر أنه لا يريدُ من الشرق سوى أداء فريضة الحج، ومن ثمَّ القفول إلى موطنِه في الأندلس.

لكن هوسَه بالاكتشاف والاستفادة من فرصة الوصول لتلك المناطق البعيدة عن بلاده دفعاه ليقضيَ أشهرًا طويلةً في مصر، والشام، وبغداد، والموصل، وغيرها من حواضر الشرق الإسلامي، ليتلقَّى علوم الحديث، ويتعرف فيها على النباتات والأعشاب غير المعروفة في بلاده، ويُدَرِّس ما في جعبته من العلوم والمعارف لأهل تلك البلاد. لكن قبل أن نسترسل أكثر فأكثر في الحكاية، نتعرّفُ أولًا على هذا العلَّامة الأندلسي الاستثنائي.

أندلسيٌّ آخر في كتاب التاريخ

اسمه بالكامل هو: أبو العباس أحمد بن محمًّد بن مفرج، المُلّقَّب بـ«النباتي» لبراعته في علوم النبات، و«العشَّاب» لدرايته التي لا تُبارى بكل ما يتعلق بالأعشاب واستخداماتها، و«الإشبيلي» نسبةً إلى مدينة إشبيلية التي نشأ ونبغ بها، وكانت أهم الحواضر الأندلسية في عصر دولة الموحدين آنذاك.

رسمٌ تخيّلي لأبي العباس النباتي، ابن الرومية. مصدر الصورة: ويكيبيديا

وقد اشتُهِر اختصارًا بـ«ابن الرومية»، ولا توجد مؤكدةٌ عن سبب حمله لتلكَ التسمية، ولعلَّ تفسيرها الأرجح هو الأصول الأجنبية لأمه، وكان لفظ «الروميّ» و«الروميَّة» في ذلك الزمان لا يُطلق في الأندلس على اليونانيين من الروم البيزنطيين فحسب، وإنما على مختلف المسيحيين، لاسيَّما المنتسبين للممالك المسيحية المُعادية في شمالي وغربي الأندلس، مثل أراجون، ونافار، وقشتالة، وليون، والبرتغال.

«الشَّيْخُ الإِمَامُ الفَقِيْهُ الحَافِظُ النَّاقِدُ الطَّبِيْبُ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُفَرِّجٍ الإِشْبِيْلِيُّ، الأُمَوِيُّ مَوْلاَهُمُ الحَزْمِيُّ الظَّاهِرِيُّ النَّبَاتِيُّ الزَّهْرِيُّ العَشَّابُ»

* الحافظ الذهبي في مفتتح توثيقه لسيرة ابن الرومية في موسوعته «سير أعلام النبلاء»

وُلِد في إشبيلية عام 561هـ (1166م) لعائلةٍ تعودُ أصولُها إلى قرطبة. اتّجه – على عادة زمانه – لطلب العلم الشرعي منذ نعومة أظفاره، فبرع في علم الحديث النبوي، والذي تتلمذ فيه على يد أبرز علماء الحديث في عصره في شرق العالم الإسلامي وغربه، مثل ابن زرقون، وابن الجد، وابن عفير، وابن الحرستاني الدمشقي، وابن ملاعب، وابن العطار وغيرهم، فأصبح ابن الرومية على أيديهم من أبرز المُحدّثين في الأندلس قاطبة، واستوعب هذا المجال حفظًا وفهمًا وتحقيقا.

وقد عاصر في شبابِه وكهولتِه عصر قوة دولة الموحدين لاسيّما في عهدي أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وابنه يعقوب المعروف بالمنصور، وقد شهدت تلك الفترة حركة علمية لافتة في كافة المجالات، خاصةً في الأندلس.

وحظِيَ علم النبات في تلك الحقبة بالعديد من الأسماء العلمية البارزة، مثل أبي علي حسن بن أحمد الأشبوني، وجودي بن عبد الرحمن بن جودي، ثم الاسميْن الأكثر شهرة ورسوخًا عالميًا في هذا المجال، وهما ابن الرومية الإشبيلي، وابن البيطار المالقي. وكان مما أعان ابن الروميّة على الإبداع في علم الأعشاب والدواء أن ولدَه وجدَّه كان لهما باعٌُ في هذا المجال.

موسوعةٌ تمشي على قدميْن

«على أن أعظم النباتيين والعشَّابين في العصر الموحدي، بل أعظم النباتيين المسلمين في سائر العصور، هو أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج الأموي، المعروف بابن الرومية»

* محمد عبد الله عنان، في موسوعته «دولة الإسلام في الأندلس»

في ذلك الزمن، وقبل قرونٍ عديدة من عصر التخصص وما تحت التخصص الذي نحنُ فيه الآن، لم يكن واضحًا ذلك الحد الفاصل بين علوم وتطبيقات النبات والصيدلة – تحضير الأدوية ووصفها – والطب البشري، ولذا فلا عجَب أن وُصف ابن الرومية بالتميز في ثلاثتهم معًا، فقال عنه ابن أبي أصيبعة في «طبقات الأطباء» إنه أتقنَ علم النبات، ومعرفة كل ما يتعلق بالأدوية وصناعتها ومنافعها واستخداماتِها، ثم وصَفَه بأنَّهُ محقِّقٌ في الأمور الطبية.

من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، حرصَ ابن الرومية في حِلِّه وترحاله، على أن يدرس بنهم أنواع النباتات، واستخداماتها، لاسيَّما تلك المجهولة في موطنه بالأندلس، وأن يستفيد من خبرات الجميع من مختلف المناطق والثقافات، وكان يحرص أيضًا على تدوين كُلّ ما يُحصِّلُه من المعارف حتى لا يضيع، ولكي يستطيع الإفادة منه بعد عودته إلى وطنه. وكانت أولى أسفاره خارج الأندلس، وهو في العشرين من عمره، بعد عام 580هـ (1184م).

وإلى جانب النباتات والدواء، كان للعلوم الشرعية نصيبٌ كبيرٌ في تراث ابن الرومية، لاسيَّما علم الحديث الذي برع فيه، وأصبح من أهم الأسماء في عصره في علوم الحديث وتفاصيل رواته ومن تُقبَل روايته، ومن لا تُقبَل روايته. وقد ألَّف في علم الحديث كتاب «المُعلم بزوائد البخاري على مُسلم» و«الحافل في تكملة الكامل» وكذلك كتاب آخر اختصر فيه كتاب الإمام الدارقطني عن غريب أحاديث الإمام مالك، وله مؤلفات أخرى صغيرة وكبيرة في هذا المجال. وتعبيرًا عن وفائه لشيوخه ومن تلقَّى العلم عنهم، وحتَّى لا تُنسى أفضالُهم، فإنَّه ألَّف عنهم كتابَه المُعنوَن بـ«التذكرة».

ولمؤرخ الأندلس الشهير لسان الدين بن الخطيب تفسير متميز للسبب وراء تفوَّق ابن الرومية في علميْ النبات والحديث النبوي، بالرغم مما يبدو من التباعد الكبير بين المجاليْن، إذ أرجع هذا إلى أن التفوق في هذيْن العِلميْن يحتاج بالأساس إلى كثرة الأسفار لطلب العلم من مناهله، والحصول على مراجعه، ثم تدوين كل ما يُحَصِّلُه الشخص من المعارف حتى لا يضيع. وكان ابن الرومية محبًا للترحال، وبارعًا في الكتابة والتدوين.

أما في الفقه، فقد انتسب في بداية حياته للمذهب المالكي الأكثر شيوعًا في المغرب الإسلامي والأندلس، ثم مالبثَ أن تحول إلى المذهب الظاهري لإمام الأندلس ابن حزم 1064م (456هـ)، وتعصَّب لهذا المذهب ولإمامِه ابن حزم، وبذل جُهدًا كبيرًا في التأليف والتدريس والدعوة إلى هذا المذهب، حتى كان يُلَقَّب أحيانًا بـ«الحزمي» نسبةً للإمام ابن حزم.

«وَكَانَت لَهُ معرفَةٌ بالنبات، وتمييز العشب، وتحليتِه، فاق فِيهَا أَهْلَ عصره، وَقعد فِي دكان لبيعه، وهنالك رَأَيْته ولقيته غَيْر مرّة»

* ابن الآبَّار البلنسي، المؤرخ الأندلسي الشهير، في كتابه التكملة، متحدثًا عن ابن الرومية

وكان شديدَ الاعتزاز بعلمه، وزاهدًا بكل ما يتعلق بالدنيا ومطامعها، فلم يُعرَف عنه مجالسة السلاطين وطلب وُدِّهم. وهناك قصة ذاعتْ عنه في كتب التاريخ، تُعبَّر بوضوح عن تلك الصفات، فقد كان له دُكَّان في إشبيلية يشبه دكاكين العطارة الموجودة الآن، وكان مداومًا على الكتابة في الأوقات التي لا يكون فيها بيعٌ أو شراء، فمرَّ به أمير إشبيلية وأجزاءٍ أخرى من الأندلس أبو عبد الله بن هود، وألقى عليه السلام، فردَّ ابن الرومية السلام، ثم واصل ما كان يكتبه دون إبداء أيَّ اهتمام، ولم يرفع رأسَه إلى الأمير، فظلَّ الأخير مدة من الوقت ينتظر العالم الكبير أن يرفعَ رأسَه إليه ليخاطبه، فلمّا تأخَّر اضطر للانصراف منعًا لمزيد من الحرج لمكانته كأمير!

ابن الرومية و«الرومي»

كان الطبيب والنباتيُّ اليوناني «ديوسقوريدس»، أو «Dioscoredis»، هو الأستاذ الأعظم لابن الرومية، ولغيره من النباتيين والأطباء في العصور الوسطى وما سبقها، فقد أبدع هذا الرجل الذي عاش في القرن الأول الميلادي في في كل ما يتعلَّق بالنبات والحشائش، فجمع في مؤلفاته أبرز ما وصل إليه السابقون عليه، وأضاف إليه الكثير، فجمع مثلًا في «كتاب الحشائش» أكثر من 600 نبات طبي، والكثير من الأدوية، وقد تُرجِم كتابه هذا للعربية في القرن الثالث الهجري – التاسع الميلادي، في بغداد في عهد المتوكل العباسي.

اهتمَّ ابن الرومية كثيرًا بتراث «ديوسقوريدس» وكذلك الطبيب اليوناني الأشهر جالينوس، وألَّف موسوعته المُسماة «شرح حشائش ديوسقوريدس» و«أدوية جالينوس، والتنبيه على أوهام ترجمتها». وله أيضًا كتاب «تفسير أسماء الأدوية المُفردة من كتاب ديوسقوريدس» و«مقالة في تركيب الأدوية».

ترجمة فارسية لإحدى كتب «ديوسقوريدس». مصدر الصورة: ويكيبيديا

ثم جاء من بعده تلميذه عبد الله بن أحمد المالقي، المشهور بابن البيطار، الذي يعتبره الكثيرون أبرع الصيادلة في تاريخ الحضارة الإسلامية، ففاق أستاذه ابن الرومية في شروح «ديوسقوريدس» وقطع أيضًا آلاف الكليومترات باحثًا ومُدَقِّقًا في كل ما يتعلق بالنبات والدواء، ثم حظيَ أيضًا بتكريمٍ كبير في الشرق الإسلامي كالذي نالَه ابن الرومية، فاستضافَه الملك الكامل بن العادل الأيوبي، وجعله مستشارَه الأبرز في ما يتعلق بالنباتات والأدوية، ونال مكانة مماثلة في عهد ابنه سلطان مصر نجم الدين أيوب. ولكن لهذا حديثًا آخر.

تُوُفَّيَ ابن الرومية في شهر ربيع الآخر من عام 637هـ ديسمبر (كانون الأول) 1239م في مسقط رأسه إشبيلية، والتي كانت تعصف بها وبالأندلس الموجة الأشدّ في حرب الاسترداد المسيحية، مع تضعضع دولة الموحدين في المغرب والأندلس، لتسقط إشبيلية في قبضة القشتاليين بعد أقل من 10 أعوام من وفاة هذا الرمز الإشبيلي الكبير.

جديرٌ بالذكر أنهُ في تسعينات القرن الماضي ظهر ابن الرومية في مسلسليْ «الجوارح» و«الكواسر» السوريَّيْن، اللذيْن ينتميان إلى نوعية الدراما التاريخية الخيالية، وقام بدورِه في المُسلسليْن الفنان السوري الراحل عبد الرحمن أبو القاسم الذي تُوفّي عام 2020، وتاليًا مشهدٌ من المسلسل يظهرُ فيه الممثل عن شخصية ابن الروميّة المتخيّلة.

المصادر

تحميل المزيد