أجواء من الترقب والقلق تعصف بسكان مدينة الجزائر، فما كان في الأيام الماضية من شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1541م شائعات يدعون الله أن تكون كذبًا، أضحى ملء السمع والبصر.

على بعد بضعة أميال من المدينة المُحارِبة، احتقن الأفق أمام عيون المراقبين بمئات السفن الصليبية التي تسدُّ مساحة الرؤية، وتقمعُ مدى الإبصار، والتي استطاع المراقبون بسهولة أن يتعرفوا من بينها على عشراتٍ من السفن الإسبانية المسلّحة التي كانت الأقوى على صفحة المياه في هذا الكوكب، وذاع صيتها في الكثير من جولات العدوان الإسباني على حواضر ومؤانئ الغرب الإسلامي، وكذلك في اكتشافات العالم الجديد.

أخذ الأسطول الصليبي يختال قبالة سواحل الجزائر، ويطلق بعض طلقات مدافع سفنه بعيدة المدى لإرهاب حامية الجزائر وسكانها. وبدأت سفن النقل الضخمة تقترب رويدًا من مناطق الإنزال المختارة بعناية، لتكون بعيدة نسبيًا عن مدى مدفعية الحصون الجزائرية.

جديرٌ بالذكر أن حاكم الجزائر حسن أغا -ذا الأصول الإيطالية من جزيرة سردينيا المتوسطية- قد نقلت له استخباراته أخبار تلك الغزوة الكبرى التي حشد لها شارل الخامس ملك إسبانيا، وحاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة، خيرة القوات الإسبانية، مع فرق محترفة من المتطوعين الصليبيين من ألمانيا وإيطاليا وفرسان مالطة وغيرها.

شارل الخامس ملك إسبانيا

جهّز حسن أغا ما استطاع من القوات والذخائر، وأرسل إلى المناطق المجاورة والقبائل، يستنفرهم للجهاد ضد الغزو المنتظر، وأرسل كذلك إلى إسطنبول، إلى رئيسه المباشر القبودان خير الدين بربروس، قائد الأسطول البحري العثماني، وواحد من أشهر قراصنة البحر في تاريخ أوروبا والشرق الأوسط، ينذره بالخطر الوجودي المُحدِق بعاصمة المقاومة في الغرب الإسلامي.

كانت قوات شارل الخامس تناهز 24 ألف مقاتل وبحار، مسلحين بأحدث البنادق والمدافع، وقد انتعشت آماله في تحقيق انتصار جديد في المغرب الإسلامي، بعد نجاح قواته عام 1535م في فرض سيطرتها على تونس، وإعادة مولاي حسن الحفصي على عرشها مقدمًا فروض الولاء والطاعة لشارل، بعد عام من عزله على يد الجيوش العثمانية بقيادة خير الدين بربروس.

في المقابل، كان المجموع الكلي للقوات المدافعة عن الجزائر لا يزيد عن 6 آلاف مقاتل. كان العصب الرئيس لها مكونًا من ألف من الإنكشارية العثمانيين، حسني التدريب والتسليح، وحوالي 5 آلافٍ من المقاتلين الأندلسيين الذين اشتهروا بصلابتهم، وروحهم القتالية المتقدة ضد الإسبان الذي قضوا على وطنهم الأندلسي، وطردوهم من ديارهم، ولم يكفوا عن ملاحقتهم في أوطان اللجوء الإسلامية. وقد عُرف هؤلاء الأندلسيين بدقتهم في الرمي بالبنادق النارية، والسهام، على حدٍ سواء. يضاف إلى القوات السابقة، المئات من المتطوعين ومقاتلي القبائل المختصين بحروب الكر والفر.

هكذا حبس العالم أنفاسَه يترقّب ما ستُسفر عنه تلك المواجهة، التي اختار لها شارل فصل الخريف غير المتوقع في الهجمات المنطلقة بحرًا، ليأخذ خصومه على حين غرة.

لكن لكي نفهم كيف وصلت الأحداث إلى تلك الذروة الملتهبة، علينا أن نعود عشرات السنين إلى الوراء، لنرسم الخلفية التاريخية المحتدمة في ذلك العصر المحتقن بالصراع بين الشرق والغرب.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
«تورغوت باشا».. الأمير العثماني الذي حرر ليبيا من سطوة فرسان مالطا

الخصمان.. شارل وسليمان

بزغت قوة إسبانيا في الثلث الأخير من القرن الخامس عشر، بعد اتحاد الممالك الإٍسبانية القوية قتشالة وليون، بزواج الملكة إيزابيلا، والملك فرناندو، الكاثوليكييْن المتدينيْن، واللذيْن أصرَّا على استكمال حرب الاسترداد المسيحية التي بدأت قبل قرون لطرد الوجود الإسلامي الأندلسي، والتي تكلَّلت بجهودهما عام 1492م في الاستيلاء على غرناطة آخر معاقل المسلمين جنوب إسبانيا.

تزامن هذا الحدث الهائل مع حدثيْن لا يقلان خطورة. الأول كان بدء اكتشافات العالم الجديد (الأمريكتيْن) تحت رعاية الملكيْن الإسبانييْن، على يد كرستوفر كولومبوس عام 1493م، وما حملته الأساطيل العائدة هناك من كنوز منهوبة لا حصر لها، انتعشت معها الخزانة الإسبانية، وكذلك البرتغالية التي كان لها نصيبها أيضًا من خيرات العالم الجديد. والثاني اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، والمنسوب إلى القرصان البرتغالي فاسكو دي جاما عام 1492م، والذي سمح بالدوران حول أفريقيا، بعيدًا عن البحار التي تبرز فيها السيطرة البحرية الإسلامية المملوكية والعثمانية، مثل الأحمر والمتوسط وبحر العرب، والخليج الفارسي.

Embed from Getty Images

رسم لإحدى سفن كريستوفر كولومبس

لا غروْ أن شهد القرنيْن الخامس عشر والسادس عشر الميلادييْن صعودًا لافتًا لقوتيْ إسبانيا والبرتغال، خاصة على الصعيد البحري كما ذكرنا، فطافتْ أساطيلُهما بحار ومحيطات العالم المعروفة آنذاك، ونقلتْ قوات الغزو لتسيطر على المناطق الحيوية، وخطوط التجارة العالمية بين الشرق والغرب، خاصة الحرير والتوابل الثمينة، ولتحاصر ولتحتل المؤاني الإسلامية الهامة في ساحل البحر المتوسط الجنوبي من طرابلس إلى طنجة، وساحل جزيرة العرب الجنوبي والشرقي، وسواحل الهند، والساحل الأفريقي الشرقي.

خوفًا من تصاعد التنافس المحموم بين القطبيْن الكاثوليكييْن، رعى البابا معاهدة توردسيلاس عام 1494م لتقاسم العالم بينهما، ليكون كل ما هو شرقي جزر الآزور بالمحيط الأطلنطي من نصيب إسبانيا، ثم بعد سنوات، ووفقًا لتلك القاعدة، اتفقت المملكتيْن على تقاسم الغرب الإسلامي، فللبرتغال المغرب الأقصى، ولإسبانيا المغرب الأوسط (الجزائر) والأدنى (تونس).

لكن تزامن هذا الصعود الإيبيري، صليبيّ النزعة، الذي استهدف تطويق وحصار العالم الإسلامي، والاستيلاء عليه قطعةً قطعة، مع صعودٍ بارز لدولةٍ إسلامية قوية؛ هي الدولة العثمانية. وبزوغها قوة عالمية بعد القضاء على خصمها البيزنطي والاستيلاء على عاصمته القسطنطينية في عصر محمد الفاتح عام 1453م، ثم تتابع غزواتها الظافرة في البلقان وشرق أوروبا في عهد الفاتح، وتثبيتها في عهد ابنه بايزيد الثاني.

ثم سيطرتها في عهد سليم الأول حفيد الفاتح، على قلب الشرق الأوسط الإسلامي بابتلاع سلطنة المماليك المتداعية في مصر والشام والحجاز عام 1516م-1517م، وقبلها بهزيمته للصفويين في معركة جالديران الفاصلة عام 1514م، والتي ثبتت السلطان العثماني على الأناضول، وأجزاء من القوقاز والعراق والجزيرة الفراتية.

بلغ التزامُن الصعودي الإسباني – العثماني ذروته في الربع الأول من القرن السادس عشر الميلادي، باعتلاء سليمان القانوني -الملقب في الغرب بالعظيم- سدة العرش العثماني عام 1520، مفتتحًا أزهى عصور القوة العثمانية على كافة المستويات، بالتوازي مع بروز شارل الخامس -تسميه بعض المصادر الإسلامية شارلكان- الكاثوليكي المتعصب، ملكًا لإسبانيا المتوهجة. وفي الوقت نفسه إمبراطورًا للإمبراطورية الرومانية المقدسة التي تهيمن على وسط أوروبا (ألمانيا، وهولندا، وبلجيكا، وأجزاء من النمسا وإيطاليا) والتي تمثل الظل الدنيويّ للبابوبة الكاثوليكية، أي أن شارل أصبح أقوى ملوك أوروبا، وسيف الكاثوليكية ودرعها.

Embed from Getty Images

سليمان القانوني

اصطدم الرجلان القويان في مناطق ومناسباتٍ عديدة. في وسط أوروبا، حاولت جيوش شارل غير مرة منع ابتلاع الجيوش العثمانية للنمسا كما ابتلعت المجر، وتصارعت أساطيلهما على الهيمنة على البحر المتوسط، وتبادلا النصر والهزيمة في معارك السيطرة على الساحل الإسلامي في تونس والجزائر، وزاد احتداد الصراع مع التحالف العثماني الفرنسي ضد شارل الخامس، والذي هدد بتطويق مملكة شارل المترامية، وكذلك محاولة العثمانيين استمالة البروتستانت ضد تعصيه الكاثوليكي. وهكذا بدت أحداث العالم في هذا العصر كأنها حواشٍ على متن هذا الصراع المحتدم بين القطبيْن الإسلامي والكاثوليكي الذين تجاوز كل منهما في حكم بلاده 40 عامًا.

ميلاد الجزائر.. احتلال ودماء وتحرير

منذ سقوط الدول الإسلامية الغربية الكبرى، المرابطين فالموحدين ثم بني مرين، والتي وحدّت تحت سلطانها أجزاءً كبيرة من المغرب الإسلامي، تمزّقت تلك البقاع إلى عشرات الممالك والدويلات المتناحرة، والتي كان معظمها بحلول القرن السادس عشر الميلادي قد أصبح مستعمراتٍ إسبانية أو برتغالية، أو يحكمها إقطاعيون وحكام ضعفاء يدينون بالولاء للعرش الإسباني، ويدفعون الجزية الباهظة صاغرين، بعد مصادرة أرزاق الرعايا المغلوبين على أمرهم.

بدأ يبزغ في الأفق انقلابٌ تاريخي في مصائر تلك البلاد مع ظهور البحاريْن الأخويْن عروج باشا، وخير الدين بربروس  واللذيْن نشطا أوائل القرن السادس عشر بأسطولهما الصغير من القراصنة المحترفين، يغيرون على القوافل البحرية التجارية للدول المسيحية المعادية خاصة إسبانيا. ويشنون الغارات على السواحل التابعة لها، وعلى موانئ الاندلس بشكلٍ خاص، حيث يحاولون تهريب السلاح والإمدادات لثوار الأندلس ضد الاضطهاد المسيحي الإسباني، أو ينقذون اللاجئين الأندلسيين الراغبين في الفرار إلى الثغور الإسلامية الجنوبية خاصة في تونس، حيث كان البحاران يقدمان الولاء الاسمي لسلطانها الحفصي.

Embed from Getty Images

رسم لشارل الخامس، ملك إسبانيا، وإمبراطور الرومانية المقدسة

تفاقمت قوة الأخوين وأسطولهما، بما استوليا عليه من غنائم، وبمن كان ينضم إليهما من الأندلسيين، ومن المغامرين المسلمين من سكان تلك البلاد، والذين أحبوا البحاريْن، ورجالهما، لشدة بأسهما ضد الصليبيين في البحر، ولما بدا عليهما من تدين وتواضع، وكذلك لكرمهما في توزيع الغنائم، وبيع الأسلاب بسعرٍ زهيد في الأسواق الإسلامية، كما أوضح نيقولاي إيفانوف في كتاب «الفتح العثماني للأقطار العربية».

كان البحاران على علاقة قوية بالأسرة السلطانية العثمانية، حيث تعود أصولُهما إلى أبٍ من إحدى جزر بحر إيجة الفاصل بين تركيا واليونان، انتسب إلى الفيالق الإنكشارية التي كانت تمثل نخبة القوات العثمانية. قدَّم الأخوان فروض الولاء للسلطان سليم الأول العثماني بعد وساطةٍ من أحد رجال البلاط للعفو عنهما، لسابق علاقتهما بالأمير كيركوت أخي السلطان سليم، والذي اعترض على حكمه، فحاربه سليم وقتله.

«استقبلت الجماهير الشعبية عروجًا كمنقذٍ للبلاد من نير الفرعون الإسباني، والمغتصبين المحليين» *نيقولاي إيفانوف، من كتاب: الفتح العثماني للأقطار العربية

في البداية حاول عروج باشا انتزاع مدينة بجاية المحتلة عام 1515، لكن حال الشتاء دون استكمال هذا المشروع، فاتجه غربًا إلى الجزائر، حيث انتزع ميناء شرشال الهام، ثم ضمّ مدينة الجزائر مطلع عام 1516، بعد أن طالبَه سكانها بذلك، لرفضهم الخضوع لملك إسبانيا الجديد آنذاك شارل الخامس. لم تكن الجزائر حاضرةً كبرى حينئذٍ، لكن نظرًا لحسن موقعها، اتخذها عروج قاعدةً لسيطرته، وأحكم قبضته عليها بشدة، وقتل حاكمها السابق الشيخ سالم التومي الذي اتهمه بالعمالة للإسبان، وقمع كل من اشتبه في كونه على شاكلته.

لكن بقيت في الجزائر معضلة كبرى لم تُحَل إلا بعد سنواتٍ ذاقت فيها الجزائر الأمرّيْن. فقد فشل عروج باشا في انتزاع قلعة رباط الخيل الحصينة المشرفة على مدينة الجزائر، والتي رغم الحصار الشديد الذي فرضه الجزائريون عليها، ظلت حاميتها الإسبانية صامدة أعوامًا بفعل الإمدادات التي لم تنقطعْ عبر البحر بواسطة الأسطول الإسباني القوي، فظلت مدافع القلعة تقصف المنازل السكنية وتحصينات الجزائر، مسببة خسائر كبيرة.

هزم عروج باشا جيشًا إسبانيا قرب الجزائر أواخر عام 1516، وقتل المئات من الإسبان، واستغل النصر في ضم مساحاتٍ أكبر من المغرب الأوسط لسلطانه. لكن استُشهد عروج عام 1518، في أحد الصدامات مع الإسبان قرب تلمسان التي حررها في العام السابق من الخضوع للإسبان، لكنه عجز عن الدفاع عنها أمام القوات الكبيرة التي أرسلها شارل الخامس لاستعادتها، رغم مقاومته العنيدة لشهور. أمر شارل بإرسال رأس عروج إلى إسبانيا، لطمأنة الإسبان بزوال خطر القرصنة ضد قوافلهم وأساطيلهم، وأثبتت السنوات التالية أن هذا كان إمعانًا في التفاؤل.

صورة حديثة لمدينة الجزائر

خلف خير الدين بربروس أخاه في هذا الوقت العصيب، بعدما تفاقمت الأخطار ضد الدولة الناشئة، ليس من العدو الإسباني القوي فحسب، إنما من الحكام المحليين الذي دانوا بالولاء له، وخشوا من نفوذ الأخويْن. مثل سلطان تونس الحفصي، وسلطان تلمسان الذي أعاده الإسبان لعرشه. عقد خير الدين اجتماعًا فاصلًا مع قادته، وممثلي المدن الخاضعة لحكمه، ورجال الدين، وصارحهم بأن الوضع شديد الخطورة، وأنه لا حلَّ يراه سوى الانضواء التام تحت سلطان الدولة العثمانية، فأيدوه على ذلك، ووقعوا جميعًا على كتابٍ أرسل إلى السلطان سليم الأول في إسطنبول، يطلب انضواء الجزائر تحت حمايته.

وافق السلطان العثماني، وعيَّن خير الدين واليًا على الجزائر، وأمدَّه بمدافع وبنادق حديثة، ومئاتٍ من قوات الإنكشارية. في السنوات التالية، سيخوض خير الدين معارك شرسة لبسط سيطرته على الجزائر وجوارها، وقمع المتمردين، والمتواطئين مع الإسبان.

عام 1529م، تمكّنت قوات خير الدين من الاستيلاء على قلعة رباط الخيل، بعد معارك ضارية أبيدت فيها الحامية الإسبانية بالكامل، وبذلك تحررت العاصمة الجزائر بالكامل، وأرسل السلطان العثماني سليمان القانوني تهنئة خاصة لخير الدين بهذا النصر. ثم شرع خير الدين في تحصين الجزائر، وإحاطتها بالقلاع والحصون لحمايتها من أي عدوان بري أو بحري.

عام 1533م، استُدعي خير الدين إلى إسطنبول، حيث عيَّنه السلطان سليمان أميرًا للأسطول العثماني، مع الاحتفاظ بولاية الجزائر تحت سلطته الجديدة. بعد المنصب الجديد، وسَّع خير الدين عملياته البحرية ضد المصالح الإسبانية خاصة، والأوروبية عامة في البحر المتوسط، وهاجم الموانئ الإسبانية بضراوة، وأنقذت أساطيله آلاف الموريسكيين من الاضطهاد الإسباني، وانضم إلى قواته مئات منهم. عام 1535م، انتقل خير الدين بعائلته إلى إسطنبول، وترك أحد أخلص رجاله، وهو حسن أغا، واليًا على الجزائر.

أصبح اسم خير الدين مبعثًا للرعب في أوروبا الجنوبية، خاصة إسبانيا، حتى استحق خير الدين لقب ملك الشر الذي وسمه به الأوروبيون. وأصبحت ولاية الجزائر العثمانية خصمًا لدودًا لإمبراطورية شارل الخامس الذي رأى أنه لم يعد مفرًا من التعامل مع ملفها بحسم.

إنما الحرب خُدعة.. ما قبل المعركة

رغم استمرار وجود خطر الغزو العثماني المباشر لوسط أوروبا من الجهة الشرقية، فإن شارل رأى أن الخطر الجنوبي لا يقل ضراوة، خاصة مع استفحال قوة خير الدين بربروس، لا سيما بعد انتصاره الكاسح قرب شواطئ اليونان على أسطولٍ إسباني بندقي ضخم في موقعة بريفيزا البحرية عام 1538م. لا غرو أن القيام بعملٍ عسكريٍ كاسح ضد الجزائر وخير الدين، أصبح واجبًا في نظر شارل.

معركة بريفيزا البحرية عام 1538م:

أراد شارل ضرب عصفوريْن بحجرٍ واحد من الاستيلاء على الجزائر، فقد رأى أن احتلال حاضرة تلك الدولة الناشئة، سوف يضربها في مقتل، ويحرم أساطيل عدوه من موطئ قدم خطير في غربي البحر المتوسط، كما أنه اعتبر تلك المنطقة خاصرة ضعيفة للعثمانيين، يمكن استغلالها لتوجيه ضربات مؤلمة لهم، واستعادة المبادرة في الصراع المفتوح مع العثمانيين.

يذكر توفيق المدني من كتاب «حرب الثلاثمائة عام بين الجزائر وإسبانيا»، أن شارل الخامس أراد أيضًا أن يستفيد من فتور الحلف العثماني الفرنسي المتضامن ضده، بعد تراجع فرانسوا الأول ملك فرنسا عن تنفيذ اتفاقه مع سليمان القانوني للهجوم المتزامن ضد إيطاليا عام 1538، بعد أن تمركزت أساطيل خير الدين بربروس، جنوبي إيطاليا، وتأهبت قوات عثمانية ضخمة في شمال البلقان استعدادًا للانقضاض على إيطاليا من جهة الشرق.

ضغط بابا روما على فرانسوا للتخلي عن اتفاقه، وأُجبر فرانسوا سياسيًا وأدبيًا على التوقيع على معاهدة نيس في  العام نفسه، للتفاهم مع غريمه شارل الخامس. منحت تلك الهدنة الأوروبية شارل وقتًا وجهدًا لاستكمال مشروعاتها في المغرب الإسلامي.

حاول شارل استخدام الخديعة أولًا، فأرسل رسلًا سريين إلى خير الدين في إسطنبول، يستميله لترك ولائه للعثمانيين، والانضمام إليه، مقابل أن يجعله ملكًا تحت وصايته على كامل الساحل الغربي الإسلامي، فرفض خير الدين، وأعلم السلطان سليمان بما جرى، فزادت حظوته عنده.

تجهّزت جيوش شارل الألمانية والإيطالية والإسبانية، والمتطوعون الصليبيون من أنحاء أوروبا، على مدار شهور، تكامل فيها حشدها، ثم أبحرت بها أكثر من 500 سفينة متنوعة بين حربية ونقل، تحت قيادة شارل شخصيًا، وشاركه في تلك الحملة أسماء لامعة من القادة، مثل القرصان الجنوي أندريا دوريا، والذي كان يعتبر نظير خير الدين لدى المعسكر الآخر، وهرنان كورتيس، فاتح المكسيك الذي قهر سكانها الأصليين وأباد منهم عشرات الآلاف.

أبحر الأسطول الصليبي صوب الجزائر أواخر شهر سبتمبر (أيلول) 1541م، ليتجنب الصدام مع أسطول خير الدين القوي، والذي غالبًا ما يرسو طوال فصليْ الخريف والشتاء، بعيدًا عن مسرح العمليات، تجنبًا لتقلبات الجو في البحر. وبالفعل وصل الأسطول إلى ساحل الجزائر يوم 19 أكتوبر دون أية مقاومة بحرية تذكر، وبدأت عمليات الإنزال البري في الأيام التالية.

بمجرد بدء ظهور قوات شارل الخامس على البر، اندلعت أعمال المقاومة، وقام عشرات الفرسان الجزائريين بعمليات خاطفة من الكر والفر، لاستنزاف الخصم. لكن تعذّر القيام بهجوم مضاد كبير نتيجة سيطرة مدفعية السفن الصليبية على منطقة الإنزال نيرانيًا.

معركة الجزائر.. أيام المجد والأقدار المؤاتية

في الفصل السابع من كتاب «حرب الثلاثمائة عام بين الجزائر وفرنسا»، يروي توفيق المدني تفاصيل مثيرة عن أحداث معركة الجزائر الحاسمة، في أكتوبر عام 1541م.

ففي يوم 23 من الشهر نفسه، كان الآلاف من جنود الحملة الصليبية قد أتموا تطويق مدينة الجزائر بريًا، واحتلال بعض التلال الاستراتيجية خارجها، رغم استمرار أعمال المقاومة ضدهم، بينما رابطت الأساطيل المعادية قبالة ساحل المدينة لتتم الحصار. في المقابل تحصّنت القوة المدافعة خلف أسوار المدينة المنيعة، وقلاعها الدفاعية، والمزودة بأكثر من 50 مدفعًا من أعيرة مختلفة، تتوزع في كافة الجهات.

كانت خطة حسن أغا حاكم الجزائر الانتظار أكبر وقت ممكن ريثما تنهك هجمات حرب العصابات جيشَ شارل، قبل أن يخرج بقوته الضاربة من المدينة لينفذ الهجوم المضاد الشامل.

قدمت الأقدار هدية لا تقدر بثمن للجزائر، إذ في مساء يوم 24 أكتوبر، هبّت عواصف شديدة، مصحوبة بأمطارٍ شديدة الغزارة، مما تسبب في تدمير الكثير من سفن الأسطول، كما عانت القوات البرية الأمرين، إذ لم يتحسبوا لمثل ذلك الانقلاب المناخي المفاجئ، فلم يكن بحوزتهم خيام كافية، كما تحولت الكثير من الأراضي حول مدينة الجزائر إلى ما يشبه المستقعات، مما عطل حركة المدافع الثقيلة التي كانت مخصصة لقصف أسوار الجزائر.

لم يضع الجزائريون وقتًا، فخرجوا بعد صلاة الفجر من بوابات المدينة في هجومٍ مباغت ضد القوات الإيطالية المرابطة بالقرب، والتي روّعتها المفاجأة، فانسحبت بشكل مضطرب، بينما بنادق المهاجمين تحصدها حصدًا. لم يوقف الهجوم الجزائري إلا تدخل العشرات من قوات فرسان مالطة المشهورين بالحماسة والقوة، وبدء استنفار باقي القوات بعد أن ترامت إلى أسماعهم أصوات المعارك.

أمر القائد الجزائري قواته بالانسحاب إلى وراء الأسوار، وهو ما تمّ بسرعة ونظام غير متوقعيْن في ذلك الوقت العصيب. اندفعت قوات فرسان مالطة، والمئات من الفرق الأخري وراء القوات المنسحبة، مما جرّهم إلى كمينٍ قاتل.

بينما أصبح المُطارِدون في مدى المدفعية الجزائرية، اشتد المطر، وساءت حالة الأرض، وأصبحت تلك القوات عاجزة عن التقدم نحو الأسوار، أو الانسحاب إلى مواقعها. وزاد الطين بلة، أن الأمطار أتلفت البارود، فأصبحت البنادق مواسير حديدية تنتظر الصدأ. هنا جاء دور الرماة الأندلسيين على الأسوار، والذين قنصوا المئات من الصليبيين بسهامهم بعيدة المدى التي لم تتأثر بالمطر. كذلك كانت حالة البارود في الجزائر أفضل كثيرًا، إذ حمته الأسوار والتحصينات من التلف، فشاركت البنادق والمدافع بفعالية. وكذلك لم تنقطع هجمات فرسان البدو من خارج الأسوار ضد الصليبيين.

في الأيام التالية، زادت العواصف عنفوانًا، فدمرت أكثر من 100 سفينة نقل، وحملت الأمواج الكثير من المؤن والعتاد من السفن إلى السواحل حول الجزائر، فغنم الجزائريون كمياتٍ كبيرة منها، رغم محاولة السفن الحربية الإسبانية والقوات البرية الحيلولة دون ذلك. وهكذا أصبح الآلاف من قوات شارل على بر الجزائر محصورين – لا مُحاصِرين – وسط الأراضي الموحلة، دون إمداداتٍ كافية، فريسة للجوع وللهجمات التي لم تنقطع من المقاومين خارج الأسوار.

لا بد أيضًا أن نشير إلى عمل فدائي بارز، كان أبطاله الآلاف من أسرى المسلمين العاملين جدّافين كُرهًا في السفن الحربية الصليبية. استغل هؤلاء حالة الفوضى والاضطراب التي سببتها العاصفة، وبدأوا في التمرد، وتوقفوا عن التجديف، فجرفت الأمواج العاتية 16 سفينة حربية إلى الساحل الجزائري، حيث أُنقِذ أكثر من 1400 من هؤلاء الأسرى المسلمين.

رسم تخيلي لخير الدين بربروس

بعد أن تفاقم التدهور، تشاور الملك شارل الخامس مع قادته حول الانسحاب، وإلى أين. أيَّد معظمهم الانسحاب فورًا. فلما استشارهم شارل في انسحاب تكتيكي إلى أقرب معقل إسباني في المنطقة لإصلاح السفن، والتزود، ثم مواصلة الهجوم، رفض الكثيرون، وفي مقدمتهم أندريا دوريا، ورأوا أن في هذا مخاطرة كبيرة، بالبقاء شهورًا في بيئةٍ معادية، وأن الأولى الانسحاب إلى أوروبا. اقتنع شارل برأي دوريا، رغم معارضة قائد بارز كهرنان كورتيز قاهر المكسيك، والذي أصر على استكمال الحرب.

لعل دوريا لم يعلمْ في حينه أن رأيه أنقذ شارل، ومن بقي من قواته من كارثة عسكرية أفدح مما حدث قبالة الجزائر، حيث كان الأسطول العثماني بزعامة خير الدين بربروس ينهب مياه المتوسط نهبًا متجهًا إلى منطقة العمليات، لنجدة الجزائر، ولو اصطدم بالأساطيل الصليبية وهي في حالتها المزرية تلك، لحدثت مذبحة مروعة لا مثيل لها.

بدأ انسحاب قوات شارل يوم 29 أكتوبر، بينما لم ينسحب شارل سوى في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، وتولى بنفسه قيادة صفوة فرسان مالطة والقوات الإسبانية لحماية مؤخرة الجيش المنسحب من الهجمات الجزائرية التي لم تنقطعْ ليلًا أو نهارًا.

خسائر تاريخية.. الجيوش الصليبية فقدت الغالي والنفيس

«في عام 1541م، بيعَ بعض العبيد المسيحيين في أسواق الجزائر بسعرٍ أقل من سعر ثمرة من الثوم» *روجر كراولي، كتاب إمبراطوريات البحر

بينما لم تفقد الجزائر سوى بضع مئاتٍ من مقاتليها وأهاليها، فإن خسائر قوات شارل الخامس كانت كابوسية، عددًا وعدة، ولم تكن الأثمان المعنوية أقل فداحة. فقدت الجيوش الصليبية حوالي 12 ألف من زهرة جنودها وملّاحيها، بين قتيلٍ وأسير، فتكدَّس الأسرى الصليبيون في أسواق الجزائر. وبلغت الخسائر في السفن بين 150 و200 سفينة، منها حوالي 30 سفينة حربية، كما دُمِّر أو أصبح غنيمة، أكثر من 200 مدفع، وآلاف البنادق والأدوات.

أنعم السلطان العثماني سليمان القانوني على حاكم الجزائر حسن أغا برتبة «باشا» تقديرًا لقيادته الناجحة لمعركة الجزائر. ثم شن خير الدين بربروس حملة بحرية انتقامية قاسية استهدفت سواحل إسبانيا وإيطاليا، ونشرت الخراب في الكثير من الثغور والموانيء في تلك المناطق، دون مقاومة تذكر، حيث كانت الأساطيل الإسبانية ما تزال في مرحلة إعادة البناء بعد الخسائر المروعة أمام شواطيء الجزائر.

بهذا النصر الساحق على قوات شارل، تعزّزت سطوة الجزائر في الحوض الغربي للبحر المتوسط، وأصبحت أساطيلُها صداعًا لإسبانيا ولحلفائها، ولخصوم الدولة العثمانية. وخرجت منها حملات عسكرية عديدة لتحرير باقي ثغور المغرب الإسلامي الخاضعة للإسبان، خاصة في المغرب الأوسط، مثل بجاية وتلمسان، ووهران التي تأخر تحريرها إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.

من اللافت أن محاولات إسبانيا لكسر أنف الجزائر لم تنقطعْ خلال القرون الثلاثة التالية لحملة شارل الكبرى، وكان من أبرزها غزوة عام 1775 الكبرى، والتي كانت هذه المرة في أتون الصيف الحار، لكن لم يغنِ عنها هذا التغيير في الموسم شيئًا، فكانت هزيمةً منكرة للقوات الإسبانية.

مذبحة اليهود.. قربان العفو الإلهي عن شارل

بعد الانسحاب المزري للحملة، اتجه شارل الخامس إلى مدينة بجاية الخاضعة للاحتلال الإسباني، لالتقاط الأنفاس، والتزود لرحلة العودة. لم تكن الأحوال هناك على ما يُرام، فقد كانت المدينة تخضع لحصارٍ بري منذ شهور طويلة، فرضته دولة الجزائر لإنهاكها، قبل محاولة تحريرها مجدّدًا.

قضى شارل – الكاثوليكي المتدين – أيامه في بجاية في التنسّك وطلب الغفران من الرب الذي أنزل سخطه عليه في معركة الجزائر. وطلبًا للمزيد من رضا الرب، أمر شارل بالتنكيل بجالية يهودية من لاجئي الأندلس كانت تتواجد في بجاية، فقتل البعض، وأجبرَ البعض على التنصُّر، بينما استرقّ الباقيين عبيدًا.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
قبل أزمة كشمير بقرون.. تعرف إلى تاريخ إمبراطورية الهند الإسلامية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد