حتى وإن تكفَّلَ السيف بإقامة الدولة، وتوطئة أركانها، فإنه لا يكفي لمنحها شرعيةً ترسِّخُ وجودها واستدامتها، وتُخمد حجج مُنازعيها.

فطن الظاهر ركن الدين بيبرس – المؤسس الفعلي لدولة المماليك – للحقيقة السابقة بعد انتزاعه عرش مصر عام 658هـ في أعقابِ موقعة عين جالوت، إثر المؤامرة التي اغتال فيها السلطان المظفر قطز، فقرَّر أن يُعزِّز الأمر الواقع بورقةٍ سياسيةٍ معنوية رابحة، كانت الخلافة، والتي كانت شاغرة منذ سنواتٍ عقب سحق المغول لبغدادَ عاصمة الخلافة العباسية، وقتل آخر خلفائها المستعصم العباسي.

قرَّر بيبرس نقل مقر الخلافة إلى القاهرة قاعدة ملكه، وطوى مصر والشام بحثًا عمَّن بقي من نسل بني العباس بعد مجزرة بغداد، حتى عثر على أحدهم، وهو الأمير أبو العباس أحمد بن الخليفة الظاهر العباسي، فأخذ له البيعة، ونصَّبَهُ في احتفالٍ مهيب احتشد من أجله عشرات الألوف من المصريين بصفته أول خلفاء بني العباس في مصر، وتلقَّب بالمستنصر بالله العباسي. احتفظ بيبرس بكافة صلاحيات الحكم، بينما اكتفى الخليفة في معظم الأحوال بالهيبة الرمزية، والقيمة المعنوية الدينية التي كانت تُجلُّها الجماهير آنذاك.

صورة متخيلة للظاهر بيبرس – مصدر الصورة تويتر

في العقود التالية، استمرَّت الحال على ما هي عليه، وتوارث أمراء من نسل بني العباس منصب الخلافة الشكلية، وكانت كلمة الفصل للمماليك، الذين كانوا يعزلون من لا يخضع لهم من الخلفاء.

فعلى سبيل المثال، عُزِلَ أحد الخلفاء ولقبه المتوكل على الله، لخلافٍ مع أحد الأمراء المماليك النافذين، ثم أعيد بعد سنواتٍ للخلافة، لينتهي به الحال سجينًا في سجن القلعة، ومعزولًا بأمر السلطان المملوكي الشهير الظاهر برقوق عام 785هـ.

ثمَّ ما لبثَ هذا الأخير أن أعاد المتوكِّل بعد سنواتٍ قليلة إلى الخلافة للمرة الثالثة عام 791هـ،  بعد أن أثار بعضُ خصومِه من الأمراء حفيظةَ الجماهير والأمراء ضد برقوق لاضطهاده المتوكل.

ومن المفارقات، أنه بعد عامٍ واحد، عُزِل الظاهر برقوق نتيجة صراعٍ مع خصومه من الأمراء، إلا أن المتوكل أظهر نُبلًا في الخصومة، فلم يُسِئ إلى برقوق، فلما عاد الأخير للسلطنة، ثبَّتَهُ في الخلافة، ليظل في منصبه إلى عام 808هـ في عهد السلطان الناصر فرج بن برقوق، ويصبح مجموعة ما قضاه خليفةً في فتراته الثلاثة أكثر من 40 عامًا.

بعد المتوكل، بويعَ بالخلافة ابنُهُ أبو الفضل العباس، والمُلقَّب بالمستعين بالله، والذي يبدو أن ما شهدته خلافة أبيه من تقلبات حادة بين السجن والقصور، ورضا السلطان المملوكي وسخطه، قد تركت أثرًا في شخصيته، ودفعته لمحاولة رد الصاع صاعيْن للأمراء المماليك، والوثوب فوق خلافاتهم، ومحاولة إعادة بعض هيبة الخلافة القديمة التي طمستها قرون طويلة من تعاقب خلفاء الاسم دونَ الرسم.

السلطان فرج بن برقوق وعصر الاضطرابات

ارتقى السلطان فرج عرش القاهرة عام 801هـ بعد وفاة أبيه الظاهر برقوق، وكان غلامًا في العاشرة من عمره. وإلى جانب صغر سنه، لم يكن فرج يمتلك ما كان يتصف به والده الظاهر برقوق من صفات رجل الدولة، فعصفت بعصره صراعات الأمراء المماليك ومطامعهم، والتي بدأت منذ العام الأول من حكمه، واستغلَّ البعض منهم صغر سن السلطان، فبرَّروا خروجَهم عن طاعته بأنه غير رشيد ولا يصلح للمنصب.

كذلك أحاطت الأخطار الخارجية بالدولة في عصر السلطان فرج، فشهد تحركاتٍ معادية للسلطان العثماني بايزيد الثاني بن مراد في شرقي الأناضول، على مقربة من شمال الشام، وكذلك وقعت فيه الغزوة الكاسحة التي شنَّها القائد المغولي الشهير تيمورلنك، واحتلَّ خلالها معظم أجزاء الشام، وأعملَ فيها الخراب، وظهر خلالها الأثر السيئ لضعف السلطان ومن حوله من مدبِّري الدولة.

تمثال القائد المغولي الشهير تيمورلنك – مصدر الصورة ويكيبيديا

فعجزوا عن تجهيز حملة عسكرية قوية فعَّالة من مصر لنجدة الشام كما كانت الحال قبل عقود في الغزوات المغولية السابقة، كما أفسدت نزاعاتهم الشخصية المجهود الدفاعي ضد حملة تيمور، فهُزم جيش السلطان أمام التيموريين في دمشق، وسقطت المدينة.

في السنوات الأخيرة من عصره، كان من أبرز منازعي الناصر فرج على السلطان، الأمير المؤيد شيخ المحمودي، والذي كان نائبًا على طرابلس – لبنان – إبَّان غزوة تيمورلنك عام 803هـ، وتحالف معه الأمير نوروز، وكان كلاهما إلى جانب الطمع في السلطة، ينقمان على السلطان فرج تصرفاته الطائشة، وقراراته الشاذة، وسيطرة بعض خصومهما من الأمراء على رأيه.

أواخر عام 814هـ، اضطربت الأحوال كثيرًا في مصر؛ إذ فقد السلطان فرج صوابَه تمامًا بعد ما جاءتْهُ الأنباء بتمرد الأميريْن شيخ ونوروز في الشام، بعد فشل الاتفاق الذي عقِدَ بين الطرفين برعاية نائب الشام الأمير تغري بردي – والد المؤرخ المعروف – الذي تضمن إذعان هذيْن الأميريْن للسلطان مقابل منحهما بعض الولايات.

أمر السلطان فرج بالقبض على المئات من الأمراء المشكوك في ولائهم له، وعلاقتهم بالمتمردين، ثم أصدر قراراتٍ بقتلهم نُفِّذ منها 400 إعدامٍ في يومٍ واحد. كما وجَّهَ بهدم العديد من المباني الرائعة المطلة على ميدان القلعة، خوفًا من استخدامها منطلقًا للهجوم عليه في القلعة. كما أوعز بقتلِ ابنه وأخيه وابن أخيه خوفًا من استغلالهم في الخروج ضده!

مئذنة وقبة مسجد ومدرسة الظاهر برقوق- شارع المعر - القاهرة الإسلامية

مئذنة وقبة مسجد ومدرسة الظاهر برقوق- شارع المعز – القاهرة الإسلامية

ثم خرج الناصر فرج على رأس جيشه إلى الشام للسيطرة على تمرد الأميريْن المذكوريْن، وكان الغالبية العظمى من الأمراء والعامة قد كرهوه بسبب موجة البطش والقتل التي أغرق فيها البلاد في الشهور الأخيرة.

رفض الناصر فرج نصيحة أمير الشام تغري بردي له بعقد مصالحة شاملة وتهدئة الأجواء، وأصرَّ على المضي في طريق الدم، فوقع الصدام بينه وبين قواتِ خِصميْه شيخ ونوروز، فهُزِمَ السلطان، وانسحب إلى دمشق ليحتمي بقلعتها الحصينة، بينما أُِسِرَ الخليفة العباسي المستعين، وأظهر الأميريْن المتمرديْن إجلالَهم له، ورأوْأ في وجوده معهما ورقةً رابحة في صراعهم مع الناصر فرج.

المستعين بالله العباسي.. الخليفة السلطان

هو العباس، أمير المؤمنين، الخليفة المستعين بالله، أبو الفضل، سلطان الديار المصرية، ابن الخليفة المتوكل على الله أبي عبد الله محمد الهاشمي العباسي. *ابن تغري بردي، في مقدمة ترجمة المستعين بالله من كتابه المنهل الصافي.

مرَّت السنوات الست الأولى من خلافة أبو الفضل العباس المستعين بالله، على المنوال المعتاد في العقود السالفة، من اسميَّة الخلافة ورمزيَّتها دون فاعليَّتها السياسية الحقة، لكن تغيَّر كل شيء عام 814هـ عندما اصطحب الناصر فرج معه الخليفة المستعين في حملته الأخيرة على الشام التي أشرنا إليها قبل قليل.

حاصر الأمراء المتمردون دمشق وفيها السلطان فرج، واشتدَّ القتالُ بين الطرفين دون حسم. ففكَّر الأمير شيخ ومن معه في ضربةٍ حاسمة يوجهونها للناصر فرج، فجمعوا العديد من الشيوخ والأمراء والقضاة، واقترحوا تولية الخليفة المستعين منصب السلطنة، ليجتمع حولَه الكل، وخلع الناصر فرج.

مال الكثيرون إلى هذا الاقتراح، لكن المستعين تردد في القبول؛ خوفًا من بطش فرج، فورَّطَهُ الأمراء بأن أذاعوا على لسانه في دمشق أنه خلع السلطان فرج، فلم يعُد له مفرٌّ من القبول، لكنَّهُ اشترطَ على الأمراء المتمردين قبل القبول أن يطيعوه، فوافقوا وأقسموا على ذلك.

ضعُف جانب فرج بعد تلك التطورات الدراماتيكية، وانفضَّ عنه الكثيرون، وأُلقيَ القبض عليه، ثم قُتِل في محبسه بأمر الخليفة المستعين أوائل عام 815هـ، جزاءً على أعماله، بعد اجتماعٍ كبير للفقهاء والقضاة في مجلس الخليفة السلطان الجديد، أفتوْا فيه بإهدار دم المخلوع فرج.

وكان النَّاصر أشأم ملوك الإسلام؛ فإنَّه خرَّب بسوء تدبيره جميع أراضي مصر وبلاد الشَّام من حيث يصبُّ النِّيل إلى مجرى الفرات. *المؤرخ الشهير تقي الدين المقريزي منتقدًا الناصر فرج

وهكذا استقرَّ إلى حينٍ، أمرُ المستعين في الخلافة والسلطنة معًا، في سابقةٍ نادرة، على أن يكون الأمير المؤيد شيخ المحمودي هو مدبر مملكته وأتابك العسكر – قائد الجيش –  في مصر، بينما يصبح نوروز واليًا على الشام بصلاحيات شبه مستقلة عن القاهرة.

لكن وبمجرد زوال الخطر المشترك، بدأت الخلافات تطفو بين الحليفيْن المتمرديْن: شيخ ونوروز؛ إذ كان الأول معارضًا لقتل الناصر فرج، وأراد الاكتفاء بحبسه، بينما اتفق الثاني مع المستعين على وجوب قتل فرج. كذلك شعر نوروز بأن شيخًا قد خدعه وأبعدَه عن مُعتَركَ السياسة الحقيقية في القاهرة بتوليته نيابة الشام.

نهاية وثبةٍ قصيرة باهظة الثمن!

أقام السلطان الخليفة في قلعة الجبل، موئل الحُكم والسياسة والدسائس في مصر المملوكية، وأصبحت قرارات الدولة ومراسيمها تصدر بتوقيعه، وكانت الديباجة التي يُصدرُ بها قراراتِه تحمل لغةً غيرَ معهودة:

من عبد الله ووليِّه، الإمام المستعين بالله، وخليفة ربِّ العالمين، وابن عمِّ سيد المرسلين، المفترض طاعته على الخلق أجمعين، أعزَّ الله ببقائه الدين.

بدأ المستعين عهدَه بمحاولة تسكين الأجواء، فأفرج عن العديد من الأمراء الذين سجنهم فرج في الإسكندرية، ثم وصل من دمشق إلى القاهرة في استقبالٍ شعبيٍّ حاشد منحه الكثير من الثقة في نفسه. وفي إشارةٍ رمزية إلى أنه ينوي فرضَ نفسِه سُلطانًا فعليًّا، لم يسكن في قصر الخليفة بالقاهرة، إنما سكن القصر السلطاني في قلعة الجبل، لكن سرعان ما سادتِ الخلافات بينهُ وبين الأمير الطموح شيخ، الذي أراد أن يكون هو القوة الكاملة خلف العرش، وألا يكون للمستعين سوى الرمزية.

أمر شيخ بعدم خروج الموكب السلطاني صحبة الخليفة في جولاته، وتحجَّج بإرهاق الجنود من السفر الطويل، بينما كان هدفه الرئيس هو إضعاف هيبة المستعين في نفوس العامة، وأخذ الأمير الطامع في أسابيع قليلةٍ يفرض أمرَه الواقع، ويولي من يشاء ويعزل من يشاء، ويتخلص من خصومه من الأمراء، وأصبح مجلس المؤيد شيخ حافلًا بالأمراء وأصحاب المصالح، بينما خلا مجلس الخليفة السلطان في القلعة إلا من أهله وخدمه، وشعر الأخير بأن البساطَ قد سُحِبَ من تحتِ قدميْه.

مسجد المؤيد شيخ - القاهرة الإسلاميةمسجد المؤيد شيخ – القاهرة الإسلامية – المصدر ويكيبيديا

بعد ثلاثة أشهر، أجبرَ المؤيد شيخ الخليفةَ على أن يوقع على مرسومٍ يفوض فيها صلاحياته إليه، وأشهد على ذلك كبار رجال الدولة، بينما بقي للمستعين الخلافة والسلطنة الاسمية.

ثم بعد شهرين، وبعد استكماله تهيئة الأجواء في القاهرة، أجبرَ المؤيد شيخ المستعينَ بالله على الاستقالة من منصب السلطنة، على أن يبقى خليفةً كما كان الحال في العصور السابقة، لكن أواخر عام 815هـ، أتمَّ شيخ خُطَّتَه للانفراد بالحُكم بعزلِ المستعين من منصب الخلافة، ونصَّب أخا الخليفة مكانَه.

وخُلِعَ المستعينُ من السلطنة بِغَيْر أَمر يُوجب ذَلِك؛ بل بِالشَّوْكَة. *ابن تغري بردي في كتابه مَوْرِد اللطافة، معلقًا على عزل المستعين بالقوة

ثم بعد عامٍ، ومع اختفاء ذكره بينَ الناس، أمرَ المؤيد شيخ بسجن المستعين في الإسكندرية، فظلَّ حبيسًا إلى نهاية عهد السلطان شيخ عام 824هـ، حتى أطلقَ سراحَهُ السلطانُ الأشرف برسباي، وأسكنَه في دارٍ بالأسكندرية، والتي قضى فيها السنوات التسع الباقية من عمره.

تُوُفِّي المستعين بالله العباسي عام 833هـ، بعد أن بلغ من العمرِ أربعين عامًا، قضى منها سبعة أشهرٍ فحسب في مغامرتِه السياسية الاستثنائية باهظة الثمن.

تاريخ

منذ سنة واحدة
معركة «شقحب».. حين انتصر المماليك على دولة المغول المسلمة

المصادر

تحميل المزيد