في أواخر عام 2015 شنَّ بعض الصحافيين الإنجليز حملة على زعيم «حزب العمال» البريطاني، اليساري العتيد جيمي كوربين. سبب هذه الحملة كان استشهاد كوربين في  إحدى المناسبات بجملة منسوبة إلى أنور خوجة، أطول من تربع على زعامة بلد أوروبي في القرن العشرين. استنكر الصحافيون أن يقوم أحد أبرز أعلام السياسة في بريطانيا بما يشبه التلميع لهذا الديكتاتور الذي كان دائمًا سيئ السمعة في الأوساط الأوروبية.

لم يقتصر الأمر على 40 عامًا  قضاها أنور خوجة يحكم ألبانيا بصلاحيات مطلقة؛ فقد نجح  المعلم السابق في الإمساك بألبانيا بقبضة حديدية فارضًا عليها نموذجه الشيوعي المتطرف للتحديث، ساحقًا كل محاولات المعارضة الدينية أو السياسية بلا شفقة أو تردد.

ألبانيا.. من هامش التاريخ إلى ما قبل عزلة أنور

في منطقة البلقان حيث جنوب شرق أوروبا الذي ظلَّ لقرونٍ مسرح معركة مفتوحة بين الشرق العثماني والغرب الأوروبي، تقع دولة ألبانيا ذات الغالبية المسلمة، تلك البقعة المجهولة للكثيرين، رغم أنها تحظى بإطلالة متميزة على البحر الأدرياتيكي، على الضفة المقابلة لحذاء شبه الجزيرة الإيطالية الشهير، لا يفصلهما سوى 70 كم من المياه.

كانت هذه الأرض مرتعًا لبعض القبائل التي تعمل أساسًا بالرعي أو الزراعة، ولكل منها لهجة محلية خاصة. بدأ الإسلام في الانتشار في ألبانيا وجوارها بعد ضم العثمانيين لها منذ انتصار السلطان مراد الأول العثماني في موقعة كوسوفو الشهيرة عام 1389هـ. لكن لم يولِ العثمانيون هذه المنطقة عناية خاصة على مدار قرونٍ خمسة ظلت فيها في حيازتهم، فظلت إقليمًا معتمدًا على الأنشطة البدائية رعيًا وزراعة، وبقيت مدنها الصغيرة تفتقر إلى معظم التسهيلات الحديثة كالطرق الممهدة، وشبكات الصرف الصحي، والبرق والهاتف…إلخ.

في مقابل تهميش الإقليم، فإن العشرات من أبنائه ترقوا في مراتب الحكومة العثمانية، ووصل العديد منهم إلى منصب الصدر الأعظم (رئاسة الوزراء) وبعض المناصب الحربية الهامة. ومن أشهر الشخصيات الألبانية في العهد العثماني: محمد علي باشا، الذي حكم مصر وولاياتها 43 عامًا، واستقل بها عن الأستانة.

عام 1912، وإثر هزيمة الدولة العثمانية في الحرب البلقانية الأولى، أعلن استقلال ألبانيا بعد مخاض عسير نتيجة أطماع البلاد المحيطة بها في انتزاع أجزاء منها. فانتزعت صربيا إقليم كوسوفو ذي الغالبية الألبانية، وانتزعت اليونان بعض المناطق الجنوبية، وجمهورية الجبل الأسود أجزاءً من الشمال، وفي خلفية هذا المشهد القوى الاستعمارية الكبرى آنذاك، خاصة إنجلترا وروسيا والنمسا. كذلك تعثرت محاولات إنشاء حكومة مستقرة، حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى وأصبحت ألبانيا مسرحًا للقوى المتصارعة كإيطاليا واليونان وصربيا… إلخ.

بعد الحرب تم إعادة الاعتراف باستقلال ألبانيا، وانضمت إلى عصبة الأمم عام 1920، لكن نشأ صراعٌ داخليٌّ كبير بين القوى المحافظة والقوى الليبرالية من أجل إقامة حكومة ألبانية مستقرة، استمر حتى انتصار المحافظين بدعم من صربيا، وإعلان الجمهورية 1925 بزعامة أحمد زوغو، والذي نصَّب نفسه ملكًا لألبانيا عام 1928، واستمر يحكم حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، عندما احتلت إيطاليا الفاشية ألبانيا. وفي عام 1941، تسلَّمت ألمانيا النازية ألبانيا بعد أن احتلتْ قواتها صربيا. وهنا بدأ أنور خوجة يظهر على مسرح الأحداث في ألبانيا، ليسيطر بعدها على المسرح، ويصادره لحسابه ولحساب أفكاره لـ40 عامًا على الأقل.

«غاليبولي».. «الملحمة» التي أثار إحياء ذكراها أزمة دبلوماسية بين تركيا والنمسا

من حرب التحرير إلى القبضة الحديدية

عندما سقطت ألبانيا في قبضة الاحتلال الفاشستي الإيطالي عام 1939، فُصل أنور خوجة – المولود عام 1908 – من وظيفته كمعلم، نظرًا لميوله الشيوعية، ولرفضه الانضمام للحزب اليميني الفاشستي الألباني الذي دعم الإيطاليون إنشاءَه. قام الرجل بعدها بفتح كشك صغير لبيع السجائر، كان واجهة لتجمع رفاقه الشيوعيين الألبان لبحث كيفية مواجهة الاحتلال.

لم يتوقع الكثيرون ممن شهدوا نشأة أنور وشبابه أن يؤول به الحال مؤسسًا لمذهب شيوعي ستاليني شديد الراديكالية والتطرف. فقد درس عام 193 في المعهد الفني الأمريكي بتيرانا عاصمة أليانيا، ثم حصل على منحة لاستكمال دراسته بمونبيلييه الفرنسية، ثم عمل لعامين 1934-1936 بالقنصلية الألبانية في بلجيكا، قبل أن يعود معلمًا بمدرسته القديمة في إحدى المدن الألبانية الصغيرة، حيث بدأت أفكاره الشيوعية في التبلور والنضوج.

عام 1941، وبمعونة الشيوعيين الصرب في صربيا المحتلة المجاورة لألبانيا، أسس أنور خوجة الذي ذاع صيته في الأوساط اليسارية بالبلقان، الحزب الشيوعي الألباني، والذي بدأ جناحه العسكري «جيش التحرير الوطني» في شن حرب عصابات ضد قوات الاحتلال النازي، خاصة مع اجتياح النازيين للاتحاد السوفييتي الوطن الأم للشيوعيين منذ منتصف 1941.

عندما استعاد السوفييت زمام المبادرة في الحرب منذ مطلع. 1943، زادت قدرتهم على دعم التمردات الشيوعية المسلحة في البلدان الخاضعة للسيطرة النازية. وبالفعل تمكن «جيش التحرير الألباني» من احتلال العاصمة تيرانا في نوفمبر (تشرين الثاني) 1944، مستغلًا تزعزع وضع الألمان على كافة الجبهات. نصّب أنور خوجة نفسه رئيسًا لوزراء ألبانيا المحررة، بجانب منصبه كسكرتير أول للجنة المركزية للحزب الشيوعي الألباني.

الخبز والمصانع مقابل كل شيء

في البداية لم يظهر الوجه الشيوعي المتطرف لبطل التحرير، ولم تكن بارانويا الزعامة والمؤامرات الكونية قد ابتلعته بعد، وابتلعت معه نصف قرن أو يزيد من عمر ألبانيا. استبشر الكثيرون من عامة الألبان بقوانين الإصلاح الزراعي، وتوزيع الملكيات الضخمة للإقطاعيين الألبان، خصوصًا وقد تحسَّنت الإنتاجية الزراعية لمعظم المحاصيل. كذلك أوليَت الصناعة عناية كبيرة، وتم تحسين شبكات الطرق، والخدمات.

استفاد النظام الجديد من الدعم السخي الذي انهال على حكومة خوجة من الأنظمة الشيوعية القوية خاصة من الاتحاد السوفييتي، الذي دائمًا ما أبدى أنور إعجابه الشديد بشخصية زعيمه ستالين، والذي اقتفى خوجة خطواته، خاصة في القمع الشديد لكل معارضة.

مع الوقت، ومع اندلاع الحرب الباردة بين المعسكريْن الشيوعي والغربي، بدأ نظام خوجة يقبض على الأمور بيد من حديد، واجتهد بحسم في عزل ألبانيا تمامًا عن أية مؤثرات مخالفة للنهج الشيوعي قد تحاول بثَّها الدول الأوروبية الليبرالية والرأسمالية، فلم يسمح بأي قدر من حرية الرأي أو التعبير أو الحريات السياسية.

هذه السياسة الانعزالية الصارمة، امتدَّت كذلك إلى القوى الشيوعية الرئيسة في العالم. فعام 1948م، لم ترُق لخوجة محاولات الوصاية الصربية علي ألبانيا، فحدثت القطيعة بين النظاميْن الشيوعييْن في البلديْن. وبعد وفاة الزعيم السوفييتي ستالين عام 1953م، والذي كان القدوة الأولى لخوجة في القمع والتطهير السياسي والولائي، بدأ الانفصال  بين ألبانيا والاتحاد السوفييتي، إذ اتهم خوجة خلفاء ستالين بالرجعية، والتخلي عن نهجه، وأعلن قطيعته التام عام 1961م مع الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف.

اتجه خوجة بولائه إلى الشيوعية الماوية الصينية، لكن بوفاة الزعيم الصيني ماو تسي تونج عام 1978م، أعلن خوجة انفصاله عن الشيوعية الصينية عندما بدأ خلفاء ماو مواربة الأبواب قليلا تجاه الغرب. وهكذا أصبحت شيوعية ألبانيا وحيدة نسجها وعزلتها.

بجانب القمع الشديد الذي اتَّصَف به نظام خوجة، والذي تقدر «الإندبندنت» البريطانية ضحاياه بحوالي 100 ألف قتيل – رقم ضخم للغاية إذا وضع في الاعتبار أن عدد سكان ألبانيا الآن 3 ملايين ونصف – فقد كانت هناك صفة أخرى مميزة، هي العداوة الصارمة الصريحة مع الدين، فقد كان يهاجم الدين في خطاباته، ويعلق على شماعته كل المثالب، فمنع كافة المظاهر والشعائر الدينية كالصلاة، حتى كان الناس في منتصف وأواخر عهده يخافون من إظهار الفرح في مواسم العيد ورمضان!

ويعرض الوثائقي التالي بعض شهادات من عاصروا الاضطهاد الشيوعي لمظاهر التدين الإسلامي في ألبانيا، خاصة أثناء حملة تدمير المساجد عام 1967م، والتي تم خلالها تخريب معظم المساجد، أو تحويلها إلى نوادٍ وثكنات عسكرية أو مقراتٍ للحزب الشيوعي… إلخ.

كذلك تكرست الفردانية السياسية بشكل هائل، فتماثيل أنور خوجة تملأ الميادين والشوارع والمصالح الحكومية، وعباراته وأفكاره تتداولها الصحف والإذاعة لنشر عصارة عقل الزعيم الملهَم. صارت ألبانيا هي خوجة، وخوجة هو ألبانيا أطلقت يد الأمن السياسي لقمع أية بادرة تمرد أو معارضة، وكذلك تمَّ التضييق بشدة على دخول الأجانب إلى ألبانيا، وكذلك خروج الألبان إلى الخارج.

مترجم: سور ومئذنة ومتحف.. تعرف على ما تبقى من مدريد العربية

200 ألف ثكنة عسكرية و2 مليون ألباني

دائمًا ما كان الهاجس الأمني مسيطرًا على عقل خوجة، سواء الخوف من التمردات الداخلية، أو الغزو الخارجي من أعدائه وأعداء الشيوعية كما كان يدعي. استهلك خوجة جانبًا هامًا من موارد هذا البلد الصغير في إنشاء عشرات الآلاف من الدشم والثكنات العسكرية المسلحة على طول الحدود، وفي الأماكن الحيوية. أقل التقديرات تذكر أن إجمالي عدد هذه الدُّشم المسلحة بلغ 200 ألف، بينما يقدرها البعض بـ 750 ألف دشمة محصنة . أي أن كل كيلومتر مربع من مساحة سطح ألبانيا البالغة 28 ألف كم مربع، والتي تغطي الجبال 70% منها، قد احتوي ما بين 6-20 دشمة محصنة. وكان هناك دشمة  لكل 2-6 من المواطنين الألبان.

جدير بالذكر أن أنور خوجة لم يعمم تجربة الثكنات إلا بعد تجربة عملية أثبتت كفاءتها. فقد أكد المهندس صاحب الفكرة أن كل دشمة محصنة قادرة على التصدي لدبابة وتحمل نيرانها، فأمر خوجة فوضع المهندس داخل أول دشمة تم إنشاؤها، وأمر إحدى الدبابات بمهاجمتها بضراوة، فلما نجا المهندس من الموت، أمر خوجة بنشر هذه الثكنات في كل بقعة من الأراضي الألبانية. وما زال الكثير من هذه الدشم باقيًا الآن كمزارات سياحية شاهدة على زمن خوجة.

ما بعد أنور.. انهارت الشيوعية وما زالت ألبانيا تتلمس النور

توفي أنور خوجة في 12 أبريل (نيسان) 1985، فأشرفت ابنته على تأسيس هرم ضخم في قلب العاصمة تيرانا، مبطَّن بأفخر أنواع الرخام، ليكون متحفًا لتخليد ذكرى والدها، وسيصبح هذا الهرم المهجور الآن رمزًا لمرحلة انهيار الشيوعية في ألبانيا.

حاول رامز عاليا خليفة أنور خوجة، وأحد أشد المقربين منه في حياته، الحفاظ على النظام الشيوعي، مع إدخال تعديلات تدريجية تسمح بتنويع الاقتصاد قليلًا، وتدفق بعض الاستثمارات الغربية لإنقاذ الاقتصاد المتداعي بعد توقف مساعدات القوى الشيوعية الكبرى نتيجة سياسة العزلة الكاملة التي تبناها أنور أواخر أيامه، لكن استمرَّت الأوضاع في التدهور، وبدأت حالة التململ الشعبي تزداد، وبدأت قدرة النظام على الحفاظ على القمع الكامل تهتز.

جاءت الصاخبة عندما بدأ تفكك الكتلة الشرقية والاتحاد السوفييتي عامي 1989-1990؛ إذ عمَّت الاحتجاجات والمظاهرات والاضطرابات أنحاء ألبانيا خاصة من الشباب والطلاب والعمال، حاول رامز امتصاص الغضب الشعبي بفتح أبواب السفر للخارج، وببعض الإصلاحات الاقتصادية، وبكبح جماح «السيجوريمي» (جهاز الأمن السياسي)  ثم أواخر 1990 قام بالسماح بإنشاء أحزاب سياسية وصحف مستقلة، إيذانًا بانتهاء مرحلة الحزب الواحد الشيوعية. كذلك بدأ النظام في التسامح مع المظاهر الدينية.

استمَّرت الاضطرابات حتى مطلع عام 1992 عندما أجرِيَت أول انتخابات عامة نزيهة في تاريخ ألبانيا، والتي فاز بها بأغلبية مريحة الحزب الديموقراطي المعارض بشدة للشيوعية. استقال رامز عاليا من منصبه في مارس (آذار) 1992، وخلفه سالي بريشا كأول رئيس ديموقراطي منتخب في تاريخ ألبانيا.

لم تمر السنوات التالية بسلاسة في أحضان الديموقراطية، فميراث الحقبة الشيوعية القاسية كان مروعًا على كافة الأصعدة الإنسانية والثقافية والاقتصادية والسياسية، رغم الانفتاح السياسي الكبير داخليًا وخارجيًا، فقد أدت السياسات الاقتصادية الرأسمالية الحادة المناهضة للشيوعية السابقة في حدوث اضطرابٍ اقتصادي كبير، وصولًا إلى أحداث عام 1997 التي أعقبت فقدان الكثير من الألبان لمدخراتهم ضحية مضاربات اقتصادية غير طبيعية، وممارسات غير قانونية.

فقد انتشرت الفوضى في أرجاء ألبانيا، وانهارت السلطة المركزية بشكل شبه كامل، مما استدعى تدخل قوات حفظ سلام دولية لإعادة الاستقرار، والذي بدأ يثبت أركانه مع إجراء الانتخابات العامة أواخر ذلك العام والتي فاز بها الحزب الاشتراكي، اضطربت الأمور مجددًا عام 1999 مع تدفق نصف مليون لاجيء ألباني من إقليم كوسوفو نتيجة العدوان الصربي والذي انتهى بتدخل القوات الدولية بضربات عسكرية ضد الجيش الصربي لتكريس استقلال إقليم كوسوفو عن صربيا. ثم كادت الأمور تتطور عام 2001 إلى حرب مع مقدونيا المجاورة على خلفية الاحتجاجات التي نظمها المواطنون الألبان هناك، والذين يمثلون حوالي 40% من سكان مقدونيا.

مودود بن التونتكين.. الأمير التركي الذي دقّ أول مسمار في نعش الصليبيين

منذ عام 2005 عاد الحزب الديمقراطي للواجهة، وسهلت سياساته انضمام ألبانيا لحلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2008، ويستمر المشهد السياسي الألباني متأرجحًا بين القطبيْن الكبيريْن، الحزب الديمقراطي ليبرالي التوجه، والحزب الاشتراكي اليساري المعتدل. يمكن الآن القول بأن ألبانيا وصلت إلى بر الأمان بعد عواصف وزوابع الانهيار الشيوعي، إلا أنه من الصعب الادعاء أن بلد الراية الحمراء قد تجاوزت تمامًا ميراث الحقبة الحمراء، حقبة الزعيم الملهم: أنور خوجة.