3,523

منذ أن دخلت الألوان في صناعة السينما، وهي تقوم بدور فعال في إضافة بعض البهجة في قلوب المشاهدين، خاصة حين تظهر ممثلة في ردائها الأحمر البراق، أو مشهد لشروق الشمس بأشعتها الصفراء الصافية، ولكنَّ دور الألوان لم يتوقف عند رسم البهجة في اللوحات السينمائية، وهناك بعض الأفلام اختار صناعها أن تكون الألوان جزءًا لا يمكن فصله على قصة الفيلم والسرد الدرامي للشخصيات الرئيسة، وقد اخترنا لك 10 أفلام لتخبرك كيف يمكن للألوان أن تشارك في بطولة الفيلم

The Grand Budapest Hotel -1.. وألوان ويس أندرسون المميزة

حقق المخرج ويس أندرسون معادلة صعبة يسعى إليها معظم المبدعين، وهي إرضاء الذوق العام بالتوازي مع رضاء النقاد والمبعدين الآخرين، وتميزت أفلام أندرسون بصورتها المميزة، حين استطاع أن يترك بصمته على صورة أفلامه مستخدمًا تقنيات فريدة في تصوير وتلوين الفيلم.

فيلم The Grand Budapest Hotel الحائز على أربع جوائز أوسكار، يعتبر مثالًا جيدًا على الاستغلال المبتكر للألوان في صناعة السينما، ومشاركتها الفعالة في بطولة الفيلم الذي تدور أحداثه في الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية، في جمهورية من خيال صناع الفيلم، واختار المخرج أن يحتوي الفيلم على أكثر من خط زمني، من خلال سرد أحداث من الماضي، واختار لكل فترة زمنية لوحة ألوان مختلفة للتمييز فيما بينهم، وللتعبير عن الجو العام المخيم على الفترة الزمنية التي تسرد بها القصة.

لوحات الألوان في هذا الفيلم، يستخدمها المحترفون في دراستهم مثالًا ناجحًا للاستخدام الفعال للألوان في الأحداث الرئيسة للفيلم، وصرحت الناقدة والكاتبة راندي التمان أن «هذا الفيلم مفعم بالألوان، الملابس الملونة، الشخصيات الملونة، والأماكن الملونة، والفترات الزمنية الملونة أيضًا، حين اختار ويس ثلاثة ألوان مختلفة لثلاثة خطوط زمنية، كل لون فيهم يشارك في التعبير عن الحالة العامة للقصة التي تدور في الخط الزمني المراد سرده».

اقرأ ايضًا: «ويس أندرسون» صانع السينما المزركشة

The Red Shoes -2.. عندما تعزز الألوان قصة الفيلم

فيلم The Red Shoes قام بصناعته الثنائي الإنجليزي مايكل باول وإمريك بريسبرغر عام 1948، وتدور قصته حول راقصة بالية، تمر بصراع نفسي بسبب صعوبة الاختيار بين حياتها الشخصية العاطفية، والعمل الاحترافي والشهرة والنجاح، ومع أن قصة الفيلم تقليدية ولا تحتوي على خطوط درامية مميزة، إلا أن الفيلم نجح في تحقيق مكانة راقية بين الأفلام الكلاسيكية.

ناتالي كالموس المشرفة على تلوين الأفلام في تلك الفترة الزمنية، أكدت أن الألوان المستخدمة في هذا الفيلم وطريقة توظيفها، لها فضلًا كبير في منح هذا الفيلم مكانة فنية وإبداعية في العالم، وخاصة – على حسب تصريحها – الجزء الخاص بعرض البالية والذي استغرق ما يزيد عن 15 دقيقة، حين وظف صناع الفيلم الألوان بشكل مبهر ومبهج، منح  القصة التقليدية للفيلم عالم مبهر وسحري.

Blue Is the Warmest Color -3.. الأزرق لا يمثل الحزن فقط

في ثقافة الدول المتحدثة باللغة الإنجليزية، يمكنك وصف الشخص الحزين بكونه «أزرق»، لما يمثله هذا اللون من دلالة عن الشعور بالحزن والوحدة في تلك الثقافات، بينما فيلم Blue Is the Warmest Color اختار أن يوظف الأزرق في أكثر من حالة نفسية واحدة.

تدور قصة الفيلم حول قصة حب مثيرة ومميزة وحزينة في بعض الأحيان بين امرأتين، استخدم صناع الفيلم اللون الأزرق في أكثر من موقف، مثل الإضاءة في النادي الليلي الذي يرتاده الأبطال وحيث عبر الأزرق عن الإثارة والرغبة، وتم استخدامه في لونًا لشعر إحدى البطلات رمزًا للتفرُّد والرغبة الملحة في التعبير عن الذات، ولحظة التخلص من هذا اللون، ومنح شعرها شكلًا طبيعًا كان له دلالة نفسية مهمة، إلى جانب الظهور المميز لبعض لوحات بابلو بيكاسو، والتي رسمها في الفترة الحزينة من حياته، والتي أطلق عليها «الفترة الزرقاء لبيكاسو»، ولذلك كان لظهور تلك اللوحات إسقاط رمزي على الحزن بداخل أبطال الفيلم.

A Single Man -4.. عندما تُشرق الألوان كالشمس

تدور أحداث فيلم A Single Man حول الحياة اليومية لرجل مثلي يتوفى رفيقه، ويبدأ في محاربة الحزن ليتمكّن من المضي قدمًا في حياته، ولكنه يقابل شابًا يصغره سنًا ويصبغ – حرفيًا – مشاهد حياته بلون جديد، حين قام صناع الفيلم بتوظيف الألوان من أجل تجسيد المشاعر غير المعلنة للرجل الحزين، ويمكنك أن تلاحظ هذا التغير في عندما كان يجلس بطل الفيلم في أحد البقاع في الشوارع العامة، يتأمل الفراغ، والمشهد من حوله مصبوغًا بالأزرق موحيًا بالحزين، ولكن هذا الأزرق يتحول إلى الأحمر، عندما يعود البطل إلى نفس البقعة، ولكن مع الشاب الذي أضفى اللون الأحمر والشغف في حياة الرجل الحزين.

صرح مدير تصوير الفيلم، أنه والمخرج اتفقا على اختيار كاميرا لم تعد تستخدم من أجل التصوير السينمائي لقدم عمرها، ولكنها لديها القدرة على إبراز الألوان بشكل غني وثري، وخاصة اللون الأحمر، وعلى الرغم من صعوبة استخدام تلك الكاميرا وصعوبة الحصول عليها، قرر المخرج أن الألوان التي تمنحها تلك الكاميرا هي المُختارة لتجسيد تلك المشاعر المكبوتة داخل البطل، هذا التجسيد التي شبهه أحد الكُتاب بأنه «يسطع مثل الشمس من وراء حجاب».

Vertigo -5.. ومعانقة الأخضر والأحمر

فيلم Vertigo  هو واحد من أهم أفلام المخرج الشهير ألفريد هيتشكوك، والذي تميزت أفلامه بالطبيعة المخيفة والمثيرة، وتدور أحداث هذا الفيلم عن محقق خاص يقع في غرام امرأة يتضح فيما بعد أنها من المشتبه فيهم.

في هذا الفيلم اختار المخرج اللون الأحمر للبطل الذي يخاف من المرتفعات، فترى الأحمر يسيطر على أثاث منزله، وملابسه وباب منزله، بينما اختار اللون الأخضر للبطلة فكانت ترتدي فستان أخضر تقود سيارة خضراء، حتى أنه أضفى إضاءة خضراء على البحر حين حاولت البطلة أن تغرق نفسها، ويقبل البطل ينقذها وتبدأ قصة الحب بينهما.

بعد بضعة مشاهد عندما تتمكّن مشاعر الحب من قلب البطل، نرى الأحمر الذي يحيط به يتحوّل ببطءٍ إلى اللون الأخضر، ليخبر المشاهد دون كلمات، أن المرأة قد طمست شخصية البطل وفرضت كيانها الشخصي عليه، وخلال باقي أحداث الفيلم، تقوم الألوان بدور رئيس في التعبير عن مشاهر أبطال الفيلم بشكل لا يقل جودة عن الحوار والتمثيل.

The Red Desert -6..  الأصفر وسموم الروح والجسد

تدور أحداث فيلم Red Desert حول ربة أسرة، تعيش في مدينة صناعية، ويدير زوجها أحد تلك المصانع، ولكنها تشعر بالخواء يتخلّل إلى روحها، ويدفعها الفراغ إلى أحضان أحد زملاء زوجها في المصنع، وتقيم معه علاقة دون معرفة الزوج، وهو الفيلم الملون الأول للمخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنتونيوني.

بالنسبة لمخرج يستخدم الألوان للمرة الأولى، لم ينجرف مايكل وراء رغباته، وكان حذر وموضوعي في الترميز اللوني للفيلم، واستخدم الألوان القاتمة والباهتة للحياة اليومية للبطلة التي تعاني من جفاء في علاقتها العاطفية بزوجها، بينما تظهر الألوان مبهجة ورائعة حين تقص الأم قصة خيالية لابنها، ولكن عندما كانت تسير معه في أحد الشوارع فسألها الابن وهو يشير إلى مدخنة أحد المصانع، لماذا لون الدخان يكون أصفر، فجاوبته «لأنه سام»، فيسألها مجددًا، هل يموت العصفور إذا طار من خلال هذا الدخان الأصفر، فتجاوبه «اطمئن.. فالعصفور تعلم ألا يطير هنا»، وتجتمع الصورة  الصفراء مع الحوار في هذا المشهد وتصنع لوحة حزينة لقصة حياة امرأة تعيش في أجواء سامة للروح والجسد.

7- ثلاثية الألوان لكيسلوفسكي .. دراما العلم الفرنسي

اختار صانع الأفلام كريستوف كيسلوفسكي ألوان العلم الفرنسي لتعبر عن ثلاثية أفلام يقوم بكتابتها وإخراجها، في الأفلام الثلاثة: أزرق وأحمر وأبيض، كان كل لون يعبر عن رمز واحد واسع وعميق المعنى، ويسقطه بعد ذلك على أحداث الفيلم بخصوصية من خلال متابعة لمعاناة بطلة الفيلم وما تحاول محاربته في نفسها ومن حولها.

فيلم أزرق كان يرمز إلى الحرية وكانت تدور أحداثه حول سيدة تمر بصدمة نفسية إثر وفاة اسرتها في حادث سيارة وتحاول التحرر من أحزان الماضي، وفيلم أحمر يرمز للأخوة أو الصداقة ويحكي قصة صداقة غير متوقعة بين فتاة شابة تعمل عارضة بالإعلانات التجارية ورجل عجوز لا يخرج من منزله، حين تجمعهم هواية غريبة لهذا الرجل العجوز، وفيلم أبيض يرمز إلى المساواة، ويحكي عن قصة مهاجر بولندي في فرنسا يعمل مصففًا للشعر، يبحث عن وسيلة للنجاح والمال، حتى يعود إلى طليقته في بولندا والتي رفضته بسبب عجزه الجنسي، ويخوض العديد من المغامرات القاسية والمضحكة من أجل شق طريقه في فرنسا بمهنته المتواضعة.

في ثلاثية الألوان، لم يعتمد المخرج على الترميز اللوني في العنوان فقط، بل كان كل مشهد، بل كل كادر، يطغي عليه لون الفيلم، وعبر من خلاله عن الحالات النفسية والروحانية التي يمر بها أبطال الفيلم في كل لون، أو كل فيلم.

The Masque of The Red Death -8..  موت «إدجار آلان بو» الأحمر

فيلم The Masque of The Red Death مأخوذ عن قصة للكاتب إدجار آلا بو، والذي اشتهرت كتاباته بالسوداوية والمأساة، وتدور تلك القصة عن مرض اسمه الموت الأحمر ينتشر في بلدة ويقتل نصف أهلها، وأمير تلك البلدة لا يعير اهتمامًا للفقراء المرضى، ولا يهتم سوى بحماية الأمراء والأغنياء أصدقائه، في قلعته حيث الأمان خلف الأسوار، ويقيم حفل يدوم لليال عدة حتى يقتل المرض في الخارج ما تبقى من الفقراء، وفي تلك الحفل يرتدي الضيوف ملابس تنكرية من وحي الأمير المضيف، والمتمثلة في ألوان سبعة ليس من بينها الأحمر، ويستمر الحفل حتى يظهر شخص مخيف يشبه الأموات ويرتدي حُلة حمراء اللون ويبدأ في إثارة رعب المدعويين.

وظف صناع الفيلم اللون الأحمر توظيفًا جيدًا، ربما يكون دمويًا وغير فني، ولكنه بالتأكيد كان فعالًا وذا دور رئيس في الأحداث خاصة في نهاية الفيلم حين أتى اللون الأحمر ليحصد باقي الألوان وينشر الرعب في قلوب المدعوين في قصر الأمير.

The Passion of Anna -9.. شبح ألوان وعزلة نفسية

الفيلم السويدي The Passion of Anna تدور أحداثه حول البطل الذي يعاني عزلة نفسية تسبب فيها انهيار علاقته بزوجته، بينما يقابل آنا والتي تعاني من صدمة نفسية بعد وفاة زوجها وابنها، وتبدأ بينهما علاقة عاطفية، ولكن تلك العلاقة لا تنجح في تضميد جراح البطل فيزداد عزلة.

استخدام مخرج الفيلم إنغمار بيرغمان للألوان في هذا الفيلم كان له دور رئيس في أحداث الفيلم، حين أختار أن تكون الألوان شاحبة وباهته وكأنها أشباح ألوان، وهذا منح الفيلم طابع عام من العزلة وانعدام الهوية الذاتية للأبطال واضطرابهم النفسي.

Floating Weeds -10.. الجانب الباهت لألوان الممثل المبهجة

تدور أحداث فيلم Floating Weeds  حول ممثل يملك مسرح متنقل، ويعود بهذا المسرح إلى بلدته القديمة، بعد  أن تقدم في العمر، حتى يتواصل مع ابنه الذي تركه صغيرًا، ولم يره طوال تلك المدة، إلى جهل الطفل الذي أصبح شاب، بأن له والد لا يزال على قيد الحياة، وبعد أن يتواصل مع ابنه وتبدأ علاقتهم في التحسن، تتدخل حبيبة الرجل العجوز بسبب غيرتها من علاقته بابنه.

البلدة التي عاد لها الممثل العجوز، بلده كئيبة وحزينة، وهذا تلاحظه دون أن يشرحه أحد بسبب الألوان الباهتة الحزينة التي وزعها المخرج على البلدة وسكانها بسخاء، ومع أن المسرح المتحرك الذي يملكه الممثل مليء بالألوان المبهجة، إلا أن القرية الباهتة الألوان تصارع بهجة المسرح بقوة، لتشعر أن أحداث الفيلم هي مباراة ما بين الجانب الباهت والمظلم للألوان، كما هو الصراع الداخلي للعديد من أبطال الفيلم بين الحزن والرغبة في الوصول للسعادة