12,561

وحدهم مُدمنو السينما يُدركون أن للأفلام تُأثيرًا قويًا عليهم، لا يتوقف فقط على إشعارهم بالمُتعة أو أن وقتهم ونقودهم لم تضع هباءً، لكنه يمتد لأقصى من ذلك؛ بدايةً من مَنحهم القُدرة على التماهي مع ما يُشاهدون من فَرط صدق الأداء، ووصولًا لفتح أبواب العقل على مصراعيها حين يطرح صُناع العمل أفكارًا خارج الصندوق تمامًا مُستخدمين حَبكة مُحكَمة تَستَدعي من المُتَفَرّج أن يقوم بالتفكير والبحث، ما يَنتُج عنه بالتَبَعية رؤية الأشياء بأعين جديدة.

في هذا التقرير، سنستعرض مجموعة من الأفلام التي قد تُزيد من مُعَدَّل ذكاء المُشاهد؛ ذلك لأنها تُساعده على توسيع مداركه، واستيعاب الأمور على نحوٍ مُختلف وغير مُتَوَقَّع، جدير بالذكر أن معيار زيادة الذكاء المقصود هنا ليس مبنيًا على أُسس علمية مُوَثَقّة بالضرورة، بقدر ما هو مُعتمد على إجبار العقل على التفكير بشكل غير تقليدي.

1- Good Will Hunting.. العنف قد يكون له سببٌ آخر

فيلم دراما أمريكي إنتاج 1997 من إخراج «غس فان سانت» (Gus Van Sant) وبطولة مات ديمون (Matt Damon)، بن أفليك (Ben Affleck) وروبين ويليامز (Robin Williams)، أما قصة الفيلم فقد كتبها كل من «مات ديمون» و«بن أفليك»، بجانب مساهمتهما وراء الكواليس في الإخراج كي يخرج العمل على أكمل صورة.

الفيلم يحتل المرتبة الـ103 بقائمة الـIMDb، وحاز وقت صدوره على استحسان النقاد بالإضافة للنجاح الجماهيري الكبير، ليفوز العمل بجائزتي أوسكار ويُحقق إيرادات تَخَطت الـ225 مليون دولار رغم أن ميزانيته لم تتجاوز 10 ملايين. قصة الفيلم تدور في بوسطن، بولاية ماساتشوستس وتحكي عن «ويل»؛ شاب مشاكس، مضطرب نفسيًا وذو سلوك عنيف بسبب طفولة عصيبة مر بها، ويُعاني من أجل البحث عن هويّة تُميزه، ورغم كونه يتسم بالعبقرية في المجالات العلميّة والرياضيات بالخصوص، إلا أنه يعمل حارسًا بمعهد للتقنية.

وبسبب كل ما مَر به البطل في حياته، نشاهد كيف يُعاني من مشكلات مع نفسه ومع الآخرين، ما يجعله يلجأ لاستخدام العنف أحيانًا، وبسبب حادث ما يُلقى خلف القضبان، حينها يُقرر بروفيسور «جيرالد» الذي يؤمن بعبقرية «ويل» مَد يَد المساعدة له، فيعرض عليه مساعدته على الخروج من السجن بشرط أن يقوم بالمتابعة مع طبيب نفسي للعلاج، ورغم عدم اقتناع «ويل» بحاجته لذلك، لكنه يوافق فقط من أجل حريته، هنا يتقاطع طريقه مع طريق الطبيب النفسي «شين ماغوير»، وتتوالى الأحداث.

اتسم هذا العمل بقدرته على التنوير، ذلك بسبب النقاشات الفلسفية العميقة والهامة، بجانب الأحاديث الإنسانية بين بطل الفيلم وطبيبه النفسي، ليُركز العمل على أهمية المشاعر والعلاقات الاجتماعية بحياتنا نحن الأفراد، فاتحًا أمام البطل والمُشاهدين سُبلًا للتعبير عن الذات والتواصل: سواء مع أنفسنا أو مع الآخر، ما يُساعد على تنمية الذكاء الاجتماعي. هذا بالإضافة لتسليط العمل الضوء على أهمية التعليم، وكَون العبقرية الفردية يُمكن أن تقبع داخل أي شخص منا حتى ولو لم يكن هذا الشخص حاز على ما يؤهله إلى الوصول لتلك المرتبة والقدرة على التَفَرُّد.

2- Pi.. الكومبيوتر والأسئلة الوجودية

فيلم أمريكي من إنتاج سنة 1998، ينتمي لأفلام الرعب النفسي، وهو أول فيلم روائي طويل من تأليف وإخراج المخرج المثير للجدل «دارين آرنوفسكي»، وقد لجأ المخرج لتقديم العمل بالأبيض والأسود، لإضفاء المزيد من السوداوية على روح الفيلم.

تدور الأحداث حول «ماكس»، عالم رياضيات يهودي يتسم بالعبقرية حد الهستيريا، ويُمكن وصفه بالشخص المضطرب غريب الأطوار، والذي يميل للعزلة عن المجتمع، فالعالم بالنسبة له محض أرقام. يُعاني «ماكس» من الهلاوس، وجنون العظمة، والأرق، وأعراض نفس-جسمانية أخرى، فيستثمر البطل طاقته وجنونه في اختراع كمبيوتر عملاق بمنزله يُمكنه من فك العديد من الألغاز الرياضية شديدة التعقيد.

ثم يُحاول بواسطة هذا الجهاز العثور على إجابات عن أسئلة كونية وجودية تشغله، بالإضافة لأسئلة أخرى بعضها اقتصادي متعلق بسوق الأوراق المالية، والآخر متعلق بالدين، ليأخذنا الفيلم في رحلة يُحاول من خلالها البطل الوصول إلى إجابات. الفيلم يستعرض العديد من النظريات الرياضية المهمة مُحاولًا توضيح الخط الواصل بين الكون والرياضيات، بجانب حرص صنّاعه على تغطية مواضيع أخرى مرتبطة بالدين وعالم التَصَوُّف.

3- Memento.. مشكلة الذاكرة والحبّ!

فيلم أمريكي من إنتاج سنة 2000، يُصنّف عملًا تشويقيًا ينتمي لفئة الإثارة النفسية، وهو من تأليف وإخراج «كريستوفر نولان» (Christopher Nolan)، أما البطولة فقام بها «جاي بيرس» (Guy Pearce). وقد تَرَشَّح الفيلم لعدة جوائز أشهرهم جائزتا أوسكار لأفضل نص أصلي، وأفضل مونتاج، هذا بالإضافة لكونه يحتل المرتبة الـ49 في قائمة الـIMDb.

ويدور الفيلم حول محقق سابق بإحدى شركات التأمين يتم اغتصاب زوجته وقتلها، ما يجعله يُقرر البحث عن القاتل للانتقام منه، المُشكلة تكمن في أن البطل كان قد أُصيب بضربة على الرأس من قبل المجرمين، ممّا أدى إلى إصابته بفقدان الذاكرة قريبة المدى، وبالتالي أصبح عاجزًا عن تكوين أي ذكريات جديدة، لتصبح عملية البحث عن القاتل شبه مُستحيلة مع نسيانه المُستمر لما وصل إليه في طريقه. هنا يلجأ البطل لحل غير تقليدي، إذ يُقرر وَشم الملاحظات ومفاتيح المعلومات على جسده كل لا ينساها أبدًا وينجح في تذكرها كُلما نظر إلى نفسه في المرآة.

نجح الفيلم في الجمع بين النجاح الفني والجماهيري، خاصةً مع قصته المُختلفة وحبكته المُعقدة والمُتقنة في آنٍ واحد، ويستحق هذا الفيلم الانضمام لهذه القائمة بسبب التسلسل الدرامي غير المُرَتَّب في أحداثه، إذ يبدأ الفيلم من النهاية بينما البطل يُمسك بصورة لجثة هامدة على الأرض ثم سرعان ما تعود بنا الكاميرا للخلف ما قبل جريمة القتل، لننتقل بعدها بين الفلاش باك والحاضر بطريقة تحتاج الكثير جدًا من التركيز، والاهتمام بكل التفاصيل مهما بدت غير مُهمة.

ليتناول العمل أهم تقنيات الذاكرة، والطُرق المُختلفة التي يُمكن أن يستخدمها المرء لتحسين ذاكرته وتنشيطها، وكيفية رسم الخرائط الذهنية من خلال دمج الخيوط والقضايا مع بعضها البعض بشكل قد يبدو مُعقدًا من الخارج، لكنه مفهوم لصاحبه ويُساعده على الوصول إلى نتائج واستنتاجات بالنهاية.

4- A Beautiful Mind.. عبقرية الحبّ والانطواء

فيلم دارما أمريكي من إنتاج سنة 2001، مبني على أحداث حقيقية، ذلك لأنه مُقتبس عن السيرة الذاتية للعالم «جون فوربس ناش». الفيلم من بطولة «راسل كرو» (Russel Crow) وجينيفر كونيلي (Jennifer Connelly)، وهو يحتل المرتبة الـ147 بقائمة الـIMDb. بجانب تحقيقه نجاحًا فنيًا كبيرًا؛ تُوَّج بالفوز بأربع جوائز أوسكار من أصل ثمانية ترشيحات، أما على مستوى شباك التذاكر، فقد حقق إيرادات وصلت أكثر من 313 مليون دولار.

تدور أحداث الفيلم حول «جون ناش»؛ الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، والمُصاب بالفصام «سكيتزوفرينيا»، لنشهد على مدار الفيلم رحلة كفاحه وكيف وصل إلى تلك المكانة العلميّة المرموقة رغم المرض، فرغم عبقريته الفريدة، إلا أن طريقه لم يكُن هينًا أو بلا عوائق، ذلك لأن إصابته بالفصام كان لها أثرها الواضح على مشواره.

إذ تسبب هذا المرض في جَعل البطل غير قادر على تمييز الواقع من الخيال، بسبب الهلاوس السمعية والبصرية التي كان يُعاني منها، والتي وصلت حَد اعتقاده أنه تم تجنيده من المخابرات الأمريكية، وهو ما ترك آثاره السلبية على حياة البطل العائلية وهددها بشدة.

وقد تميز هذا العمل بقُدرته على الجمع بين المعادلات الرياضية الصعبة والتشويق والخط الإنساني في آنٍ واحد، بجانب التصاعد الدرامي الموَفَّق من صناع العمل والذي حافظ على مستوى الإثارة في أعلى حالاته طوال الوقت. أما عن سر اختيار الفيلم للانضمام لهذه القائمة: ذلك بسبب النظرية الاقتصادية المطروحة بداخله والتي عاش «جون فوربس» من أجل إثباتها، وهي النظرية التي يلجأ إليها الكثير من الاقتصاديين بالفعل فيما يتعلَّق بمعرفة كيفية تحديد الشركات المتنافسة لأسعارها، وكيف ينبغي للحكومات أن تصمم مزادات للضغط أكثر على مقدمي العطاءات، بالإضافة لمعلومات أخرى بالطبع، وهو ما قد يحتاج لمعرفته أولئك الذين لديهم الرغبة في العمل بمجال الاقتصاد.

5- Waking Life.. ما هو الواقع؟ ما هو الخيال؟

فيلم أمريكي من إنتاج سنة 2001، من أفلام الرسوم المُتحركة التي تصلُح للكبار والصغار على حَدٍ سواء، فالفيلم ينتمي لأعمال الـفانتازيا ذات الصبغة الفلسفية كعادة أفلام «ريتشارد لانكليتر» (Richard Linklater) مؤلف الفيلم ومُخرجه. العمل من بطولة «إيثان هوك» (Ethan Hawke) وجولي ديبلي (Julie Deply)، اللذين قدما مع نفس المخرج ثلاثية من أشهر أفلامه (Before SunriseBefore SunsetBefore Midnight)

أحداث الفيلم تدور حول رجل يجد نفسه مُحاصرًا داخل مجموعة من الأحلام، فيصبح غير قادر على إدراك الخط الفاصل بين الواقع والخيال، ليبدأ في التساؤل والشك بكل شيء. يتبَع ذلك التحاور مع مُختلف الشخصيات التي يُقابلها عن الفارق بين العالمين، وعن ماهية الحياة وجدواها، وبينما يُجيبه البعض بإجابات سطحية؛ يقوم آخرون بمنحه إجابات فلسفية عميقة.

ليُناقش الفيلم قضايا عديدة وجودية، طارحًا أسئلة حولها تُجبر كلًا من الأبطال والمُشاهدين على التَفَكُّر بها، لكن دون إجابات مُباشرة وقاطعة، ليصبح على المُشاهد تَتَبُّع الخيط والوصول للإجابات وَحده، من خلال البحث والكثير من التَأمل، وقد يمتد الأمر أكثر لقراءات في عالم الأحلام والنفس البشرية وفلسفات الشك.

6- Primer.. والسفر عبر الزمن

فيلم خيال علمي أمريكي من إنتاج سنة 2004، يصنّفه البعض أفضلَ فيلم بتاريخ السينما تناولًا لموضوع «السفر في الزمن»، ذلك لأنه الأكثر تعقيدًا على الإطلاق حَد حاجته للمشاهدة أكثر من مرة لفهمه ومعرفة الأساس الذي بُني عليه، ما يجعله مرجعية لمُحبي هذه النوعية من الأفلام فيُقارنون بينه وبين أي عمل جديد بنفس الفئة يُطرح بالسينمات، لمعرفة أيهما أقوى.

العمل من كتابة وإخراج وبطولة «شين كيروث» (Shane Carruthتكلفته الإنتاجية لم تتجاوز 7 آلاف دولار – وهو رقم ضئيل جدًا – مقارنة بميزانيّة الأفلام الهوليووديّة – المخرج لم يلجأ لاستخدام أي مؤثرات خاصة، أو تقنيات متطورة باهظة التكلفة، وهو ما نتج عنه فيلم في صورة أقرب ما تكون للأفلام الواقعية أو التسجيلية.

تدور أحداث الفيلم حول أربعة مهندسين شباب يُحبون قضاء وقت الفراغ في اختراع آلة من شأنها أن تقوم بتغيير كتل الأجسام، ما لم يحسبوا حسابه كان أن يكتشفوا قُدرة أخرى لهذه الآلة تُمكنهم من السفر بالزمن لمدة ست ساعات في المرة الواحدة.

وما أن يكتشفوا ذلك حتى يسعوا لتطوير الآلة بحيث تناسبهم باعتبارهم أفرادًا للسفر عبر الزمن، واستغلال ذلك في تحقيق مصالحهم الشخصية، وجَني المكاسب المادية من خلال المراهنات بسوق الأسهم. لكن لكل فعل رد فعل، ما جعل من الحتمي أن يكون لتلك الرحلات خطورتها وأثرها السلبي على حياة أبطالها.

ومع أن البعض قد يرون الفيلم مُعقدًا، حيث جاء مليئًا بالمصطلحات الفيزيائية غير المفهومة سوى للعاملين بهذا المجال، لكنه مناسب جدًا لمحبي العلوم؛ خاصةً وأنه يناقش الفيزياء المعقدة والنظريات العلمية، ويأتي على رأسها «تأثير ميسنر» و«مخططات فاينمان»، هذا بجانب كونه يحاول كشف الآثار الفلسفية المُترتبة على فكرة السفر بالزمن.

7- Inception.. الذاكرة والحب والزمن!

فيلم خيال علميّ أمريكي، من إنتاج سنة 2010، تأليف وإخراج وإنتاج «كريستوفر نولان» (Christopher Nolan)، وبطولة «ليوناردو دي كابريو» (Leonardo DiCaprio)، جوزيف غوردون-ليفيت (Joseph Gordon-Levitt)، إلين بايج (Ellen Page) وماريون كوتيار (Marion Cotillard). وقد حقق الفيلم نجاحًا قياسيًّا عند عرضه، حتى إن إيراداته فاقت 823 مليون دولار من أصل ميزانية 160 مليون، أما على المستوى الفني فترشَّح الفيلم لثماني جوائز أوسكار فاز منهم بأربع، كذلك احتل المرتبة الرابعة عشرة بقائمة الـIMDb.

وهو فيلم فانتازي آخر مَعني بعالم الأحلام ودواخل العقل الباطن والنَفس البشرية، تدور أحداثه حول «كوب» الذي يعتمد عمله – جاسوسًا بإحدى الشركات – على الدخول إلى العقل الباطن للآخرين أثناء حلمهم، من أجل الحصول على المعلومات السرية من جهة، ومن أخرى قد يَتَطَّلب الأمر زرع بعض الأفكار بعقل الشخص، فيستيقظ ليظنها بعد ذلك فكرته وحده ويبدأ بالتَصَرُّف على أساسها وتنفيذها.

فكرة الفيلم مُختلفة وفريدة عن باقي أفلام الخيال العلميّ جُملةً وتفصيلًا، تُنَمِّي لدى المُتفرج القُدرة على قراءة الآخر والتأثير عليه، والأهم أنها تفتح له مداركه من خلال إشراكه داخل الأحداث، خاصةً مع عدم التوضيح الكافي للفارق بين الواقع والأحلام، وهو ما أدى إلى كَون نهاية الفيلم مُتعددة القراءات، كل ترجمها وفقًا لقناعته الخاصة وكيف استوعب عقله كل تلك الأفكار الخارجة عن المألوف والكامنة بداخله بالوقت نفسه.

8- Limitless.. الكتابة!

فيلم أمريكي من إنتاج 2011، إخراج «نيل بيرجر» (Neil Burger)، وبطولة برادلي كوبر (Bradley Cooper)، روبرت دينيرو (Robert De Niro) وآبي كورنيش (Abbie Cornish)، العمل ينتمي لفئة أفلام الرعب والإثارة من خلال فكرة في أساسها تعتمد على الخيال العلمي، إذ يتسم العمل بالغموض وحداثة فكرته الجذابة والطازجة تمامًا، وهو ما جعله يُحقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، فتتخطى إيراداته 161 مليون دولار، ويتم استثمار نجاحه فيما بعد وتحويله إلى مسلسل تلفزيوني عام 2015.

أحداث الفيلم تدور حول «إيدي»، كاتب عاطل عن العمل بسبب عدم قدرته على إنهاء روايته أو كتابة أي جديد، بالصدفة يخضع «إيدي» لأحد الأدوية التجريبية؛ فإذا به يتناول عقارًا يجعله قادرًا على استخدام 100% من قدراته الدماغية، ما يُحسّن حياته بشكل كبير، فيُمَكِنه من إنهاء روايته والتقدم بعمله وحَصد العديد من الجوائز.

الأمر لا ينتهي هنا، بل يستغل البطل قدراته الجديدة في الاستثمار والمُضاربة بالبورصة، ليتحول إلى مليونير بين عشية وضحاها، فيُلفت الانتباه له بالطبع، وتتبدَّل الأحوال نحو الأسوأ مع الوقت حين يكتشف البطل أن العقار له بعض الآثار الجانبية المُرعبة، بجانب اكتشاف شخص آخر للسر ما يجعله يقوم بمطاردة البطل عساه يحصل على هذا الدواء المُسبب للعبقرية حتى ولو كلفه الأمر التخلّص من حياة الطرف الآخر.

وبالرغم من أن هذا العقار غير حقيقي ومن مَحض خيال المؤلف؛ إلا أن الفيلم جاء معنيًا بكيف يُمكن للاوعي التأثير والسيطرة على الذاكرة، من خلال عمل خرائط ذهنية وربط حسي-شرطي بين الكلمات والأشياء، وهو ما يؤدي إلى توثيق الذاكرة بشكل أقوى، وسرعة الإدراك بالأشياء وبالتالي الربط بين الأحداث وسهولة التوصل إلى الاستنتاجات.

9- The Imitation Game.. الحرب العالمية تلقي بظلالها على العبقرية

فيلم بريطاني-أمريكي تاريخي من إنتاج سنة 2014، يحكي سيرة ذاتية بشكل مُثير ومشوق، إذ يتناول العمل «آلان تورنغ» العبقري فيما يخص الرياضيات ومحلل الشفرات وعالِم الحاسوب، والذي استعانت المخابرات الإنجليزية به من أجل القيام بفك شفرة «الإنجما» الألمانية النازية أثناء الحرب العالمية الثانية، ليُحقق ذلك بالفعل باختراعه لأول حاسب آلي بالتاريخ، فيفُك الشفرة ويُساهم في انتصار الحلفاء بالحرب العالمية الثانية، وتقليص مدة الحرب لسنتين بل وإنقاذ حياة 14 مليون شخص، قبل أن تحاكمه بريطانيا فيما بعد بسبب مثليته الجنسية.

الفيلم من إخراج «مورتين تيلدوم» (Morten Tyldum)، سيناريو «غراهام مور» (Graham Moore)، وبطولة كل من «بينيديكت كامبرباتش» (Benedict Cumberbatch) و«كيرا نايتلي» (Keira Knightley)، جدير بالذكر أن العمل مُقتبس عن كتاب السيرة الذاتية الخاصة بـ«آلان تورنغ» (Alan Mathison Turing) والتي دونها «أندرو هودجز» (Andrew Hodges). وقد فاز الفيلم بجائزة أوسكار واحدة من أصل ثمانية ترشيحات، وبجانب نجاحه الفني نجح جماهيريًا مُحققًا إيرادات تجاوزت 233 مليون دولار.

ويعَد فيلم The Imitation Game من الأفلام الهامة بتاريخ السينما والتي تستحق المشاهدة من ناحية فنية وفلسفية، إذ عرض العمل الكثير من المشكلات الحيوية من خلال سرد درامي متميز، وحوارات تحفر مكانها في الذاكرة، أما مكانة الفيلم الكبرى؛ فتأتي لهؤلاء المُتخصصين بالتكنولوجيا، أو الذين يطمحون بترك بصمة بهذا المجال.

ذلك لأن الفيلم سيساعدهم بشكل كبير في تحدي أنفسهم وتطوير مهاراتهم الخاصة، إذ يوضح العمل كيف يمكن استغلال الذكاء الصناعي في حل المشكلات بشكل تقني مبني على المعرفة، مؤكدًا على قوة الرياضيات في فك النزاعات شارحًا ذلك باستفاضة وبشكل مُبَسط دون تعقيد.

10- Inside Out.. ما الذي يدور برأس طفلة وحيدة؟!

فيلم رسوم متحركة أمريكي ثُلاثي الأبعاد من إنتاج استوديوهات بيكسار التي عودتنا دومًا على أفكارها المُبدعة والمشوّقة لكل الأعمار، فتوسِّع مدارك كل من يُشاهدها فاتحةً له نافذة على عالم يبدأ دومًا بتساؤل: ماذا لو؟!

الفيلم أنتج سنة 2015، ويحتل المرتبة 137 بقائمة الــIMDb، فاز العمل بـ95 جائزة أهمها جائزة أوسكار، وهو من تأليف وأفكار «بيت دوكتر» بالمشاركة مع «روني ديل كارمن»، وبطولة «آيمي بوهلر» (Amy Poehler) و«فيليس سميث» (Phyllis Smith) و«بيل هادير» (Bill Hader) و«لويس بلاك» (Lewis Black) و«مندي كايلينج» (Mindy Kaling)، وقد جاءت الفكرة بعقل «بيت دوكتر» بعد مُعايشته لابنته في فترة المُراهقة ومُشاهدته لمعاناتها.

تدور أحداث الفيلم داخل رأس الطفلة «ريلي أندرسون» التي تعيش طفولة سعيدة في مدينتها بين عائلتها وأصدقائها، لكن حياتها تتغيَّر تمامًا حين يضطر أهلها للانتقال لبلدة جديدة لا تعرف فيها أحدًا وسط انشغال والديها بتأسيس حياتهما ما يجعلها تشعر بالوحدة لتبدأ المشاعر السلبية في السيطرة على رأسها.

داخل رأس الطفلة هناك خمسة مشاعر تتحكم بمقاليد الأمور هم: الفرح، والحزن، والغضب، والاشمئزاز، والخوف، لكن الأحداث التي تَجِدّْ في حياتها تجعل الفرح والحُزن يخرجان عن السيطرة، وفي حين تظن مشاعر الفرح أن عليها هي الهيمنة على كل شيء لإعادة السعادة لحياة رايلي؛ فتحاول إقصاء الحزن بعيدًا ذلك الحُزن الذي بلمسة واحدة يستطيع تحويل أي ذكرى إلى مأساة، نشهد باقي المشاعر تعجز عن موازنة الأمور في عقل البطلة، وتتوالى الأحداث.

حسنًا؛ هذا الفيلم بمنتهى الوضوح يعمل على زيادة الوعي بالذكاء العاطفي داخلنا، فيُمكننا من القُدرة على تصنيف مشاعرنا والتعامل مع كل منها على حدة، فنحن لسنا سوى قطع صغيرة من مشاعر عديدة تُشكلنا وتفرض سيطرتها علينا وفقًا للموقف الذي نمر به.

والأهم أنه يجعلنا نُقدِّر أهمية ودور تلك المشاعر – حتى السلبي منها – المؤثر بحياتنا، فجزء مما نتعلمه أثناء رحلة البطلة أن الشعور بالحُزن مثلًا؛ ليس على هذا القَدر من السوء، بل ويُمكن تصنيفه شعورًا صحيًا وحيويًا من وقت لآخر: ذلك لأنه يعكس في الأساس جزءًا منا علينا مواجهته وعلاجه، لا ادعاء عدم وجوده أو أحقيته في أن يحتل مساحة منا.

يُعلمنا الفيلم أيضًا كيف تؤثر التغيرات الحياتية التي نمر بها على مشاعرنا وعقلنا، وكيف نستطيع قراءة المواقف والظروف دون أن نُحملها أكثر من حجمها أو نستهين بها، لنُحسن التعامل معها بحكمة وذكاء، عسانا نُدرك أن السعادة بالنهاية في الرحلة نفسها، والذكريات التي نكونها على مدار الطريق الذي نسلكه، وليست بالضرورة في النتيجة النهائية.