يحكي اللواء محمد نجيب في مذكراته «كنت رئيسًا لمصر» تفاصيل أهم اجتماع عقده مع الأحزاب السودانية في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1952، بعد ثلاثة أشهر فقط من حركة الضباط الأحرار التي خلعت التاج الملكي عن مصر والسودان، ويقول: «كان علينا أن نجمع السودانيين بمختلف أحزابهم على موقفٍ واحد يتعاونون فيه مصر ضد بريطانيا، بما في ذلك الأحزاب التي تدعو إلى الاستقلال (انفصال السودان عن مصر)، وبعد مشاورات وافقت الأحزاب السودانية على تأسيس حزب واحد يجمع كافة التيارات السودانية التي تميل للاتحاد مع مصر، ليتشكل بعدها الحزب الوطني الاتحادي».

في الحقيقية إننا لم نفعل الكثير ليظل السودان متحدًا مع مصر، وكان أعضاء مجلس قيادة الثورة يضعون القضية في ذيل اهتماماتهم * الرئيس المصري محمد نجيب.

وبينما توصلت بريطانيا في تلك الأثناء مع مصر إلى توقيع اتفاقية تقرير المصير للسودان عام 1953، كانت القاهرة تحصد ثمار سياستها في الجنوب، فالحزب الاتحادي الذي تشكّل في منزل محمد نجيب اكتسح خلال الانتخابات مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، واستحوذ الحزب على كافة الحقائب الوزارية، وتشكلت الحكومة برئاسة إسماعيل الأزهري– عاشق الوحدة مع مصر – لكنّ المفارقة التاريخية أنّ حليف مصر الذي دخل في معركة شرسة ضد الاستقلاليين من «حزب الأمة» والشيوعيين، أعلن هو بنفسه في 19 ديسمبر (كانون الأول) عام 1955 انفصال السودان بدون استفتاء شعبي، وهي الصدمة التي ما تزال حاضرة في أرشيف السياسة المصرية.

هذا التقرير يبتعد عن التحيزات المُسبقة، ويوضح لك 10 أسباب أدت إلى انفصال السودان عن مصر.

1- التحريض البريطاني على انفصال السودان عن مصر

تقول الرواية المصرية: إن العلاقات بدأت مع السودان عام 1899؛ فبعد نحو 17 عامًا من احتلال بريطانيا لمصر، وقّعت الحكومة المصرية مع المعتمد البريطاني اللورد كرومر اتفاقية سرية لإدارة ثنائية للسودان، وترسيم الحدود بين البلدين، وبرز مصطلح «الاحتلال المشترك»، لتبدأ بعدها سلسلة الاغتيالات التي بدأت باغتيال رئيس الوزراء المصري بطرس غالي الذي وقّع الاتفاقية، ثم تعرض الحاكم الإنجليزي في السودان، السير لي ستاك، للموت بالطريقة نفسها عام 1924، لتقرر بريطانيا إجلاء وحدات الجيش المصري بالقوة من السودان، ليستقيل سعد زغلول رئيس الحكومة الوفدية.

يكشف سعد زغلول في مذكراته جانبًا خفيًا من القصة، إذ يقول: «قبل اغتيال السير لي ستاك بعدة أشهر كنت في بريطانيا لعرض الطلبات المصرية ومنها جلاء الإنجليز عن مصر والسودان»، ويضيف: «طالبتُ أن يكون السودان جزءً من التاج المصري، وأن يحمل ملك مصر لقب ملك مصر والسودان، لكنّ الرد جاءه بأن بريطانيا لا يمكن بأي حال أن تترك السودان لمصر؛ لأنها تعتبر ذلك خسارة عُظمى».

وحين انتزعت مصر اعترافًا باستقلالها في معاهدة 1936، أصرّت على عودة القوات المصرية إلى السودان، مع التسليم بسيادة مصر عليها، يسرد محمد نجيب تفاصيل تلك الفترة في كتابه: «ذكر لي إسماعيل صدقي – رئيس الوزراء آنذاك – اندهاش بريطانيا باهتمامنا البالغ بالسودان، فرددتُ عليه بأن عدم اهتمامنا هو الذي يدعو إلى الدهشة»، يضيف نجيب: «بعد أن وقّع الطرفان المعاهدة، استكثرت بريطانيا على مصر الاحتفاظ حتى بالسيادة الرمزية على السودان، وطلبتْ بعدها بأيام منح السودانيين الحق في المطالبة بالاستقلال التام وحق انفصال السودان عن مصر»، لتتقدم الحكومة المصرية بعدها بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن تطالب فيها بجلاء بريطانيا عن مصر والسودان والتي جاء فيها: «البريطانيون أشاعوا في السودان رغبة الانفصال، وحاولوا خلق جنسية سودانية مستقلة»، وهو الاتهام الذي ظل يلاحق بريطانيا حتى بعد سقوط الملكية المصرية.

حين حكم «المهدي المُنتظر» السودان وجنّد أهلها لتحقيق نبوءته!

2- عدم تفاوض مصر مباشرة مع السودان

نرجو الخلاصَ بغاشمٍ من غاشم ** لا ينقذ النخّاس من نخّاسِ
* بيت شعر لإيليا أبو ماضي، أرسله عبد الرحمن المهدي لحسنين هيكل.

أحد أبرز المعارضين للوحدة مع مصر آنذاك، كان رئيس «حزب الأمة» عبد الرحمن المهدي، الذي هاجم النظام المصري ووصفه بأنه يدّعي ملكية بلدٍ لا يعرف عنها شيئًا، ويحكي الصُحافي المصري محمد حسنين هيكل تفاصيل اللقاء الذي جمعه بالمهدي قائلًا: «السيد عبد الرحمن المهدي كان عنده حجج واضحة أولها أن مصر لا تعرف السودان، وأنّ كل الساسة المصريين الذين تفاوضوا في الشأن السوداني لم يذهبوا للسودان في ظل توقف البعثات السياسية، بالإضافة إلى أنّ كافة المفاوضات التي تناولت الوحدة وحق تقرير المصرير؛ كانت بالاتفاق مع الإنجليز، بداية من سعد زغلول والنحاس باشا والنقراشي نهاية بمجلس قيادة الثورة».

على جانبٍ آخر، كان حزب الأشقاء الذي أسسه إسماعيل الأزهري، هو من سعى للارتباط بمصر عبر الدعوة التي وجهها عام 1946 لقيام حكومة سودانية تحت التاج المصري، لكن مصر في ذلك الوقت كانت تتجاهل الأحزاب السودانية المعارضة والمؤديدة للوحدة، وحشدت ضد بريطانيا التي تشاركها الحكم الثنائي وتعارض سياساتها في الجنوب، حتى وصلت الخلاف بين الطرفين إلى مجلس الأمن عام 1947.

عبد الرحمن المهدي – أحد المعارضين للوحدة آنذاك – بنى معارضته للحكومة المصرية على أساس أنها تفاوضت مع الإنجليز وتجاهلت السودان، لذلك يبرر لهيكل قائلًا: «إذا جاءنا إنجليزي راكبًا على عربة مصرية تجرها خيول مصرية وتدفعها من خلف أيدي مصرية، فمن الطبيعي أن أتحدث مع السيد الجالس في العربة، لا الأحصنة، ولا الأيدي التي تدفعه».

3- خطاب مصر الاستعلائي ضد السودان

يعترف النظام المصري على لسان مؤرخيه بأنه في الوقت الذي كانت مصر تدرك أطماع بريطانيا، لم تتحرك القوى الوطنية المصرية لتأسيس حركة وحدوية تستهدف جمع مصر والسودان، يقول المؤرخ والفقيه الدستوري طارق البشري في شهادته: «لم يحاول حزب واحد أن يتكون على أساس جامع من مصريين وسودانيين، ولا حاول جادًا أن ينشط بين السودانيين، كما ينشط بين المصريين، ولا أن يبني تشكيله من أهل البلدين معًا، حتى حزب الوفد نفسه – أكبر الأحزاب المصرية الذي سيطر على مقاليد السياسة لسنوات – لم يدخله سوداني ولا نشط في السودان منذ نشأ حتى انتهى».

كان انفصال السودان نتيجة لاستعلاء القوى الحاكمة المصرية

واللافت أنّ هيكل اعترف أنّ السياسة المصرية كانت تعيش وهم في موضوع السودان، وبالرغم قربه من النظام الناصري إلا أنّه اتفق مع عبد الرحمن المهدي في إنّ النظام المصري كان يُطالب بشيء لا يعرفه، بالإضافة إلى أنّ الخطاب الاستعلائي الذي عمق جذور الخلاف من الاتجاهيين.

يرسم محمد حسنين هيكل الجزء الأكثر قتامة من الصورة، ويوضح أنه بينما كانت مصر تعامل أنصار الوحدة معها بجفاء، كان الإعلام المصري يشن حملات عدائية يومية على الأحزاب الداعية إلى انفصال السودان، وأبرزهم حزب الأمة بزعامة عبد الرحمن المهدي الذي لم يزر مصر سوى مرة واحدة، لذا انقطعت كل السبل لتقريب وجهات النظر بين الطرفين.

لم نزل في «جروبي وسط البلد».. كيف رسخت الدراما المصرية العنصرية ضد السودانيين؟

4- فشل المسؤولين عن ملف السودان

قبل نحو أربعة أشهر من انفصال السودان، طلب المسؤول المصري عن الملف السوداني صلاح سالم، من مجلس قيادة الثورة الاجتماع لشرح موقف الاتحاد مع مصر، وبحسب الشهادة التي سجّلها عبد اللطيف البغدادي في مذكراته – أحد الضباط الأحرار – فإن الاجتماع تضمن السياسات الفاشلة التي أدت لخسارة مصر أذرعها في السودان، والتي منها سياسة الرشاوى بين السياسيين السودانيين، بهدف حملهم على تغيير موقفهم الانفصالي إلى الاتحاد مع مصر، وكذلك طالت الأموال أيضًا المُنادين بالوحدة لضمان عدم استمالتهم من أطراف أخرى.

يرصد المؤرخ العسكري اللواء جمال حماد في شهادته، وهو أحد الضباط الأحرار الذين حضروا الاجتماع، بأن «سياسة الرشاوي جعلت الساحة السياسية تخلو من طائفة المؤمنين الحقيقيين بالقضية، خشية أن تلحق بهم الشكوك في تقاضيهم الرشاوي والأموال من صلاح سالم وأعوانه، إذا ما أبدوا مشاعرهم أو تحمسوا لقضية الاتحاد علانية، لذا لم يبق بالساحة سوي طائفة من المنتفعين والانتهازيين والمرتزقة‏»، وبالعودة للرواية السودانية، فإنّ المقربين من الأزهري اعتبروا أنّ سياسة الرشاوي نفسها جعلته يكفّ بالحديث عن الوحدة مع مصر، خوفًا من أن تلاحقه الاتهامات، قبل أن يصّوت هو وحزبه بعدها مُعلنًا الاستقلال في يناير (كانون الثاني) عام 1956.

المفاجأة التي أعلنها نجيب في كتابه ثم تكررت في شهادات أخرى، هي أنّ صلاح سالم اعترف لعبد الناصر في لقاء منفرد في أغسطس (آب) عام 1955، بأن المعلومات التي كان يرسلها إليه عن السودان لم تكن تمثل الحقيقة هناك؛ واللافت أنّ سالم الذي كان يشغل وقتها منصب وزير الدعاية والإرشاد (الإعلام)، كان يبث رسائل مضللة للمصريين بشأن اقتراب الوحدة مع السودان، وأنّ تلك القضية حتمية لكلا البلدين، لكن النهاية التي لخصها المسؤول المصري لجمال عبد الناصر انتهت بجملة «السودان ضايع ضايع»، بعدما كان المجلس يردد في البداية مقولة: «موضوع السودان يتحل في كلمتين».

تحالف لن يصمد.. لماذا لن تلتقي مصالح مصر والسودان رغم الاجتماعات الودية؟

5- إقالة اللواء محمد نجيب

يحظى الرئيس المصري محمد نجيب بمكانة فريدة في السودان، إذ ما زال يُنظر إليه من المؤرخين السودانيين إلى اليوم باعتباره سودانيًا أكثر من كونه مصريًا، كونه ولد في الخرطوم، وتلقى تعليمه بها قبل التحاقه بالكلية الحربية في القاهرة، بالإضافة إلى أنه يحمل سجل تاريخي عريق لعائلته، بداية من جدّه الذي قُتل في جنوب السودان أثناء مقاومته للثورة المهدية مرورًا بوالده الضابط العسكري. وبخلاف اتصاله بكافة الحركات السياسية في السودان، فإن رأيه في القضية تختلف عن سابقيه من المسئولين المصريين، فبينما تمسك سعد زغلول ومن جاء بعده بالسيادة المصرية على السودان، اعتبر نجيب أن الانفصال لا يُزعجه طالما أنها رغبة سودانية.

(لحظة القبض على اللواء محمد نجيب عام 1954)

المفارقة المثيرة أن بريطانيا أرسلت قبل شهر واحد من حركة الجيش في يوليو (تموز) 1952 للحكومة المصرية مذكرة بشأن مشروع الحُكم الذاتي للسودان، لكنّ الإطاحة بالملك أربكت المشهد ككل، وفي يناير (كانون الثاني) عام 1953، توصلت مصر وبريطانيا إلى اتفاقية حق تقرير المصير مع السودان، بحيث تتشكل حكومة انتقالية لمدة ثلاث سنوات تنتهي بإجراء استفتاء شعبي، لكنّ نجيب الذي كان الطرف المصري في تلك الاتفاقية أصبح رئيسًا للجمهورية بعدها بخمسة أشهر حين سقطت الملكية لترتفع الأصوات في السودان للوحدة مع مصر ورفض الانفصال.

لكنّ نجيب بعد صدامات مع مجلس قيادة الثورة قدّم استقالته في فبراير (شباط) عام 1954، ليأتي صدى تلك الاستقالة بأن تسببت في ثورات واحتجاجات لمدة ثلاثة أيام في مصر للمطالبة بعودة نجيب، السودان كان له نصيب من الثورة، فالساسة السودانيين اعتبروا أن استقالة نجيب تهدد مسألة الاتحاد مع مصر، في إشارة لتحوّل الموقف للمطالبة بالانفصال، ليعود نجيب بعدها لمنصبه.

أزمة الصراع على السُلطة بين محمد نجيب ومجلس قيادة الثورة سُرعان ما عادت حتى وصل الصدام في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1954، حين طالب المجلس نجيب بالاستقالة ليرد بحسب ما جاء في مذكراته: «أرفض الاستقالة حتى لا يُقال أنني كنت السبب عن ضياع السودان»، لكنه خسر معركته ليصبح جمال عبد الناصر بعدها رئيس الجمهورية.

وبالعودة للرواية السودانية، فإنّ الأحزاب السياسية بكافة انتماءاتها عبرت أن الانفصال بدا حقيقة واقعية لعدة أسباب، أبرزها أن النظام الديموقراطي الانتخابي في السودان لا يتفق مع المنحى الشمولي الذي اتخذه الضباط في مصر، بالإضافة إلى أنّ «حزب الاتحاد» نفسه اعتبر أنّ الطريقة التي طُرد بها نجيب من السُلطة لا تطمئن السودان إلى وضع يده مع مصر، لذا بدا الانفصال واقعيًا وأمرًا محتومًا بخلاف فشل مصر نفسه في إدارة الملف السوداني.

6- الصراع داخل مجلس قيادة الثورة

منذ اليوم الأول لنجاح حركة الضباط الأحرار، دبت الخلافات السياسية بين كافة أعضاء المجلس، قبل أن تتحول إلى صراعات على البقاء انتصر فيها جمال عبد الناصر وحده، ومن بعده الرئيس السادات الذي كتب في مذكراته: «يتساءل البعض في حيرة، كيف قضيت هذه الفترة الطويلة مع عبد الناصر من غير أن يقع بيننا ما وقع بينه وبين زملائه، ببساطة تحاشيت الصراع معه، وبقيتُ أنا الرجل الوحيد من رجال الثورة الذي لم يمسسه سوء»، واللافت من قبل حتى أن يبدأ الصراع، فمحمد نجيب يذكر أنّ أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا يضعون قضية السودان في ذيل اهتماماتهم.

في الوقت الذي كان السودان يستعد لأول انتخابات مدنية ديموقراطية في البرلمان، كانت مصر تشهد صراعا داخل مجلس قيادة الثورة بين اتجاهين مختلفين، أولهما على رأسه اللواء محمد نجيب الذي يطالب بالديمقراطية والحياة النيابية السليمة طبقًا للمبدأ السادس الذي قامت عليه الثورة، وهو إقامة حياة ديمقراطية سليمة، بينما كان الفريق الآخر وعلى رأسه جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر يرى ضرورة إلغاء الأحزاب وفرض الرقابة على الصحف، وتغلل العسكريين في المناصب المدنية.

في الفصل السادس من كتاب «كنت رئيسًا لمصر»؛ يستعرض نجيب اجتماعا للمجلس يرصد كيف كان ينظر للسودان في ظل الصراعات القائمة الداخلية: «طلبنا من المسؤولين عن الملف السوداني بإعداد مذكرة حول الوضع في السودان لمناقشة مطالب الإنجليز والتفاوض معهم حول اتفاقية تقرير المصير، وحين طُبعت المُذكرة انزعج الضباط من حجمها الضخم، وقالوا مشكلة السودان تتحل في كلمتين، لذا فالضباط لم يقرأوا المذكرة ولم يستمعوا حتى إلى الشرح الذي ألقي عليهم». يشرح نجيب في سطورٍ أخرى، بأن الشواغل التي كانت تقلق الجميع ، هي معارك عبد الناصر الدائرة للإطاحة بهم واحدًا تلو الآخر، وهو ما يعتقده أيضًا اللواء جمال حماد بأن الصراع الداخلي أضاع السودان.

«ميدل إيست آي»: عقدة الجيش: المصريون ومتلازمة ستوكهولم

7- إهانة إسماعيل الأزهري

 عندما فاز «الحزب الاتحادي» في الانتخابات البرلمانية ديسمبر (كانون الأول) عام 1953، واكتسح مقاعد مجلسي النواب والشيوخ وشُكلت حكومة جميعها من أعضاء الحزب، لم يكن هناك شك وقتها في أنّ الاستفتاء الذي سيشهده السودان بعد ثلاث سنوات سيكون لصالح الوحدة.

( لحظة رفع العلم السوداني بعد إعلان الاستقلال عام 1956)

يحكي عبد اللطيف البغدادي في مذكراته أنّ «صلاح سالم المسؤول المصري عن الملف السوداني لم يكن يعامل إسماعيل الأزهري باعتباره رئيس حكومة منتخب، وإنما كان يُملي عليه أوامره، وهو ما ساهم في تعميق الفجوة التي ازدادت حدة عقب الهجمات العنيفة المتبادلة بينهم في وسائل الاعلام». ابنة الأزهري نفسها وصفت أباها بأنه كان شخصية استقلالية رغم أنه كان يسعى مع حزبه للوحدة مع مصر، لكن السياسة التي انتهجها النظام الناصري للتحدث بمفهوم حقه في السيادة على السودان، هدم الموقف برمته في التوازن بين البلدين، في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تعامل الأزهري على أساس تفاوضي يبدأ بتقديم الوعود والمزايا في حال وافق على الانفصال.

وبحسب الرواية السودانية، فإن الأزهري ظل قبل يومين من إعلانه انفصال السودان عن مصر مؤمنًا بالوحدة، وهو الأمر الذي لا يُقابل بالتصديق من جانب مصر، وفي 19 ديسمبر  عام 1955 أعلن الأزهري من داخل البرلمان انفصال السودان من دون استفتاء شعبي، وهي الصدمة التي ما تزال حاضرة في أرشيف السياسة المصرية.

8- التنكيل بالإخوان المسلمين

كان فكر مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا قد وصل مبكرًا إلى السودان، وفي أربعينات القرن الماضي تزامن صعودهم في مصر والسودان، وحين اتصل إخوان مصر بالضباط الأحرار عقب إسقاط الملك فاروق، بدت لهم فرصة كبيرة للمشاركة في حكم مصر، والحصول على وزارات في الحكومة الجديدة، لذا فالارتباط السياسي للحركة كان داعمًا لمطالب الوحدة مع مصر، خاصة أن مجلس قيادة الثورة تقارب معها حين حل جميع الأحزاب عدا الجماعة باعتبارها جماعة دعوية دينية، كما أعاد المجلس فتح التحقيق في مقتل مؤسس الحركة حسن البنا عام 1949.

(مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا)

بدأ التخلي تدريخيًا عن الفكرة نظرًا لما اعتبر خذلانًا للنظام الجديد الذي تسبب فيما بات يُعرف بالمحنة الثانية للإخوان المسلمين في أدبيات الجماعة، والتي بدأت الأولى عام 1954، حين تعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال فاشلة اتهم بها الجماعة التي صدر بحقها حكم قضائي في نفس العام بحلها وحظر نشاطها، واعتقال قياداتها وأعضائها.

لذا فالأسباب التي دفعت إخوان السودان لحشد جماهيرهم لدعم انفصال السودان عن مصر، كانت خوفًا من التعرض لنفس المصير الذي جرى لإخوانهم في مصر.

9- «حزب الأمة» والشيوعيون

 لم تكن جماعة الإخوان هي الجبهة الوحيدة التي طاردت ما كان يُسمى بشبح الوحدة مع مصر، فـ«حزب الأمة» وعلى رأسه عبد الرحمن المهدي اعترف بتفاوضه سرًا مع الإنجليز، أيضًا «الحزب الشيوعي السوداني» أكبر الأحزاب السياسية، التي حظت بقاعدة شعبية، اعتبر موضوع انفصال السودان والاستقلال حربًا يجب خوضها والفوز بها، لأنه لا معنى للهزيمة سوى بتكرار ما حدث للشيوعيين في مصر على يد النظام الناصري.

كانت منشورات الضباط الأحرار تطبع بالمطبعة السرية لـ«الحزب الشيوعى»، وكان عبد الناصر على صلة بقيادات الحزب الذي كان أول المؤيدين لحركة الجيش التي خلعت الملك فاروق من على العرش، لكنّ ما اعتبر خيانة وقتها؛ أنه عندما حل عبد الناصر الاحزاب السياسية، جذب أصدقاءه القدامى إلى ساحة عداء سياسي، واستمر على سياسته التي قوبلت بالرفض، وبينما كان «الحزب الشيوعي السوداني» يحظى بجماهيرية على الأرض؛ كان فرعه في مصر يمثل تيارًا نخبويًا يضم المثقفين، لذا فما تعرض له الشيوعيون في مصر كان كفيًلا للحزب في السودان أن يقاوم فكرة الوحدة؛ لأنه اعتبر أن فيها هلاكه.

10- فشل وحدة مصر وسوريا

بعدما استقل السودان رسميًا عام 1956 وسط اعتراف مصري بوقائع الأمور، انتقلت الخطة المصرية لمحاولة التعاون مع النظام السودني الجديد وتعميق الروابط مع الأزهري وصولًا لمفاوضات أخرى في المستقبل لبحث ملف الوحدة من الجديد، وهو الحُلم الذي راود عبد الناصر الذي دخل في وحدة مع سوريا في عام 1958 مُعلنًا قيام الجمهورية العربية المتحدة بداية لتوحيد الدول العربية، وبدا السودان هو المحطة التالية للانضمام لميثاق الجمهورية المتحدة.

أصبح عبد الناصر رئيسًا للجمهورية الوليدة كما أصبحت القاهرة هي العاصمة، وبدأت علمية صهر مؤسسات الدولتين، فتأسس مجلس الأمة عام 1960، وانصهرت الوزرات في هيكل أحادي يجمع الدولتين، إلا أن التجربة لم تصمد سوى ثلاث سنوات حتى أعلن ضباط سوريون انقلابًا في سبتمبر (أيلول) 1961، استهدف فك الارتباط مع النظام الذي ظلمهم.

وبحسب الرواية الرسمية السورية، فإن عبد الناصر اعتمد سياسية حكم استبدادي ظلم به السوريين بداية من كم تحويل الأموال من سوريا إلى مصر وتأميم الشركات، بالإضافة إلى أن الوحدة كان سببًا لهروب العمالة المصرية من نظام عبد الناصر في القاهرة إلى سوريا، ما هدد ميزان القوى العاملة. وأخيرًا اعتبر السوريون أنّ عبد الناصر دمر الحياة السياسية الحزبية المزدهرة، والأخطر أنه كما استبدل العسكرين في الوظائف المدينة في مصر، قام بالاستعانة بالمصريين في الوظائف العليا، وهو ما كان سببًا في فشل التجربة التي كانت مثالًا جيدًا للسودانيين للحفاظ على استقلالهم بعيدًا عن مصر.

أحلام الوحدة العربية التي لا تتحقق.. لماذا يفشل العرب وينجح الآخرون؟

المصادر

تحميل المزيد