عقدان من الزمن سيطرت خلالهما أخبار دولة أفغانستان على عناوين الأخبار في أوقات كثيرة، تقارير عن حركة طالبان والوجود الأمريكي ومختلف شئون السياسة، حتى أننا صرنا نعرف تفاصيل الحرب لحظة بلحظة، لكن ما الذي نعرفه حقًّا عن أفغانستان؟ وما الذي نعرفه عن شعبها وتراثه الإنساني وعاداته التي حافظ عليها ضد الزمن ورغم ما مر به من مآس؟ 

في الحقيقة، ما إن نبتعد عن أخبار الحرب، حتى نرى قصة كاملة جديدة تاهت ذاكرتها الأصلية بين زخم الأخبار السياسية وتفاصيل المعارك؛ لتشكل جزءًا خفيًّا من أفغانستان نتناوله عن قرب في السطور التالية.

1. حضارة عريقة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ

تكشف الأدلة التاريخية والأثرية لدولة أفغانستان عن حضارة قديمة ترجع لعصور ما قبل التاريخ، وكهوف بدائية عاش فيها إنسان ما قبل التاريخ في جبالٍ تقع على مقربة من نهر أمو على الحدود الأفغانية. كان من ضمن الأدلة الأثرية «مغارة قره كمر» التي اكتشفت عام 1953 بمنطقة جبال هند كوش، ويعتقد الدكتور الأمريكي، كالتن كون، المتخصص في دراسات ما قبل التاريخ، أنها كانت مقرًا لحياة الإنسان في المرحلة الأولى والثالثة، وهي نتاج حضارة عمرها حوالي 20 ألف سنة.

كما أسفرت أعمال الحفر في منطقة قندهار، بلدة مندبكك، عن اكتشاف مدينة أثرية أخرى يعود تاريخها إلى الألف الخامس قبل الميلاد، وقد كانت تلك المدينة القديمة ملتقى لحضاراتٍ عريقة، تحدها من الغرب إيران وبلاد ما بين النهرين، ومن الشمال هضاب هند كوش وبلخ، ومن الجنوب بلاد السند.

Embed from Getty Images

(جبال هندوكوش)

أما ما يُعرف عن تاريخ بلخ، فيرجع إلى الإمبراطورية الآرية؛ إذ أطلق عليهم شعب أريانا قديمًا نسبةً إلى القبائل الآرية التي اتخذت المناطق الشمالية من جبال هندكوش موطنًا لها، وقد حكم الآريون في عدة أسر منذ الألف الثاني قبل الميلاد، بداية من أسرة البشداديين وصولًا إلى أسرة كياني التي تعني الحكماء، وأخيرًا أسرة أسبا -وتعني الفرسان- لمؤسسها لاهر، وهي الأسرة التي ولد في عهدها عام 1000 ق.م، زرادشت، مؤسس الديانة الزرادشتية، وهي ديانة أحدثت آثارًا عميقة في حياة شعوب هذه المنطقة، وظلت باقية حتى دخول الإسلام.

على الرغم من تفتت الإمبراطورية الآرية وتحولها إلى مقاطعات وإمارات تحت حكم الإمبراطورية الأخمينية في بلاد فارس، إلا أن آثارها ما زالت باقية حتى الآن، على الرغم من تعرض أغلبها للنهب والتحطيم، على مر العصور التاريخية.

2. تطفو على بحرٍ من الثروات المعدنية

هل تعلم أن أفغانستان قد تصبح أغنى منطقة تعدين في العالم؟ بحسب تقرير نشرته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية عام 2011، فإن أفغانستان التي يعيش شعبها اليوم في فقرٍ مدقع، نظريًّا تطفو على بحرٍ من الثروات المعدنية، قد يجعلها من أهم مناطق التعدين في العالم.

وفقًا لنتائج المسوح التي أجراها البنتاجون بالتعاون مع هيئة المسح الجيولوجي الأمريكي للأراضي الأفغانية؛ هناك نسبة هائلة من الموارد المعدنية، بما في ذلك النحاس والذهب والحديد والكوبالت، هذا إلى جانب كميات هائلة من الليثيوم وهو عنصر يستخدم في صناعة البطاريات لأجهزة الكمبيوتر والأجهزة المحمولة. 

قدرت قيمة هذه الثروات بحوالي تريليون جنيه إسترليني على الأقل، مما قد يجعل تلك الدولة الفقيرة التي لا يتعدى ناتجها المحلي 12 مليار دولار، أشبه بالمملكة العربية السعودية في حال استغلالها، إلا أن عمليات الحفر والتنقيب تحتاج وقتًا وتمويلًا ضخمًا على ما يبدو لا يتوافر في الحالة الأفغانية.

3. جمهورية الشباب.. شعبها أحد أصغر شعوب العالم

في عصرنا الحالي، يشيخ أغلب سكان العالم، إذ إنه بعد تحسين اللقاحات والمضادات الحيوية إلى جانب التقنيات الطبية الحديثة، لم تعد أعمار الشعوب صغيرة كما في السابق، بمعنى أن كبار السن أصبحوا يعيشون بنسبة أكبر، كما أن تحديد النسل قد ساهم في بعض الأحيان في أن تكون أعداد كبار السن أكثر من الشباب. 

وفقًا لإحصاءات التعداد السكاني، هناك بعض الدول التي تختلف عن هذه الأرقام، بل إن شعوبها تعد من أصغر شعوب العالم، وفي تقرير يقيس نسبة أعداد الأطفال دون 15 بالنسبة إلى تعداد الدول، نجد أنهم يصلون إلى حوالي 50% من نسبة السكان، وقد كان من بين تلك الدول أفغانستان.

في إحصاء عام 2018، كانت نسبة الأطفال لدى الشعب الأفغاني 42.64%، وفقًا لبيانات البنك الدولي، بل وتتعدى فيه نسبة الشباب البالغين دون 25 عامًا 67.5% من تعداد السكان كاملًا، بحسب بيانات عام 2012، مما يجعل أفغانستان من أصغر شعوب العالم.

4- من القرن الثامن عشر.. نساء يتنكرن في زي الرجال

عرف العالم كثيرًا عن أفغانستان في السنوات العشرين الأخيرة فيما يخُص شؤون المرأة والتضييق عليها في الدراسة والعمل، إلا أن هناك تقليدًا أفغانيًا مجهولًا يخص المرأة تُقدم عليه الأسر التي لم تُرزق بأطفالٍ ذكور، وهو تقليد «الباشا بوش»، ويعني تنكرِ البنت في هيئة ولدٍ، عن طريق الملبس.

قد لا تجد الكثير من الدراسات والمنشورات عن هذا التقليد على الرغم من شيوعه في العاصمة الأفغانية كابول، هكذا عبرت الصحفية السويدية جيني نوردبيرج عن صدمتها عندما زارت صديقتها النائبة في البرلمان الأفغاني، أزيتا، في منزلها، لتجدها تقدم لها إحدى بناتها الأربع وكأنها صبيًا، وكما لو كان ذلك أمرًا طبيعيًا، وهو ما دفع الصحفية السويدية بين عامي 2010-2012 إلى دراسة تلك الظاهرة بنفسها، لتُصدر في عام 2015 كتابها «فتيات كابول المخفيات»، والذي يتناول هذا التقليد بإمعان، ويحاول الغوص في جذوره التاريخية.

Embed from Getty Images

بحسب هذا التقليد تختار الأُسر التي لم تنجب أطفالًا من الذكور إحدى بناتها من أجل التنكر مثل الرجال من خلال حلق الرأس والملبس، وبهذه الطريقة يحق للفتاة الخروج للدراسة والعمل ومساعدة أسرتها في كسب قوت يومها. وهو تقليد شائع ومُتعارف عليه بين الأسر الأفغانية.

وتعود جذور «الباشا بوش» بحسب الكاتبة إلى هيمنة الرجال على المجتمع الأفغاني؛ إذ على الأسرة أن يكون لها على الأقل ذكر واحد، ويرجع هذا التقليد تاريخيًّا إلى القرن الثامن عشر، عندما كانت النساء تتنكر في زي الرجال من أجل المشاركة في الحروبِ والمعارك أو تقديم المساعدة في التمريض والطبخ، لكن لا تظل فتاة الباشا بوش هكذا طوال حياتها، فما أن تصل الفتاة إلى سن 17 أو 18، تعود إلى هيئتها الأنثوية، وتبدأ في ملازمة البيت وارتداء البُرقع والاستعداد للزواج.

5. «البوزكاشي».. رياضة أفغانستان الوطنية

تعني «البوزكاشي» بالأفغانية، سحل الماعز، وهي لُعبة أفغانية تعود جذورها إلى ثمانية قرون ماضية؛ وفيها يقوم أكثر من 400 فارس أفغاني بامتطاء الأحصنة لسحل ذبيحة من الماعز إلى دائرة الهدف، ويقسم الفرسان على مجموعتين متنافستين. هذه الرياضة التي تعتبر تقليدًا وطنيًا داخل أفغانستان يجتمع حوله مختلف أطياف الشعب الأفغاني من غني وفقير.

تلك الرياضة الوطنية ظلت مقترنة بالرجال منذ أن بدأت مع دخول قبائل البدو إلى المنطقة، الذين جاءوا من أقصى الشمال والشرق ووصلوا حتى الصين ومنغوليا بين القرنين العاشر والخامس عشر، وفيها تظهر ميول الشعب الأفغاني الحربية والتي تتعلق بمهارات الفروسية.

تستطيع أن ترى إحدى مباريات البوزكاشي إذا قمت يومًا بزيارة مدينة مزار شريف بشمالِ أفغانستان، والتي يقولون إنها تشبه لُعبة البولو الشهيرة، وفيها يتنافس الفريقان على جيفة ماعز عن طريق تثبيتها في قدم الفرس للوصول إلى الجانب الآخر من الملعب، ومن ثم وضعها غنيمة في دائرة الهدف والدوران حول علم، ومن ثم الرجوع بالأحصنة نحو المدرجات.

(تقرير فرانس 24 عن لُعبة البوزكاشي)

6. جلسات إلقاء الشعر يوم الخميس

قد لا يعرف البعض عن الشعب الأفغاني ولعهم بالشِعر وفصاحة إلقائه، فهذا الشعب الذي نالت منه ليالي الحرب الطويلة ومآسيها له نَفس شاعرة؛ إذ يواظبون على جلسات أسبوعية كل خميس، من إجل إلقاء الشعر والاستماعِ إليه، فيما يشبه تقليدًا خاصًّا.

في مجالس الشعر، ليس هناك فرق بين امرأة ورجل وصبي، فالجميع يستطيع أن يتقدم إلى المنصة ليقول بعضًا من شعره الذي نظمه بنفسه، وهو الأمر الذي أثار انتباه الصحافية الكندية ليز دوسيت أثناء عملها على وثائقي أفغانستان التابع لوكالة «بي بي سي» الإخبارية، ويتناول جوانب لا نعرفها عن هذا الشعب، وقد خصصت ليز في الوثائقي جزءًا كاملًا يصور مجالس الشَعر الأفغانية وولع الشعب الأفغاني به، وتقول دوسيت: «ليلة الخميس هي ليلة الشعر في مدينة هرات الغربية، إذ يتبادل فيها الرجال والنساء والأطفال إلقاء الشِعر القديم والحديث أثناء الاستماع إلى الموسيقى وأكل المعجنات وشرب الشاي».

(فيلم وثائقي عن أفغانستان التي لا نعرفها – إنتاج BBC)

7. موسيقى «الدامبورا» الأفغانية

في مدينة هرات الغربية، لا تقتصر ليالي الخميس على إلقاء الشعر فقط، بل عادةً ما يصاحب ذلك عزف الموسيقى والاستماع إليها؛ إذ اشتهرت هرات بكثرة الموسيقيين فيها، بحسب وثائقي ليز دوسيت. وترتبط موسيقى أفغانستان عادةً بمدينة هرات التي كانت مركزًا للموسيقى الإيرانية لفتراتٍ طويلة، وتعد موسيقى أفغانستان بشكلٍ عام خليطًا بين الموسيقى الإيرانية والهندية نظرًا للموقع الجغرافي للبلاد التي كانت ملتقى للعديد من الثقافات على مدار تاريخها. 

في موسيقى أفغانستان جزء يرتبط بالمهاجرين البوذيين الذين جلبوا معهم الثقافة الهندية، والجزء الآخر يرتبط بالتأثر بالثقافة الفارسية، للقرب الجغرافي من إيران. أدى ذلك إلى أن تكون أفغانستان بلدًا غنيًا بالموسيقى على مدار تاريخها، ويشتهر الأفغان عادةً بعدة آلات موسيقية، أشهرها الدامبورا، وهي آلة وترية إقليمية تشبه العود ذات عنق طويل، وغالبًا ما تجد عازفًا على الدامبورا في جلسات شعر يوم الخميس، يلتف الحاضرون حوله من أجل سماع موسيقاه.

(أحد الموسيقيين الأفغان يعزف الدامبورا)

8. حتى الأثرياء يحبون البساطة

يقول عن ذلك الصحافي، نجيب الله آزاد: «لا يحب الأفغان الحياة المُترفة حتى ولو كانوا أثرياء»؛ إذ يفضلون حياة البساطة بكلِ صورها، ويعيشون الحياة بأبسط صورها. بدءًا من تفضيلهم الجلوس على الأرض في وضع القرفصاء، عوضًا عن الكراسي، وصولًا إلى أنهم لا يشغلون بالهم كثيرًا بأن تعج منازلهم بالأثاث، حتى أنهم يتخلون عن أسرة النوم، ويستبدلونها بافتراش الأرض.

في المنازل الأفغانية، تجد العائلة كاملة تعيش تحت سقف بيت واحد بشكلٍ جماعي، على عكس ما يحدث في المجتمعات الأخرى التي ينفصل فيها أفراد العائلة عن بعضهم البعض، وحتى إن عاشوا في منزلٍ واحد تجد لكل منهم غرفته الخاصة ولا يتقابلون إلا لتناول الطعام.

يشير آزاد إلى أن هذا الوضع لا يختلف من أسرة فقيرة لأسرة غنية؛ إذ يفضل أغلبهم الحياة البسيطة على حدٍ سواء، وقد ساعد في تقشفهم هذا ما عانوه من مشقة لسنواتٍ طويلة، جعلتهم يتأقلمون مع نظم الحياة البسيطة من أجل البقاء، بحسبه.

9- تراث في الزواج ما زال يتبع إلى الآن

تختلف عادات الشعب الأغاني أيضًا عن غيره من الشعوب في الأعراس. إذ لا يحددون ميعاد الزواج إلا بعدما تنتهي أسرة العروس من حياكة جهازها كاملًا يدويًا، وهي عادة اجتماعية قديمة ظلت باقية إلى الآن في الكثير من الأسر الأفغانية.

يتمسك بعض الأفغان الذين يعيشون اليوم خارج أفغانستان بالعادة ذاتها، في محاولةٍ منهم للمحافظة على التقاليد القديمة وإحيائها؛ حتى أنهم يؤخرون مراسم الزواج ويحددون يوم العُرس على حسب الفترة التي سيأخذها إعداد جهاز العروسة.

في هذا التقليد يجتمع نساء العائلة كلهم للمشاركة في خياطة مفارش خاصة بغرف المنزل والمجالس والأرائك وفرش السرير، حتى عُلب المناديل والنفايات تُصنع لها تلبيسات خاصة. وعلى العروس خلال هذا التقليد أن تقوم هي نفسها بحياكة لوحة زخرفية مطرزة تعلق على جدران منزلها الجديد.

تاريخ

منذ شهر
قبل 14 قرنًا من حكم طالبان.. كيف وصل الإسلام أفغانستان؟

المصادر

تحميل المزيد