مع بداية العام الحالي 2019، ظهر تحدٍ جديد مُستكملًا سلسلة من التحديات التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» و«إنستجرام» في العام السابق كان آخرهم تحدي «Birdbox»، إلّا أنّ التحدي الحالي قد اتّخذ طابعًا آخر. عُرف باسم «10yearschallenge» أو «تحدي 10 سنوات»، وهو عبارة عن نشر صورتيْن للشخص ذاته بفارق 10 سنوات؛ وذلك لإظهار الاختلافات في ملامح الوجه أو التغيّرات الجسدية التي طرأت عليه.

وفي غضون أيّام قليلة، انتشر التحدّي كالنار في الهشيم على مواقع التواصل، وشارك العديد من المشاهير والفنانين حول العالم صورهم الشخصية على الوسم الخاص به، وعلى الرغم من تحذيرات الباحثة الأمريكية كيت أونيل من أن السبب الرئيسي لانتشار هذا التحدي من الممكن أن يكون تدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالتعرف على الوجه وخصائص التقدم في العمر لشركات التكنولوجيا، مما قد يساعد تلك الخوارزميات في تحديد شكل الشخص في المستقبل؛ إلّا أن تلك التحذيرات لم تلق بالًا عند رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تُعق استمرار التحدي إلى يومنا هذا؛ إذ تبارى الآلاف في العديد من الدول بنشر صورهم الخاصة ومشاركة قصصهم المختلفة مع أصدقائهم ومعارفهم واختلافاتهم على مدار العشر سنوات، حتى تحول الهاشتاغ إلى «تريند» عالمي.

أصبح التحدي خلال الأيام الفائتة هوسًا سببه الرئيسي نهم الآلاف لمعرفة اختلافاتهم خلال العقد المنصرم، وما التغيرات التي طرأت عليهم وعلى شخصياتهم، لكن هل تسائلت يومًا عن التغيرات التي طرأت على العالم خلال تلك الفترة، وكيف تغيّرت السياسات وتقدّم العلم وحدثت ثورة تكنولوجية هائلة؟ إليك أبرز خمس اختلافات بين العالم منذ 10 سنوات، وبين العالم الذي نعيشه اليوم.

1- بعد مرور 10 سنوات.. هل نواجه خطر أزمة مالية عالمية جديدة؟

في عام 2009، استيقظ العالم على كابوس اقتصادي، متمثّل في تفاقم الأزمة المالية العالمية، إذ استمر سوق الأسهم في الهبوط مما سبب ذعرًا للمستثمرين، وذلك استكمالًا للأزمة التي بدأت قبل ذلك بعامين، وفقد على إثرها الكثير من العاملين لوظائفهم ومنازلهم وتصنيفهم الائتماني، وهو الحدث الذي أطلق عليه «الأزمة المالية الكبرى»، وكان له أثر كبير على حياة مئات الملايين حول العالم. وأشار الخبراء إلى أن الحد الائتماني الرخيص كان سببًا رئيسيًا في تلك الأزمة التي انهارت على إثرها بورصة «وول ستريت» الأمريكيّة؛ إذ أصبح من السهل للغاية بالنسبة إلى الأفراد شراء المنازل والسيارات وإجراء استثمارات أخرى، مما سبب انتعاشًا في السوق التجارية لبعض الوقت إلا أن المستهلكين اتّجهوا لشراء السلعة ذاتها مرّة بعد مرّة، مما أدى إلى زيادة نسبة التضخم إلى الحد الذي جفّ معه تدفق الأموال على البنوك، وتباطأ النمو الاقتصادي وأصبح الاحتياطي النقدي غير قادر على تقديم قروض جديدة، وسرعان ما خرج الأمر عن نطاق السيطرة.

في عام 2019، وبعد مرور 10 سنوات على تلك الأزمة المالية، وانتعاش الأسواق لأعوام، نشرت النيويورك تايمز مقالًا تحذر فيه الأمريكيين من أزمة مالية عالمية جديدة يعنوان: «هل أنت مستعد لأزمة 2019 المالية؟»؛ إذ أشارت إلى انخفاض المخزون العام بنسبة 1.5%، وذلك بعد ارتفاعاتٍ مذهلة في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وتضيف أن الاحتياطي النقدي يواجه أسوأ أزمة منذ الأزمة المالية الكبرى الأخيرة، كما تشهد الأسواق العالمية الآن تخبطًا وتراجعات قياسية، إضافةً إلى انخفاض أسعار النفط، وقد سجلت الديون العقارية ارتفاعًا قياسيًا بلغ 13.5 تريليون دولار، وذلك بزيادة 837 مليار دولار عن الذروة الفائتة التي سبقت الأزمة المالية العالمية عامي 2009-2008.

الأرقام لا تكذب عادةً.. 2019 موعد الأزمة المالية الجديدة

2- رحلة الصين من البطالة إلى القوة الاقتصادية القادمة

في عام 2009، كانت الصين تعاني بشدّة جرّاء الأزمة المالية العالمية؛ إذ تراجع النمو الاقتصادي في الصين، والذي يعتبر مصدرًا للهدوء الاجتماعي والسياسيّ في بلد يحكم فيه الحزب الشيوعي، وهو الأمر الذي أدى إلى توترات اجتماعية متصاعدة ناجمة عن زيادة كبيرة في معدّل البطالة، وبحلول نهاية عام 2008 وبداية عام 2009، فقد أكثر من 20 مليون عاملٍ مهاجر لوظائفهم، هذا بالإضافة إلى 25% من خريجي الجامعات الجدد والذين يبلغ عددهم حوالي 6.1 مليون لم يتمكنوا من إيجاد عمل يناسبهم.

شهدت الصين خلال هذا الوقت موجة عارمة من الاحتجاجات والتظاهرات والإضرابات العمالية، في الوقت الذي حاولت فيه الحكومة الصينية الحفاظ على الاستقرار المحلي، وذلك عن طريق وضع إجراءات احترازية من أجل الحفاظ على استقرار النظام السياسي.

معدل البطالة في الصين..  المصدر Trading economics

بحلول العام الحالي وبعد مرور 10 سنوات على تلك الأزمة، انخفض معدّل البطالة في الصين إلى 3.8 في نهاية العام الماضي، في إشارة إلى استقرار الحكومة الصينية فيما يتعلق بالتوظيف؛ لكن لم يكن هذا هو التطور الوحيد؛ فطبقًا لتوقعات وكالة «بلومبيرغ» الإخبارية قد تصبح الصين هي القوة الأولى في العالم حاليًا، خاصةً فيما يتعلق بالاقتصاد والقوة العسكرية.

يشير التقرير إلى أن الصين تُعد حاليًا أكبر اقتصاد في العالم، بما يتخطى الولايات المتحدة الأمريكية، خاصةً إن نظرنا إلى قيمة الأصول وإنتاجية العامل وأجره مقارنةً بالولايات المتحدة؛ إذ تتقدّم الصين بسرعة مذهلة فيما يخصّ القطاعات التكنولوجية والاقتصادية بدايةً من الذكاء الاصطناعي ووصولًا إلى الاهتمام بالبنية التحتيّة، وهو ما يؤهّلها لأن تصبح القوى العظمى القادمة في العالم، خصوصًا بعد إعلان الرئيس الصيني شي جين بينغ صراحةً رغبة بلاده بأن تقود العالم بحلول عام 2050.

كيف سيصبح شكل العالم حين تصبح الصين القوة الأولى؟

3- بعد 10 سنوات.. أنفلونزا الخنازير تعود من جديد

عام 2009، اجتاح وباء أنفلونزا الخنازير «H1N1» الكثير من دول العالم؛ إذ شهد الفيروس تطوّرًا حديثًا من نوعه ليصل إلى بني البشر، وكان الخوف الأكبر هو أن ينتشر هذا الفيروس بين البشر كما تنتقل الأنفلونزا الموسمية. كانت المكسيك هي الدولة الأولى التي يصل إليها المرض في ثوبه الجديد، ومن ثم اجتاح الولايات المتحدة الأمريكية ومنها إلى الكثير من دول العالم ليصبح وباءً عالميًا عانى الكثيرون من تبعاته والرعب الذي صاحبه خلال العام بأكمله. لم يكن هناك لقاح يحمي من أنفلونزا الخنازير، ولم يكن واضحًا مدى استجابة الفيروس للقاحات المتوافرة ضد مرض الأنفلونزا بأنواعها، إلّا أن الطبيب ريتشارد بيسر قد أعلن بعد ذلك عن إيجاد لقاح يتطابق جينيًا وفيروس الأنفلونزا الجديد قد تم صنعه من قبل المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض، وأن الأمر سيستغرق شهورًا لإنتاج إمدادات كافية للتحصين الجماعي.

مكسيكيون يصلون أثناء انتشار وباء أنفلونزا الخنازير في بلادهم

في عام 2019، أنفلونزا الخنازير تعود من جديد، وكأن الأحداث تعيد نفسها، وتقول الطبيبة برينا وارشاوسكي أن سلالة الأنفلونزا التي قتلت أكثر من 400 كندي خلال وباء 2009 قد عاودت الظهور، إلّا أن ذلك لا يعني إثارة الفزغ والذعر بين الناس؛ إذ إن المجتمع حينذاك لم يكن يملك المناعة الكافية لمواجهة المرض، وهو ما اختلف في السنوات العشر الأخيرة، خاصةً مع هؤلاء ممن حافظوا على تناول اللقاحات الخاصة بالأنفلونزا خلال السنوات الماضية في كل موسم، فتكونت لديهم الآن مناعة قادرة على صد تلك السلالة من الفيروس، مُشيرة إلى أن الإسراع في تناول اللقاح الآن سيساعد على منع تلك السلالة من الظهور في العام القادم.

4- كان الأندرويد ثورة في عالم الهواتف المحمولة

خلال عام 2009، وفي شهر إبريل (نيسان) تحديدًا، تم إطلاق أول نسخة رسمية من برنامج تشغيل الهواتف المحمولة «أندرويد»، وذلك بعد إصدار عدّة نسخ تجريبية، وهو الأمر الذي جرى وصفه بـ«ثورة» في عالم هواتف المحمول؛ إذ جاء هذا الإصدار تابعًا للنجاح الفوري الذي حقّقه جهاز الآي فون «iPhone»، ونظام التشغيل الخاص به «IOS».

كانت الهواتف الذكية تحاول شق طريقها إلى أيدي المستخدمين، وكان هذا الإصدار هو أول أنظمة التشغيل التي تدعم وجود لوحة مفاتيح افتراضية كاملة على الشاشة، وذلك بالإضافة إلى التصحيح التلقائي، ودعم متصفح سريع للإنترنت، وذلك إلى جانب خاصية تسجيل الفيديو وعرضه، وأطلق عليه اسم «Android Cupcake» نسبةً إلى أحد أنواع الحلوى الشهيرة.

في العام الحالي، وبعد مرور 10 سنوات على إطلاق هذا النظام العجيب، أصبحت الهواتف الذكية جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للمستخدمين، وقد سيطر أندرويد على ما يقرب من 85% من سوق الهواتف الذكية، ليصبح المنافس الوحيد لنظام «IOS» والذي تدعمه شركة «آبل» ومنتجاتها. وقد دعمت في العام الأخير كلًا من «آبل» و«أندرويد» خاصيّة بصمة الوجه وبصمة اليد، وتشير بعض التوقعات إلى أننا على وشك ثورة ثانية في عالم الهواتف الذكية والتي سيتغير شكلها تمامًا في المستقبل القريب.

5- السينما ثلاثية الأبعاد في مقابل الـ 4Dx

في عام 2009، أصدر المخرج الأمريكي جيمس كاميرون أحد أكثر أفلامه شهرة على الإطلاق، وهو فيلم «Avatar»، والذي عدّه البعض أحد أهم أفلام الألفية الجديدة، وشاهدًا على ثورة في عالم السينما تشبه تلك القفزة الكبيرة التي صاحبت تحوّل التلفزيون من الأبيض والأسود إلى الألوان. كان استخدام التقنيات ثلاثية الأبعاد هي التي صنعت ضجة هذا الفيلم، وعلى الرغم من أنّه لم يكن الفيلم الأول الذي يستخدم تلك التقنية، إلا أنها لم تلق استحسان الجمهور نظرًا لفقر الصورة أو القصة السيئة. ومن ثمّ أتى فيلم أفاتار بوصفه أول إنتاجٍ ضخم بميزانية بلغت 237 مليون دولار، مما أشار إلى طفرة في استخدام هذه التكنولوجيا في صناعة السينما، وهو ما غيّرها إلى الأبد؛ إذ انتظر كاميرون أكثر من 15 عامًا ليخرج فيلمه إلى النور نظرًا لفقر الإمكانيات التكنولوجية في السنوات السابقة، وبالفعل حقق الفيلم أرقامًا قياسية باعتباره صاحب أعلى إيرادات في تاريخ الفن السابع.

في العام الحالي، وبعد مرور أكثر من 10 سنوات على عرض الفيلم في صالات السينما، لم تعد الرؤية ثلاثية الأبعاد من خلال النظارات هي فقط ما يميز مستقبل السينما؛ إذ اختبر العالم خاصية جديدة وهي الـ«4Dx»: مقاعد متحرّكة ورشّاشات مياه ورياح وروائح مميزة ودخان وومضات وآثار ثلج تُدخلك في جوّ تفاعليّ تعيش معه أحداث الفيلم. إنه المستقبل الآن لما يُطلق عليه «معايشة السينما» بطريقة مادية؛ إذ تم وصفها بأنها الخيار النووي لتجربة سينمائية نووية تغازل الحواس الخمس وتتفاعل معها. وعلى الرغم من أن تلك التقنيات قد ساهمت في إحياء صناعة السينما مرة أخرى، إلا أن التوقّعات تشير إلى مستقبل يحمل ثورة سينمائية جديدة في السنوات القادمة أيضًا، وذلك عن طريق سينما 7D واستخدام تقنية «الهولوجرام» جنبًا إلى جنب، والتي تجعلك تتوهّم أنك ترى الشيء فعلًا على الرغم من عدم وجوده، من خلال صور تجسيمية تعتمد على الموجات الضوئية لن تحتاج معها لأن ترتدي نظارات الرؤية ثلاثية الأبعاد، وسترى بعينيك معنى المعايشة الحقيقي عن طريق أبعاد جديدة لم تخطر على بالك.

إمبراطورية نتفليكس.. كيف ستغيِّر مفهوم السينما وصناعة الأفلام في المستقبل؟

المصادر

تحميل المزيد