هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

لملفات اللوبيات الخاصة بمصر أهميةٌ خاصة، فقد شهدت مصر في العقد الماضي تحولات جذرية في المشهد السياسي الداخلي والتحالفات الإقليمية. ويسعى هذا التقرير للإجابة عن سؤال: ماذا حدث في لوبيات واشنطن في الأعوام الأولى لثورة يناير وخلال العقد الماضي؟

يزيد عدد ملفات مصر عن 220 وثيقة خلال الفترة بين 2010-2020، وترسم صورةً لتحرُّكات الجيش المصري، وتحديدًا المجلس الأعلى للقوات المسلحة، في عام 2011، وتتابع رسم صورة لأنشطة «الثورة المضادة»، وكيف عمل الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي على تلميع صورته وتثبيت حضوره في الولايات المتحدة أمام إدارة أوباما ثم إدارة «صديقه» ترامب، صعودًا حتى اللحظة باستعداده لقدوم بايدن.

وفي هذه الرحلة القصيرة، تكشف ملفات مصر عن المبالغ المدفوعة لهذه الأنشطة، وعن أسماء شخصيات أدارت تواصل الجيش المصري مع الجهات الأمريكية.

صورة عامة.. كيف يبدو اللوبي المصري في واشنطن خلال العقد الماضي؟

تبدأ قراءتنا لملفات مصر منذ أواخر 2009 وبدايات 2010، في تلك الفترة كان لنظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك عقود مع ثلاث شركات كبرى في واشنطن. ومع اندلاع الثورة وخلع مبارك، تابعت هذه الشركات تقديم خدماتها لصالح المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، المعروف اختصارًا بالمجلس العسكري.

Embed from Getty Images

من لافتات المحتجين في ثورة يناير، بتاريخ 29 يناير (كانون الثاني) 2011. 

وتابع المجلس العسكري العمل مع تلك الشركات لمدّة عام، لتنتهي علاقته بها في فبراير (شباط) 2012، بعد شنّ المجلس العسكري لحملات ضد منظمات مدنية أمريكية يعمل فيها ناشطون أمريكيون، تعرّضت على إثرها شركات اللوبيات لضغطٍ إعلامي أمريكي لتقطع علاقاتها مع المجلس العسكري.

وهنا، تُظهر ملفات مصر فجوةً زمنية هامة منذ فبراير (شباط) 2012، بغياب كافة القوى والمؤسسات السياسية المصرية عن عالم اللوبيات، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين والحكومة المصرية برئاسة محمد مرسي.

واستمر هذا الغياب حتى الإطاحة العسكرية به و«مذبحة رابعة» وما تلاها من أحداث وصولًا إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2013، بظهور مصر من جديد في عالم اللوبيات بعقدٍ لصالح الحكومة المصرية.

عمليًّا، كان هذا العقد الأوَّل لصالح «النظام الجديد»، واستمرّ العمل به حتى مطلع عام 2017، وحينها اختلفت الأمور، ودخل جهاز المخابرات العامة المصرية على الخط متجاوزًا وزارة الخارجية المصرية والسفارة المصرية بواشنطن، ووقّع الجهاز ثلاثة عقود مُباشرة باسمه مع شركة ضغط سياسي وشركة علاقات عامة ودعاية، وتوازى فوز دونالد ترامب برئاسة أمريكا مع الدخول الجديد للمخابرات.

«يسقط مبارك».. و«يعيش» المجلس العسكري

لربما يمكن القول إن ثورة 25 يناير هي الحدث المفصلي والجوهري خلال العقد الماضي من تاريخ مصر. فسقوط مبارك بعد حكمه الطويل 30 عامًا فتح المجال أمام قوى عديدة لتدخل الحياة السياسية، والمفارقة أن الجيش المصري كان على أهبة الاستعداد لاستغلال الثورة لتوسيع مساحة نفوذه في المجتمع والدولة المصرية على السواء.

وهنا تأتي عقود نظام مبارك، وجميعها بدأت منذ أغسطس (آب) 2007. تعاقد مبارك – كما ذكرنا – مع ثلاث شركات خدمته ثم تابعت عملها لصالح المجلس العسكري، ويمكنك الاطلاع على خدماتها للمجلس العسكري (بين عامي 2011 و2012) واتصالاتها مع الحكومة الأمريكية بشكلٍ شامل ومفصّل، من هنا.

ثلاث رحلات لوفود من المجلس العسكري بقيادة اللواء محمد العصار، واللواء فؤاد عبد الحليم، واللواء محمد الكشكي، جميعها خلال العام الأول لثورة يناير. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

أمريكيون في خدمة العسكر

أوّل شركة عملت للمجلس العسكري هي «مجموعة ليفينجستون – Livingston Group»، وهي شركة ضغط سياسي كبيرة في واشنطن. عمل لمصر في الشركة بوب ليفينجستون، الجمهوري الذي كان نائبًا في الكونجرس لفترةٍ طويلة وكاد يحصل على منصب المتحدّث باسم الكونجرس (رئيس المجلس) ولكن اعتزل الحياة السياسية عام 1998 إثر فضيحة جنسية، ولكنها فتحت له الباب لدخول عالم اللوبيات.

وفيما يلي أهم خدمات الشركة:

  • نسَّقت الشركة لوفود من المجلس العسكري رحلات لواشنطن وزيارات للكونجرس، بقيادة: اللواء محمد العصار، واللواء فؤاد عبد الحليم.
  • تواصلت الشركة مع جهات عسكرية أمريكية، منها القيادة الأمريكية المركزية، ومكتب القيادة في مصر، وهيئة الأركان الأمريكية.
  • تواصلت الشركة مع البنتاجون، والخارجية الأمريكية، ومجلس الأمن القومي.
  • نسَّقت الشركة زيارات لفايزة أبو النجا، وزيرة التخطيط والتعاون الدولي حينها، ولسامح شكري، سفير مصر بواشنطن آنذاك.
  • إجمالي فاتورة الشركة لعام 2011: 289 ألف دولار أمريكي.
/
صورة من وثائق «مجموعة ليفينجستون»، تُظهر زيارةً لوفد من المجلس العسكري يترأسه اللواء محمد العصار، بصفته مساعدًا لوزير الدفاع آنذاك، محمد حسين طنطاوي. وتظهر أسماء بعض أعضاء الكونجرس الذين اجتمعوا معهم في الزيارة التي استمرت على الأقل ثلاثة أيام: 26 – 28 يوليو (تموز) 2011. ناقش الوفد في الاجتماعات: العلاقات المصرية – الأمريكية، الانتقال السياسي في مصر، والأمن الإقليمي، ومحاولات تعطيل المساعدة الأمريكية للجيش المصري في الكونجرس. المصدر موقع وزارة العدل الأمريكية.

وفودٌ أخرى تزور الكونجرس

الشركة الثانية هي «مجموعة موفيت – The Moffett Group» للضغط السياسي، وهي على اسم مؤسسها توبي موفيت، عضو مجلس النواب الأمريكي السابق.

وفيما يلي أهم ما قدمته الشركة:

  • نسّقت الشركة زياراتٍ لوفود من المجلس العسكري للكونجرس، منها وفد بقيادة اللواء محمد الكشكي، وكان حينها الملحق العسكري المصري بواشنطن.
  • نسَّقت الشركة اجتماعات للخارجية المصرية، بعضها مع ياسر النجار، نائب رئيس البعثة الدبلوماسية بالسفارة المصرية بواشنطن حينها.
  • تواصلت الشركة مع الكونجرس وقدّمت تمثيلًا إعلاميًّا للمجلس العسكري أمام وسائل الإعلام الأمريكية.
  • إجمالي فاتورة الشركة لعام 2011: 277 ألف دولار أمريكي.

مع «جماعة هيلاري»

آخر شركة في قائمة المجلس العسكري هي «مجموعة بوديستا – Podesta Group» وللمجموعة أهمية خاصة نظرًا لعلاقاتها العميقة والواسعة في الحزب الديمقراطي ومع شخصيات عدة في إدارة أوباما.

وأهم علاقات الشركة على الإطلاق تتمثل في «زواجها السياسي» بعائلة كلينتون.

يرأس الشركة توني بوديستا، وأخوه جون بوديستا الذي كان مديرًا لموظّفي البيت الأبيض لبيل كلينتون، وترأس الفريق الانتقالي لأوباما وكان مستشارًا له، وهو أقرب مساعدي هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك.

يمكن لنا أن نصوغ العلاقة بينهما كالتالي: دولارٌ في جيب مجموعة بوديستا يعطيك أذنًا مصغية في خارجية كلينتون.

وهنا معلوماتٌ سريعة عن الشركة وأنشطتها:

  • ضغطت الشركة في الكونجرس لاستئناف المساعدات الأمريكية للجيش المصري بالكامل، وقيمتها مليار و300 مليون.
  • ضغطت الشركة على كبار أعضاء الكونجرس من الحزب الديمقراطي، مثل رؤساء لجان القوات المسلحة والمُخصَّصات، وكلا اللجنتين مسؤولتين عن المساعدات.
  • ضغطت الشركة على رؤساء لجان هامة بمجلس الشيوخ: الاستخبارات، ولجنة المخصصات (مسؤولة عن المساعدات)، ولجنة القوات المسلحة.
  • تواصلت الشركة مع الملحق العسكري الأمريكي في القاهرة، اللواء جوزيف لينجيل، من سلاح الجو الأمريكي.
  • إجمالي فاتورة الشركة لعام 2011: 361 ألف دولار أمريكي.

اضطرت الشركات الثلاث لإنهاء تعاقدها مع مصر في يناير (كانون الثاني) 2012، على إثر مداهمة الأمن المصري لمجموعة من مكاتب منظمات المجتمع المدني الأمريكية العاملة في القاهرة، تتويجًا لحملةٍ طويلة ضدّها خلال العام الأول للثورة. وبعد المداهمات تعرضت الشركات لانتقادات واسعة وحادة من الإعلام الأمريكي لعملها على تبرير ما حصل، وفي هذا السياق يأتي إنهاء التعاقد.

السيسي في القصر.. ورؤساء البيت الأبيض يتغيرون

يمكننا أن نعتبر أنّ إدارة أوباما كان لديها «خلافٌ عابر» مع النظام الجديد في مصر بعد أحداث 3 يوليو 2013.

لم يجتمع الرئيس الأمريكي باراك أوباما ولا مرة مع الرئيس المصري محمد مرسي، وبذلك يكون اجتماعه مع السيسي في 25 سبتمبر (أيلول) 2014 أول اجتماع مع رئيس مصري منذ 2010.

وبعد شهور من الإطاحة العسكرية بمحمد مرسي، وما تلاها من انتهاكاتٍ جسيمة وقتل خارج القانون توّج في «مذبحة رابعة»، أعلنت إدارة أوباما في أكتوبر (تشرين الأول) 2013 تعليقًا «جزئيًا» للمساعدات المُخصَّصة لمصر.

وعلى الرغم من أن هذا التعليق أغضب النظام المصري ودفعه للتحرك بشكلٍ مكثف في الكونجرس، فإنه تعليق جزئي إلى حد كبير، إذ عُلِّق فقط 260 مليون دولار من المعونة المالية، ما يعني أن مليار دولار على الأقل قُدِّمت مساعدات للجيش المصري.

أما الجانب العسكري في التعليق فيشمل إيقاف نقل مروحيات مقاتلة، وصواريخ، وأجزاء لدبابات، ومقاتلات من طراز «إف-16»، ولكن تابعت الولايات المتحدة تقديم أجزاء وذخيرة لأسلحة ومعدات أمريكية أخرى، عدا عن تدريب لطواقم أمنية مصرية في الولايات المتحدة.

وفي النهاية رفعت إدارة أوباما حظر نقل الأسلحة والمساعدات الجزئي في مطلع أبريل (نيسان) 2015.

Embed from Getty Images

من أول اجتماع للرئيس الأمريكي باراك أوباما مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعد الإطاحة بمرسي، الاجتماع بتاريخ 25 سبتمبر (أيلول) 2014. 

وكانت استجابة السيسي لهذه الضغوط مزدوجة: لم يقدّم أي وعود أو ضمانات في ملف حقوق الإنسان أو فتح المجال العام والحياة السياسية، وفي نفس الوقت تابع التعاون الاستخباراتي مع أمريكا وإسرائيل، ليكون مفتاحه للوصول لهذا الاجتماع مع أوباما، الذي منح شرعيةً للسيسي بعد الخلاف الأخير.

وبعد الاجتماع بأقل من عام، في أغسطس (آب) 2015، زار القاهرة جون كيري، وزير الخارجية الأمريكية، برفقة وفد كبير من مسؤولين أمريكيين اجتمعوا مع نظرائهم المصريين لاستئناف «الحوار الاستراتيجي»، وكانت هذه فاتحةً لصفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، وأغلقت معها خلافات الماضي القريب.

ما الذي حصل؟

يقدم محللون أمريكيون تحليلًا لتعامل إدارة أوباما مع السيسي، من أهم هذه التحليلات ما قدمه ديفيد كيركباترك، صحفي «نيويورك تايمز» الشهير الذي أدار مكتب الصحيفة في القاهرة منذ 2011 وحتى 2014، وألف كتاب «في أيدي العسكر»، الذي يتحدث فيه بالتفصيل وبشهادات حيّة عن موقف الإدارة الأمريكية من الثورة في مصر.

يرى كيركباترك أن مواقف الرئيس أوباما من مصر كانت محكومة بصراعٍ بين تيارين مختلفين داخل إدارته. التيار الأول يافع حاول تعديل أصول السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، بالاصطفاف مع مطالب الشعوب لتقويض دعاوى «معاداة الغرب» التي تستعملها الجماعات «المتطرفة».

وعمومًا، يحمل هذا التيار رؤية مختلفة لأمريكا في الشرق الأوسط، تتجاوز الخطوط الحمراء لإسرائيل. فقد ضغط هذا الفريق على أوباما ليمتنع في أول زيارة له للشرق الأوسط عن المرور بإسرائيل، في حين زار تركيا ومصر، وألقى كلمته الشهيرة في جامعة القاهرة بمصر، وألقى كلمةً في البرلمان التركي أيضًا.

التيار الثاني من مسؤولين مخضرمين في الخارجية الأمريكية ومستشارين سياسيين كبار في السن، بالإضافة لوجوه يمينية من البنتاجون و«وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه)» وغيرها من الجهات الأمنية والعسكرية، بعضهم ممن عملوا لاحقًا مع ترامب، كما يشير كيركباترك.

ارتأى التيار الأول أثناء ثورة 2011، أن على أوباما إصدار بيان يؤيد الثورة ويدعو مبارك للتنحّي، أما التيار الثاني «المخضرم» فرأى ضرورة «الصبر» على مبارك، ليصلح الأمور ويخرج من المشهد بهدوء، وبعض وجوهه، مثل جو بايدن، الرئيس الأمريكي القادم، كان موقفها واضحًا لحد الدفاع عن مبارك، وقبل سقوطه بأيام أكّد بايدن على أنه «الحليف الأنسب» لأمريكا، ورفضَ وصفه بالـ«ديكتاتور».

لقاء مع جو بايدن بصفته نائبًا للرئيس الأمريكي باراك أوباما، قبيل سقوط مبارك. 

يزيد من موثوقية هذا التحليل ما قاله روبرت جيتس، وزير الدفاع الأمريكي الأول لأوباما والأخير لجورج بوش، بين عامي 2006 وحتى يونيو (حزيران) 2011، وقد عمل جيتس سابقًا رئيسًا لـ«سي آي ايه».

في حوار معه عام 2016، وصف جيتس أوباما والتيار الأول بأنهم «مثاليون بشكل غير واقعي»، وتوضيحًا لمقصده استشهد بما حصل مع مبارك عام 2011؛ ينقل جيتس اتصالًا مع أوباما قال فيه مبارك: «سأغادر في أكتوبر (تشرين الثاني) 2011، ولن يترشح ابني للرئاسة، وسأعين مكاني نائب الرئيس»، وسيخرج بعدها للتقاعد بشكل نهائي.

جانب من حوار مع روبرت جيتس، وزير الدفاع الأمريكي الأول لأوباما والأخير لجورج بوش الابن، عمل في هذا المنصب منذ 2006 وحتى يونيو 2011.

في هذا المشهد، ضغط جيتس وزملاؤه باتجاه التمهُّل وإعطاء مبارك فرصة، وأيده في ذلك مسؤولون مثل بايدن الذي كان نائبًا لأوباما حينها، ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ورئيس هيئة الأركان مايكل مولن، وجيمس كلابر، مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية.

هذا الفريق كانت له الكلمة العليا بعد الإطاحة العسكرية بمرسي، وببساطة كان امتناع أوباما عن تسمية ما حصل بـ«الانقلاب» موافقةً عملية عليه. ويرى كيركباترك أن هذا الصمت من أوباما مهّد الطريق لترامب، ليتقدم مسافات للأمام ويصف السيسي بـ«ديكتاتوري المفضل».

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. 

أوّل عقود السيسي في واشنطن

هذا العقد عمليًا هو أول عقد للنظام الجديد في واشنطن. وقّعته الحكومة المصرية مع مجموعة «جلوفر بارك – Glover Park Group» في 15 أكتوبر (تشرين الثاني) 2013.

يأتي العقد بعد شهرين من مذبحة رابعة، وقبل شهور من خطوات كبرى في مسيرة السيسي السياسية، التي بدأت لتوّها: أولها الاستفتاء لوضع دستور جديد لمصر في يناير (كانون الثاني) 2014، ثم انتخاب السيسي رسميًا رئيسًا لمصر في يونيو (حزيران) من العام نفسه.

/
جزء من اجتماعات شركة جلوفر بارك لصالح الحكومة المصرية، ويظهر هنا اجتماعها مع النائب الجمهوري ماريو دياز بالارت، من لجنة المخصصات، وقد تواصلت معه الشركة عدّة مرات وهو من رعاة مشاريع قوانين في الكونجرس لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب. ويظهر أيضًا تواصل مع مكتب الشرق الأوسط التابع لمكتب مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي، وهدفه مناقشة العلاقات العسكرية المصرية الأمريكية. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية

تكبّدت مجموعة جلوفر بارك عناء تمثيل حكومة بملف دموي في حقوق الإنسان، ولهذا العناء كان العقد مكلِّفًا، إذ نص العقد على أتعاب قيمتها 250 ألف دولار للشركة شهريًا، وهو مبلغ ضخمٌ في سوق اللوبيات.

وبمقارنته مع ما دفعه المجلس العسكري يتضح الحجم الحقيقي لهذا المبلغ، إذ تجني جلوفر بارك قرابة 3 ملايين دولار سنويًا، في حين أخذت شركات المجلس العسكري الثلاث في عام 2011 فقط 927 ألف دولار.

ركّزت الشركة في أول عامين في الضغط على الكونجرس، وعلى كبار أعضائه من معارضي السيسي، مثل السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام وزميله جون ماكين. وبعد عامين من التواصل المستمر للشركة مع جراهام، استطاعت قلب موقفه ليصبح من مؤيدي السيسي في الكونجرس.

السيناتور ليندسي جراهام (يمين) مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (وسط). مصدر الصورة: اليوم السابع.

نفّذت الشركة حملات ضغط على الكونجرس، ونسّقت رحلاتٍ لأعضاء كونجرس لزيارة مصر للاجتماع بالسيسي وبعباس كامل، الذي صارَ لاحقًا عام 2018 رئيسًا لجهاز المخابرات العامة، وبالإضافة لاجتماعات بوزير الخارجية سامح شكري، وأثمرت هذه الجهود عن تحوُّل في مواقف أعضاء كونجرس آخرين، معظمهم جمهوريّون يُلحون على ضرورة دعم مصر «بغض النظر عن حقوق الإنسان»، لتستطيع مواجهة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» بكامل قواها.

«نريد أن يكون لنا تأثير في ما يحصل في مصر، وهذا يتم بإبقاء المساعدات لا بقطعها»

*أنجوس كينج، سيناتور أمريكي مستقل

سعت الشركة لبناء علاقات للسيسي داخل الكونجرس، وبنت تحالفات مع شخصيات لديها أهداف سياسية تتقاطع مع أهداف السياسي، فتواصلت مثلًا مع أعضاء كونجرس بمواقف متحفّظة من ثورات الربيع العربي وما جلبه من تغيّر سياسي في مصر قد يضر بالأمن الإسرائيلي.

تابعت الشركة عملها المكثّف حتى مطلع عام 2017، وبعد ذلك تلاشى زخمها بدخول المخابرات المصرية لعالم اللوبيات.

وتاليًا بعض خدمات الشركة للسيسي:

  • ربطت الشركة السيسي بأعضاء كونجرس كبار، منهم ديفين نونيز، رئيس لجنة الاستخبارات بالنواب. وليندسي جراهام، رئيس اللجنة القضائية للشيوخ.
  • روّجت الشركة للسيسي في الكونجرس بسردية: إما السيسي أو التطرُّف والإرهاب.
  • تواصلت الشركة مع: وزارة الدفاع، والخارجية، والإعلام الأمريكي، ومراكز بحثية.
  • نسقت الشركة جولات في الكونجرس لسامح شكري، وزير الخارجية المصري.
  • فاتورة الشركة بين عامي 2013-2019: 13 مليون و250 ألف دولار أمريكي، وهو ثمن عال في سوق اللوبيات.

وللإطلاع على كافة تفاصيل أول عقد للسيسي مع جماعات الضغط من هنا.

المخابرات.. للأمام سر والخارجية إلى الخلف

كان ظهور اسم المخابرات العامة المصرية في واشنطن غير مألوف، وأثار انتقادات إعلامية أمريكية أن تستأجر وكالة استخباراتية شركة ضغط سياسي وعلاقات عامة باسمها مباشرةً، بدلًا من استئجار الشركة بواسطة السفارة أو الخارجية المصرية.

وقّعت المخابرات ثلاثة عقود، اثنان منها بتاريخ 18 يناير (كانون الثاني) 2017، أي قبل يومين من دخول ترامب للبيت الأبيض. جميع هذه العقود وقَّع عليها اللواء ناصر فهمي، بصفته مديرًا للشؤون الإدارية في جهاز المخابرات.

/
عقد جهاز المخابرات العامة المصرية مع شركة «أبكو وورلد» للحصول على خدمات إعلامية وخدمات علاقات عامة، ويظهر اسم الجهاز واسم اللواء ناصر فهمي، مدير الشؤون الإدارية بالجهاز آنذاك. مصدر الصورة: موقع وزارة العدل الأمريكية.

اقرعوا أبواب الكونجرس!

تحصّلت المخابرات على خدمات ضغط سياسي من تعاقدها مع شركة «كاسيدي آند أسوشيتس – Cassidy & Associates». ويعمل في الشركة تيري باول، خبير علاقات حكومية كان مسؤولًا عن التنسيق بين البنتاجون والكونجرس في الشؤون التشريعية. ومعه أيضًا راسل توماسون، الذي عملَ 15 عامًا في الكونجرس مع كبار الشيوخ الجمهوريين، ومن أهمهم زعيمهم حاليًا ميتش ماكونيل.

تواصلت الشركة مع أعضاء من الكونجرس باهتماماتٍ مختلفة، بعضهم قلقٌ من الحرب ضد «داعش» وأمن إسرائيل، وآخرون متابعون باهتمام لأوضاع الأقباط في مصر، وآخرون بمواقف أيديولوجية يعملون بشكل مستمر على وضع جماعة الإخوان المسلمين على لوائح الإرهاب الأمريكية.

انتهى هذا التعاقد في 18 أبريل (نيسان) 2018. وفيما يلي موجز أهم أنشطتها للمخابرات:

  • تواصلت الشركة مع زعماء لجان الخارجية، والمُخصَّصات (المسؤولة عن المساعدات)، والقوات المسلحة.
  • استطاعت الشركة التأثير في مواقف أعضاء في الكونجرس ليؤيدوا السيسي.
  • ركّزت الشركة في تواصلها على ملف الأقباط وهجمات «داعش» ضدهم ودور السيسي في حمايتهم.
  • فاتورة الشركة من مطلع 2017 وحتى أبريل (نيسان) 2018: 787 ألف دولار أمريكي.

بناء صورة جديدة للسيسي في واشنطن

العقد الثاني مع شركة «سي أم جي أر بي – CMGRP» وقد ركّزت على بناء صورة «ناعمة» للسيسي في واشنطن، وعلى تحديد صناع القرار الأمريكيين الذين يهم المخابرات المصرية أن يحصلوا على دعمهم. وقدمت الشركة بعض الخدمات السياسية، ولكن عملها الأساسي كان ترويجيًا.

وانتهت علاقة الشركة بالمخابرات في 28 يوليو (تموز) حزيران 2017، لكنّ شركة شقيقة لها تابعت العمل بعقدٍ جديد.

وفيما يلي موجز لأهم أنشطتها للمخابرات:

  • تنسيق زيارة لوفد برلماني مصري لواشنطن، لزيارة الكونجرس والاجتماع مع مراكز بحثية أمريكية.
  • أسَّست الشركة منصة إخبارية باللغة الإنجليزية للدعاية لمصر والسيسي، باسم «مصر للأمام- Egypt Forward».
  • تواصلت الشركة مع مراكز بحثية أمريكية وسعت لنشر مقالات رأي في صحف أمريكية.
  • فاتورة الشركة من يناير (كانون الثاني) وحتى يوليو (تموز) 2017: مليون و194 ألف دولار.

نحو اليمين الأمريكي ومناصري إسرائيل

العقد الثالث متابعةٌ للعقد الثاني، ويعمل على حملات إعلامية وترويجية، تنفذها شركة «أبكو وورلد – APCO WorldWide»، بدءًا من تاريخ 28 يوليو (تموز) 2017.

عدا عن العلاقات الإعلامية، تواصلت الشركة مع مراكز بحثية يمينية ومحافظة، منها المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي، وهو مركز بحثي أمريكي مؤيد بالكامل لإسرائيل.

وتواصلت مع معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وكلا المركزين مقربان من اللوبي المناصر لإسرائيل ومحسوبان على التيار اليميني المحافظ المؤيد لاستخدام الحلول العسكرية في السياسة الخارجية الأمريكية.

وللاطلاع بالتفصيل على تفاصيل عقود المخابرات المصرية من هنا.

بايدن على أبواب البيت الأبيض ومصر تركّز على «الحقوق الدينية»

اقتربت الانتخابات الأمريكية الرئاسية لعام 2020 ومعها انتعشت آمال في أن تُنفِّذ إدارة جو بايدن، حملة ضغط على الأنظمة العربية في ملفات حقوق الإنسان، وأن يضغط بايدن لفتح المجال السياسي ولتوسيع الحريات.

ومثلما تابعت الجماهير العربية الانتخابات الأمريكية باهتمام، تتابعها أيضًا الأنظمة العربية ومن بينها مصر، بحذرٍ وتوجّس من الضيف القادم ليحكم البيت الأبيض.

عُقِدَت الانتخابات الأمريكية في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، ويأتي هذا التعاقد في 9 نوفمبر، أي بعد ستّة أيام فقط من الانتخابات، وبعد يومين من تهنئة السيسي لجو بايدن بفوزه بالانتخابات.

استأجرت مصر شركة «براونستين هايت فاربر شريك – Brownstein Hyatt Farber Schreck»، وهي شركة قانونية تعمل بمجال الضغط السياسي، ووقّع على العقد السفير المصري الجديد في واشنطن، معتز زهران، الذي بدأ عمله هناك في سبتمبر (أيلول) 2020.

قيمة العقد الشهرية 65 ألف دولار، ولا يحوي العقد في بنوده إشارةً لنوعية أو لطبيعة الخدمات التي ستقدمها الشركة بالتفصيل، ويكتفي بذكر أن الشركة ستعمل ممثلةً ومستشارةً للسفارة المصرية وللسفير المصري في واشنطن. ويُورد العقد اتفاقًا بين الطرفين على أن يسافر فريق من الشركة مرةً سنويًا على الأقل لزيارة مصر.

لكنّ الأهمية الحقيقية للتعاقد تكمن في الشخصيات التي ستنفذه، فالمسؤولون عن عمل الشركة لصالح مصر شخصان مفتاحيان، هما: إيد رويس، ونديم الشامي.

رويس هو نائب جمهوري سابق بالكونجرس، لعبَ دورًا هامًا بترأسه لجنة العلاقات الخارجية من 2013 وحتى نهاية 2018، وقد تواصلت معه مصر سابقًا في ظروفٍ مختلفة، منها تواصل في النصف الأخير من عام 2013، ويُذكر أنه رعى بيانًا أثناء أحداث 2013، يدين فيه «فهمَ» جماعة الإخوان المسلمين ومحمد مرسي للديمقراطية، ودعا الجيش للتصرُّف بحذر.

Embed from Getty Images

السيسي مع إد رويس، نائب جمهوري سابق بالكونجرس، كان رئيسًا للجنة الخارجية، في أبريل (نيسان) 2017، من اجتماع للسيسي مع أعضاء اللجنة.

أمّا نديم الشامي فقد عملَ بالكونجرس 25 عامًا، منها 10 أعوام بمنصب كبير موظفي نانسي بيلوسي ومستشارها للاتصالات، وهي المتحدثة باسم الكونجرس وأهم عضو ديمقراطي بالمجلس. في صفحة تعريفية بالشامي على موقع جامعة «جورج تاون»، تذكر أنه يتكلم العربية بطلاقة، ويشير موقع «ميدل إيست آي» إلى أنّ الشامي ترعرع في مصر.

بدأت الشركة عملها سريعًا لصالح مصر، فأرسلت في 9 يناير 2021 وثيقةً من سامح شكري، وزير الخارجية المصرية، لمجموعة نواب في الكونجرس تتحدَّث عن دور مصر الهام في الاستقرار وفي الحرب ضد ما أسمته الوثيقة «الإرهاب العالمي والتطرّف والراديكالية»، وأكّدت الرسالة من الخارجية المصرية على أهمية العلاقات لا بين البلدين فحسب، بل بين الجيشين المصري والأمريكي، وعلى ضرورة التنسيق بين مصر وأمريكا بشكلٍ خاص في ملفات: الصراع العربي الإسرائيلي، وفي ليبيا، وفي سوريا.

وثيقة أخرى تكشف عن جهود الشركة للترويج للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بتاريخ 29 يناير 2021، وزّعت الشركة مادة دعائية باسم وزارة الخارجية المصرية، تتحدَّث عن حقوق المسيحيين واليهود والأقليات الدينية في مصر، وتركّز الوثيقة على «الحقوق الدينية» دون ذكر لأي «حقوق سياسية» للمصريين بغضّ النظر عن انتمائهم الديني، وربما تكون هذه الجهود لتحسين صورة «حقوق الإنسان في مصر»، دون الحاجة لتقديم تنازلات سياسية للإدارة الأمريكية الجديدة.

/
من تعاقد السفارة المصرية في واشنطن مع شركة «براونستين هايت فاربر شريك»، ويظهر في الصورة توقيع معتز زهران، السفير المصري إلى الولايات المتحدة. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

أحمد عز.. رجل أعمال النظام السابق يوظِّف اللوبيات لتصعيد قضيته

أحمد عز، رجل أعمال مصري من الوجوه المقربة لجمال مبارك وعضو في الحزب الحاكم، الحزب الوطني، ومن مؤيدي و«مهندسي» توريث الحكم لجمال مبارك. وتمتع عز بامتيازات اقتصادية خاصة به نتيجة لعلاقاته السياسية الواسعة.

بعد سقوط مبارك بأيام، صدر حكم في 18 فبراير (شباط) 2011 يأمر بالقبض على أحمد عزّ مع مجموعة أخرى من وزراء ومسؤولين حكوميين ورجال أعمال متهمين بالتكسُّب غير المشروع. وفي مارس (آذار) 2013، في فترة رئاسة محمد مرسي، صدرَ حكم على عز بالسجن 37 سنة.

بعد أقل من شهر من اعتقاله، وقّعت ابنته عفاف عقدًا مع شركة «قورفيز كومنيكيشن – Qorvis Communications» للضغط السياسي والعلاقات العامة، لتصعّد قضيته وتعرضها على سياسيين أمريكيين، منهم آدم شيف، زعيم الأقلية الديمقراطية بلجنة الاستخبارات، وتواصلت الشركة مع بعض لجان النواب: الخارجية، والقوات المسلحة.

وشملت جهود الشركة التواصل مع منظمات حقوقية، مثل منظمة العفو الدولية في واشنطن، ومع وسائل إعلام أمريكية منها صحيفة «واشنطن بوست».

ودفعت عفاف 291 ألف دولار في هذا التعاقد حتى انتهائه في 1 مارس (آذار) 2012. لاحقًا في أغسطس (آب) 2014، بعد شهر واحد من الإطاحة بمرسي، أخلي سبيل عز بغرامة قيمتها 100 مليون جنيه مصري. وللقراءة بالتفصيل عن عقد أحمد عز، يمكنك الإطلاع عليها من هنا.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد