«غرق مئة شخص، إثر انقلاب عَبَّارة سياحية، كانت تنقل عوائل إلى جزيرة أم الربيعين السياحية وسط نهر دجلة في منطقة الغابات في الموصل، ثاني أكبر مدن العراق شمال البلاد»

هكذا تناقلت وسائل الإعلام العراقية الخبر، لكن للخبر ظلاله، وللفاجعة أشباحها التي تهوّم في المدينة المنكوبة.

دفن المدنيين أحياء وحرق جثث بالفسفور.. تفاصيل القضاء على آخر جيب لـ«داعش»

نهر دجلة في قبضة الميليشيات

بعد استعادة مدينة الموصل من تنظيم داعش في أكتوبر (تشرين الأول)  2016 عادت المدينة إلى قبضة المليشيات مرة أخرى، وقُسمت المدينة إلى مناطق نفوذ لتلك المليشيات، تأخذ الإتاوات من أهلها، ويتعرض للتغييب القسري أو حتى القتل كل من يعترض على نمط الحياة الذي تفرضه تلك المليشيات.

فمنطقة الغابات في مدينة الموصل تخضع لسيطرة «عصائب أهل الحق» التي يتزعمها قيس الخزعلي، وجزيرة أم الربيعين السياحية وسط نهر دجلة تقع ضمن قاطع هذه المليشيا، حيث توفر لأصحاب العبارات والزوارق الحماية مقابل إتاوات متفق عليها مسبقًا، وهي كما قال الصحفي الموصلي محمد سالم لـ«ساسة بوست» نوعين من الاتاوات: مقطوعة أي مبلغ مالي يؤخذ من إدارة الجزيرة كل شهر. أو نسبة وتعني أن «عصائب أهل الحق» تأخذ على كل فرد نسبة من المبلغ الذي يدفعه للدخول إلى جزيرة أم الربيعين.

يتابع الصحفي محمد سالم لـ«ساسة بوست» ويقول: «إن الحماية التي توفرها تلك المليشيات للقائمين على الجزيرة جعلهم يستهترون بحياة الناس، فهم لا يُسألون عما يفعلون، والعبارة التي تتسع لخمسين شخصًا تحمل أكبر من هذا العدد بضعفين على الأقل».

أما الشاعر الموصلي محمود جمعة، فيقول لـ«ساسة بوست»: «نحن لسنا بخير أبدًا، والموصل ليست بخير منذ أن تحررت، بكينا ولطمنا، لكن القضية ليست جديدة، ليس من أجل غرقى العبّارة فقط، الغرقى هم من استفزوا حزننا العميق، صدقونا يا ناس هذا الحزن قديم ومتراكم منذ زمن، الموصل قبل داعش كانت بيد اللصوص، وبعد التحرير بيد العصابات»

ويستطرد جمعة واصفًا أحوال المدينة: «الموصل تحكمها عصابات، من لا يصدق فليأت ويرى بعينه الدوائر والمؤسسات من يديرها، أكثر من 20 حكومة في الموصل، استولت عليها بعد التحرير، وكل كلمة حق نقولها فهي تعني رصاصة من شخص تافه ينهي حياتك ويجعل عائلتك تتسول في تقاطعات الطرق».

وسائل نقل قديمة وغير مرخصة

العبارة التي غرقت في نهر دجلة قديمة، يعود عمرها إلى بداية ثمانينيات القرن الماضي، وأكثر من ذلك فهي غير مسجلة في شركة الموانئ، وغير مرخصة من قسم التفتيش النهري في وزارة النقل.

هذا بالإضافة الى أن عدد الركاب أكبر بثلاثة أضعاف من طاقة العبارة الاستيعابية؛ كما لا تتوفر فيها معدات السلامة والإنقاذ النهري، من سترات نجاة وغيرها. كذلك الشرطة النهرية في مدينة الموصل لا تمتلك سوى زورق واحد وثلاثة مُنجدين وصلوا إلى مكان الفاجعة بعد نصف ساعة من وقوعها. أما الدفاع المدني فلا يمتلك أي زورق نهري للتعامل مع الحالات الطارئة.

عادة في هذا الوقت من كل عام يرتفع منسوب المياه في نهر دجلة، من جراء ذوبان الثلوج في الجبال التي ينبع منها جنوبي تركيا، كذلك فتح بوابات سد الموصل على نهر دجلة جعل مناسيبه ترتفع إلى مستويات قياسية ساهمت في جعل الغرق أكثر عنفًا وأشد.

في مثل هذه الحالة وعندما يصل تدفق نهر دجلة إلى ألف متر مكعب/الثانية تغلق جزيرة أم الربيعين وتتولى رئاسة لجنة الفيضان -التي تضم مدير الري ومدير البلدية والقائم مقام ومدير الشرطة والدفاع المدني- مهمة مراقبة تدفق النهر وحماية المرافق السياحية من أي غرق محتمل.

لكن ما حدث هذا الربيع هو العكس تمامًا؛ فبالرغم من وصول التدفق المائي إلى 1400 متر مكعب بالثانية إلا أن إدارة الجزيرة امتنعت عن إغلاقها أمام العوائل فحدثت الكارثة.

 

وبحسب أثيل النجيفي محافظ نينوى السابق فـ«غرق الأطفال والنساء الذين كانوا على ظهر عبارة غير مستوفية لشروط السلامة والأمان وفي يوم ارتفاع منسوب المياه؛ ليست قضاء وقدرًا بل هي جريمة قتل غير متعمد ويجب أن يحاسب كل المعنيين بالأمر وفق مواد القتل غير العمد».

بانتظار جثث أبنائهم أمام الطب العدلي

العشرات من ذوي الغرقى يقفون أمام دائرة الطب العدلي في مدينة الموصل، ينتظرون بالحزن والبكاء جثث أبنائهم، يرفعون صورهم في وجه الكاميرات والسماء، ويتساءلون عن القاتل ومن أطلق يده.

عدد القتلى مرشح للزيادة فالتقديرات تشير إلى أن المفقودين يبلغ عددهم 100 شخص على الأقل بينهم نساء وأطفال، وهذا ما دعا رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي إلى فتح سجل التعازي الخاص بضحايا عبارة الموصل في دار ضيافة رئاسة الوزراء ولمدة يومين، كما أعلن الحداد العام في البلاد لمدة ثلاثة أيام وفُتح تحقيق فوري بحادثة الغرق على أن تخرج نتائجه خلال مدة أقصاها 24 ساعة.

وبعد زيارة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي إلى الموصل؛ سارع رئيس الجمهورية برهم صالح للذهاب إلى هناك، في محاولة لمواساة أهالي الضحايا. ترجل من موكبه وعلا صوته أنه واحد منهم؛ ورفع لافتة كُتب عليها «كلا للفساد» لكن ذلك لم يشفع له من غضب المنكوبين، وسرعان ما تخطفه رجال حمايته من أيدي المتظاهرين الذين طالبوه بالرحيل، وهتفوا: «شلع قلع كلكم حرامية».

محافظ نينوى نوفل العاكوب، المتهم بالتستر على العصابات والمليشيات؛ أيضًا أخذ نصيبه من الغضب والحجارة، فما أن وصل إلى تجمع المتظاهرين حتى انهالوا عليه بالشتم وإلقاء الحجارة على مركبته الخاصة وطالبوا بقتله. وخلال هروبه دهس المحافظ ثلاثة من المتظاهرين بعد أن تولى هو بنفسه قيادة السيارة، وعلى إثر ذلك طالب سكان الموصل بإقالته.

الحزن يوحد العراقيين

العراقيون الذي تفرقهم السياسة، يوحدهم الحزن، ففي كل المدن العراقية خرج عشرات الآلاف من المواطنين متضامنين مع سكان الموصل، وأشعلوا الشموع وأقاموا صلاة الغائب على أرواح الغرقى.

التضامن مع كارثة عبارة الموصل لم يقتصر على الداخل العراقي، فقد أعلن الفاتيكان تضامنه مع عوائل الضحايا، واستمطر البابا البركات الإلهية على العراق.

جوجل كان له موقفه من الكارثة أيضًا، ووضع شارة سوداء على صفحته الرئيسية تعبيرًا عن الحزن، أما المنتخب العراقي فقد قرر ارتداء الشارة السوداء خلال لقائه الثلاثاء المقبل مع المنتخب الأردني ضمن «بطولة الصداقة الدولية» المقامة في مدينة البصرة.

فاجعة العبارة أطاحت بمحافظ نينوى، فخلال الأربع والعشرين ساعة الأولى من الكارثة، أصدر رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أمرًا بتشكيل خلية أزمة لإدارة المحافظة وتكون مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة بشكل مباشرة، دون أي تنسيق مع المحافظ الذي أحال رئيس الوزراء قرار إقالته إلى البرلمان العراقي للتصويت عليه.

أما رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي فقد عقد مؤتمرًا صحفيًا في الموصل بعد الحادثة، ووعد أهالي الموصل بأنَّ هذه النكبة ستكون الأخيرة، وسيتخذ البرلمان قرارات تخص ملف الموصل، وأقرَّ بتقصير إدارة المحافظة التي قال إنها بحاجة إلى أشخاص أكفاء لإدارتها.

100 غريق في عيد النوروز.. ما الذي يحدث في العراق؟

 

المصادر

تحميل المزيد