أعلن رجل الأعمال الأمريكي وعمدة نيويورك السابق، مايكل بلومبرج، أنه سوف يدعم حملة المرشح الرئاسي الديمقراطي، جو بايدن، بمبلغ 100 مليون دولار لكي يستثمرها في الفوز بأصوات ولاية فلوريدا الأمريكية.

يبدو الرقم كبيرًا لكونه تبرعًا من فرد واحد للحملة في ولاية واحدة، لا سيما وأن بلومبرج – الذي عاش طيلة حياته جمهوريًا – أنفق نصف مليار دولار على حملته الانتخابية في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، التي انسحب منها بعد نتائجه المخيبة، ليعلن تأييده لجو بايدن من أجل تحقيق الهدف الأهم؛ وهو إزاحة دونالد ترامب من البيت الأبيض في الانتخابات القادمة.

مع كل ذلك، يبقى السؤال الأهم: لماذا هذا المبلغ الضخم للفوز بولاية فلوريدا فقط من بين 50 ولاية أمريكية؟

«من يفوز بفلوريدا يفوز بالانتخابات»

تجرى الانتخابات الرئاسية الأمريكية بشكل مختلف عن أغلب العالم، فلا يفوز بالرئاسة المرشح الذي ينال أكثرية الأصوات الشعبية؛ بل من يحصد أكثرية «المجمع الانتخابي».

دولي

منذ 8 شهور
السر في فوز ترامب.. «المجمعات الانتخابية» التي تفوق أهميتها أحيانًا أصوات الأفراد

يتكون المجمع الانتخابي من 538 عضوًا، موزعين على كل ولاية طبقًا للمساحة الجغرافية والتعداد السكاني للولاية؛ وأكثر الولايات حصولًا على مندوبين هي ولاية كاليفورنيا بـ55 مندوبًا، وأقل الولايات هي فيرمونت وديلاوير ومقاطعة كولومبيا بثلاثة مناديب لكل منهما.

في أغلب الولايات، المرشح الذي يحصل على أغلبية أصوات الناخبين في الولاية؛ يفوز بكافة أصوات مناديب الولاية نفسها في الانتخابات الرئاسية، وبما أن عدد أعضاء المجمع الانتخابي هو 535؛ فإن المرشح الذي يريد الفوز بالانتخابات يجب أن يحصل على أصوات 270 مندوبًا.

بعض الولايات الأمريكية تقوم بالانتخابات لاختيار ممثليها في مجمعها الانتخابي، فيصوت الناخب الأمريكي في هذه الولايات على الرئيس ونائبه المفضلين، بالإضافة إلى من يريده أن يمثله في المجمع الانتخابي. إلّا أنّه في غالب الولايات الأمريكية، يرشح الحزبان، الديمقراطي والجمهوري، قائمة ممثلين عنهما في المجمع الانتخابي لكل ولاية، وتفوض الولاية هذه الشخصيات لتمثيلها، في حال فوز المرشح بغالبية التصويت الشعبي في الولاية.

لكن يبقى السؤال: ما هي أهمية فلوريدا في كل هذا؟

بحسب مقولة شهيرة تتردد في كل انتخابات أمريكية، «من يفوز بفلوريدا يفوز بالانتخابات»، وذلك لسببين مهمين؛ الأول هو أن ولاية فلوريدا من أكبر الولايات الأمريكية من حيث المساحة والتعداد السكاني؛ ولذلك تمتلك 29 عضوًا من أعضاء المجمع الانتخابي، وهو رقم كبير كاف لترجيح كافة أي مرشح في سباق الانتخابات.

السبب الثاني و الأهم، أن ولاية فلوريدا تعرف بأنها من الولايات «المتأرجحة»؛ وهي الولايات التي ليس لها هوية سياسية ثابتة ويمكن أن تختار مرشحًا جمهوريًّا أو ديمقراطيًّا في انتخابات مختلفة، على عكس ولايات أخرى ثابتة، مثل ولاية كاليفورنيا التي تصوت غالبًا لمرشح ديمقراطي، وولاية تكساس التي تصوت لمرشح  جمهوري دائمًا.

يذكر أن جورج بوش وأوباما فاز كلاهما بولاية فلوريدا في انتخابات الفترة الرئاسية الأولى والثانية، وكذلك في انتخابات 2016، فاز ترامب في فلوريدا، وفاز بالانتخابات وأصبح الرئيس الـ45 للولايات المتحدة.

سيناريو انتخابات عام 2000

في عام 2000، كانت الانتخابات الرئاسية الأمريكية في منتهى الشراسة بين آل جور، المرشح الديمقراطي ونائب الرئيس الأمريكي وقتها بيل كلينتون، وفي الناحية الأخرى جورج بوش الابن، حاكم ولاية تكساس والمرشح الجمهوري.

كان الديمقراطيون وقتها يتمتعون بشعبية عالية؛ لا سيما وأن بيل كلينتون الديمقراطي، تمكن من إقصاء جورج بوش الأب في انتخابات عام 1992، بعد فترة رئاسية واحدة فقط، وفاز بفترة رئاسية أخرى عام 1996، وكانت استطلاعات الرأي كلها تشير لفوز آل جور بالانتخابات.

في يوم الانتخابات، كانت النتائج تشير بالفعل إلى فوز آل جور، إذ تمكن من الفوز بعدد كاف من الولايات مكنه من الحصول على 266 مندوبًا، وتبقى له أربعة مناديب فقط للفوز بالانتخابات، وفي الناحية الأخرى حصل جورج بوش الأبن فقط على 244، لكن عملية فرز الأصوات في ولاية فلوريدا لم تكن انتهت حتى ذلك الحين.

Embed from Getty Images
صورة تجمع آل جور، المرشح الديمقراطي في انتخابات 2000، مع جورج بوش الابن، المرشح الجمهوري.

ومع اقتراب نهاية عملية الفرز،  أعلنت الكثير من شبكات التلفزيون الأمريكي، من بينها «سي إن إن»، أن آل جور هو المرشح الفائز بفلوريدا، وبدأت بالفعل الاحتفالات في مقر حملة آل جور وفي كل مكان آخر تابع للحزب الديمقراطي، ولكن حملة جورج بوش كانت تصر أن عملية فرز الأصوات في فلوريدا لم تنته، وأنهم الأقرب للفوز بالولاية والفوز بالانتخابات.

انتهت عملية الفرز في اليوم التالي، حين أعلنت وزيرة خارجية ولاية فلوريدا فوز جورج بوش بأصوات الولاية بفارق 900 صوت فقط، مما دفع حملة آل جور الانتخابية إلى طلب إعادة فرز الأصوات يدويًّا، لا باستخدام ماكينات الاقتراع، لأن النتيجة كانت قريبة جدًا، وعلى الرغم من مماطلة إدارة الولاية التي كان يحكمها جيب بوش الأخ الأصغر لجورج بوش، إلا أن المحكمة الدستورية في الولاية حكمت بإعادة فرز الأصوات.

في اليوم الثاني من إعادة التصويت، اكتشف القائمون على الانتخابات أن مدينة واحدة تضم 29 ألف صوت باطل احتُسبت ضمن الأصوات الصحيحة، وهنا قررت حملة جورج بوش الذهاب إلى المحكمة الدستورية العليا الأمريكية التي تضم خمسة أعضاء من الحزب الجمهوري من أصل تسعة أعضاء، وطالب جورج بوش المحكمة بوقف إعادة الفرز في ولاية فلوريدا، لأنه لا يحمي خصوصية الاقتراع للمواطن الأمريكي.

بعد 20 يومًا، اجتمع الأعضاء التسعة للمحكمة الدستورية لاتخاذ قرارهم، وانتهى الاجتماع بتصويت خمسة أعضاء لصالح حملة جورج بوش، وأوقفت عملية إعادة فرز الأصوات في الولاية، ومن ثم أعلن جورج بوش فائزًا بالانتخابات الأمريكية عام 2000.

دولي

منذ 3 شهور
كيف سيتعامل جو بايدن مع أبرز حلفاء أمريكا العرب إذا أصبح رئيسًا؟

في المجمل، تشير الكثير من استطلاعات الرأي أن جو بايدن هو الأقرب للفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة، فهو متقدم في الاستطلاعات القومية بفارق سبع نقاط كاملة عن ترامب، وبفارق نقطتين عنه في ولاية فلوريدا، لكن نتيجة انتخابات عام 2016 علمتنا ألا نثق في استطلاعات الرأي دائمًا وأن ننتظر النتيجة الحقيقة بعد غلق صناديق الاقتراع وفرز الأصوات وإعلان الفائز.

في الوقت نفسه، يبدو أن كل مرشح من المرشحين حسم الولايات التي سوف يحصل عليها في الانتخابات القادمة، وأن الصراع على أصوات الولايات هدأ بشكل كبير، بينما لا تزال المعركة مشتعلة على ولاية فلوريدا، إذ زارها دونالد ترامب ثلاث مرات في الشهرين الماضيين فقط، ويخطط لزيارة رابعة قريبًا، والآن، يضخ الديمقراطيون 100 مليون دولار من أجل التخطيط لحملة دعائية ضخمة في الولاية خلال الشهرين القادمين.

لكن علينا جميعًا أن ننتظر حتى الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) القادم حتى نعرف بالتأكيد من الفائز بفلوريدا، ومن سوف يفوز بالانتخابات.

المصادر

تحميل المزيد