لطالما كان كوكب المريخ منذ عقود موضوعًا خصبًا للمخيلة البشرية، فنسجت حوله الأساطير وتعددت التكهنات بما يحتضنه هذا الكوكب الأحمر، وظل غامضًا تمامًا عن الإنسان لمئات السنين، إلى أن نزلت المركبة الفضائية الأمريكية “كيريوزيتي” على سطحه في 2012، ومنذ ذلك الحين أصبحنا نتلمس شيئا فشيئا حقيقة هذا الكوكب.

كان آخر ما كشفته وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) عن كوكب المريخ، تدفق مياه سائلة بشكل موسمي على سطحه، مما يعني أن هذا الكوكب ليس قاحلا كما كنا نعتقد، ولا يستبعد العثور على أشكال ما من الحياة على سطحه، أو على الأقل إمكانية تكييف حياة الإنسان فوقه.

 

ولحسم هذا الجدل حول طبيعة هذا الكوكب المثير الفضول، قررت ناسا إرسال بعثة من رواد الفضاء نحو المريخ في حدود عام 2030، ويبدو أن الاستعدادات لهذه المهمة الاستثنائية في تاريخ البشر ككل جارية على قدم وساق.

لكن كالعادة دائما ما تحاول سينما “الخيال العلمي” مسابقة العلم في ابتكاراته واستكشافاته، فقبل بضعة أيام قدمت لنا هوليوود بالتعاون مع الناسا عملا سينمائيا شيقا يحاكي كيف ستكون الحياة على سطح كوكب المريخ، بعنوان «the martian» بمعناه “المريخي”.

الفيلم يحكي عن مجموعة رواد فضاء قاموا برحلة إلى سطح كوكب المريخ، الذي يعج بالرياح، فاضطرت البعثة إلى المغادرة من دون صديقهم ظنا منهم أنه قد مات، ليجد الرائد “مارك واتني” نفسه وحيدا على سطح كوكب قاحل من عناصر الحياة، ما جعله يعتمد على ما بحوزته من علم وهندسة للبقاء حيا.

حاول الفيلم على غرار «interstellar» احترام الحقائق والقواعد العلمية ما أمكن، وقد قدمت ناسا من خلال هذا الفيلم عشر تقنيات أكدت في موقعها الرسمي أنها ستعتمدها في رحلتها القادمة إلى سطح المريخ. لنتعرف عليها.

 

1- السكن

بعد أن وجد رائد الفضاء “مارك واتني” نفسه على سطح المريخ وحيدا تائها، دخل كبسولة سكنية قابلة للحياة، ونفس الشأن سيحتاجه رواد الفضاء الذين سيحطون على المريخ في العقد القادم، فهم سيحتاجون إلى “سكن حي” لتفادي قضاء كل أوقاتهم في العراء مرتدين البدلة الفضائية.

وبالفعل تطور ناسا في مقر جونسون للفضاء نموذج Hera، الذي سيوفر سكنا مريحًا لسفراء البشرية إلى المريخ، السكن سيكون مزودًا بغرف ومساحات للعمل ونظام صرف صحي متطور وميزات أخرى، وهو كاف إلى حدود الساعة لقضاء 14 يومًا مريخيا، والعمل جارٍ لتمديد المدة إلى 60 يومًا.

 

2- الزراعة

يستطيع رواد الفضاء بالمحطة الفضائية الدولية العيش بفضل المؤونة والحاجيات التي يتم تزويدهم بها بشكل دوري، إلا أن الأمر لن يكون بنفس السهولة لدى البعثة التي ستحط على سطح المريخ، فالمركبة التي ستنقل لهم الغذاء لن تصل إليهم إلا بعد تسعة أشهر، لذا فعليهم إنتاج غذائهم بأنفسهم، كما فعل الرائد في الفيلم الذي أنشأ ضيعة مخبرية بتوفير ظروف مناخية وبيولوجية مناسبة لنمو البطاطس.

الزراعة في الفضاء أحد الجوانب التي توليها أبحاث الفضاء بوكالة ناسا والوكالات الأخرى أهمية قصوى، باعتبارها ضامنًا للوجود البشري خارج الأرض، ويتم تجريب نظام «Veggie» داخل المحطة الفضائية الدولية، وهو نظام يعتمد على الإضاءة بالأضواء الحمراء والزرقاء والخضراء لمساعدة النباتات على النمو في وسائد صناعية.

 

3- الماء

لا يمكن إرسال الماء لرواد الفضاء الراحلين إلى المريخ نظرًا لبعد المسافة، وبالتالي فإن عليهم إيجاد طريقة ما لتوفير الماء كما فعل بطل الفيلم لتفادي الموت عطشًا.

في المحطة الفضائية الدولية، يتم معالجة كل قطرة ماء، عرق، دموع، وحتى بول ليتم استعمالها من جديد، وذلك بواسطة نظام Wrs. لكن رواد الفضاء هناك ما كانوا ليحققوا رغم ذلك اكتفاء ذاتيا في الماء لولا المؤونة التي ترسل لهم، وبالتالي يلزم حل لهذه المعضلة.

تعكف ناسا حاليًا على تطوير تكنولوجيا جديدة لتوليد ماء كاف لبقاء البعثة على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة، وبعد اكتشاف آثار المياه هناك فربما تكون المهمة أسهل.

 

4- الأكسجين

السكن، الأكل، الشرب، كلها عناصر ضرورية للحياة، لكن الأكسجين عنصر ليس فقط مهمًّا وإنما عاجل أيضًا، وهواء كوكب المريخ لا يناسب رئة الإنسان، وبالتالي يلزم طريقة لتوفير الأكسجين لتستطيع البعثة البقاء هناك.

يعتمد رواد الفضاء بمحطة الفضاء الدولية نظامًا خاصًّا للتزود بالأكسجين من الماء فقط، وذلك عبر تقنية التحليل الكهربائي التي تستخلص ذرات الهيدروجين والأكسجين المكونتين لجزيء الماء. وهو أمر سهل حينما يكون الماء متوفرًا، الأمر الذي قد لا يكون بالمريخ.

وعلى منوال الرائد في فيلم the martian الذي استعمل تقنية تنتج الأكسجين انطلاقا من انبعاثات أكسيد الكربون، تعكف ناسا حاليا على تطوير جهاز قادر على استخراج الأكسجين من ثاني أكسيد الكربون في الظروف الجوية المريخية، بالاستعانة ببيانات نتائج التحليلات الكهربائية التي تجريها المركبة كيريوزيتي على سطح المريخ هناك.

 

5- البدلة الفضائية


مناخ المريخ لا يناسب أجسادنا، فحرارته منخفضة وهواؤه لا يصلح للتنفس، ما يحتم على رائد الفضاء ارتداء بدلة خاصة لتمكينه من الخروج من كبسولته السكنية لإصلاح عطب ما أو جمع عينة أو حتى مجرد التجول. وكما حدث مع البطل في الفيلم فقد كانت البدلة سببًا في إنقاذ حياته وتمكينه من الخروج.

يعمل مهندسو الناسا على تصميم بدلة فضائية ملائمة لمناخ المريخ القاسي، بحيث تجمع بين الخفة والليونة والقوة لتتحمل الحوادث الفجائية، ومزودة بالأدوات التقنية اللازمة، وتصمد أمام الغبار الكثيف لمناخ المريخ، كل ذلك من أجل تسهيل حياة البعثة التي ستزور الكوكب الأحمر.

 

6- العربة الفضائية

ستضطر البعثة التي ستصل المريخ أولا إلى البقاء على سطحه سنة أو أكثر، ريثما يتحرك الكوكب الأحمر في مداره ليصل إلى أقصر نقطة تمكنهم من العودة إلى الأرض، وهي فترة كافية لاستكشاف خبايا هذا الكوكب. وحتى تكون المهمة أكثر نجاحًا، يتطلب استعمال عربات للتجول على السطح لمسافات أبعد كما فعل “واتني” في الفيلم.

تشتغل ناسا في الوقت الحاضر لتطوير عربة MMSEV، ستكون قادرة على التحرك بسرعة وتتحمل تضاريس سطح المريخ، وتولد تدفئة ذاتية لمحركها أثناء الليل حيث درجات الحرارة منخفضة لتتمكن العربة من السير.

 

7- المحرك الأيوني

المركبة الفضائية التي سافرت بالطاقم من الأرض نحو المريخ في فيلم “المريخي”، كانت مزودة بمحرك أيوني، وهو نوع من المحركات يستعمل في المسابير الفضائية، يعمل بطريقة حزم أيونات تندفع بواسطة حقل كهربائي قوي ومن ثم تخرج بقوة دفع أيوني مما يجعل المسبار الفضائي يتحرك في الاتجاه المضاد.

وستستخدم ناسا في رحلتها القادمة إلى المريخ محركًا أيونيًّا مطورًا، حيث توفر الأيونات قوة دفع كبيرة بالرغم من كتلتها البسيطة وتدوم فترة طويلة، لذلك المحركات الأيونية مفضلة في المسابير الفضائية عامة عن الصواريخ الاشتعالية.

 

8- الألواح الشمسية

ليس هناك مصدر للطاقة في الفضاء غير الشمس، وهي ميزة قوية تساعد الرحلات الفضائية بشكل كبير.

استعمل “واتني” الألواح الشمسية لتوفير حاجاته الطاقية. وبمحطة الفضاء الدولية تمتد أربعة ألواح شمسية كبيرة، تنتج ما يقارب 84 إلى 120 كيلووات من الطاقة الكهربائية، وهي كمية كافية لتغطية ما يقارب حاجيات 40 منزلا، ومن ثم تحقق اكتفاء طاقيا لإدارة مهامها.

لا توجد مشكلة مع عنصر الطاقة الذي سيحتاجه رواد الفضاء بالمريخ لإدارة أمورهم، حيث ستوظف الألواح الشمسية في الرحلة المقبلة نحو المريخ.

 

9- بطارية مشعة Rtg

اعتمدت ناسا منذ أكثر من عقد من الزمن، في معظم بعثاتها الاستكشافية لنظامنا الشمسي؛ على بطاريات النظائر المشعة، وهي تستعمل لتوليد التيار الكهربائي عن طريق الحرارة الصادرة عن النشاط الإشعاعي. وظفها “واتني” في الفيلم للتنقل بعربته على سطح المريخ.

تكمن أهمية هذه التقنية في أنها تولد طاقة قوية وتدوم لعقود.

 

10- المركبة أوريون

أوريون هي أجدد المركبات الفضائية المأهولة وأكثرها تطورًا لوكالة الفضاء الأمريكية، وهي المركبة التي تعول عليها ناسا لنقل رواد فضاء إلى سطح المريخ، ستقوم مقام مركبة هيرمس في فيلم “المريخي”.

المركبة أورويون مزودة بدرع واق قادر على الصمود في درجة حرارة تذيب المفاعلات النووية، وستنطلق إلى الفضاء على متن أقوى صاروخ صنعته ناسا SLS))، مزودة بكل التجهيزات والتقنيات لتمكين رواد الفضاء داخلها من البقاء على قيد الحياة وأداء مهامهم الاستكشافية في الرحلات البعيدة.

وقامت المركبة أوريون العام الماضي برحلة تجريبية سافرت خلالها 3600 ميل في الفضاء، وعادت إلى الأرض بعد أربع ساعات ونصف، وسقطت في المحيط الهادي، وحققت التجربة نتائج جيدة كما أكدت ناسا، ويجري حاليا تطويرها أكثر، بناء على بيانات الرحلة التجريبية.

ستقوم بأول رحلة مأهولة لها في سنة 2017، حيث سترسل ناسا أربعة رواد فضاء إلى الجانب المظلم من القمر، وسيتم الاعتماد عليها في الرحلة الاستثنائية لأول كائنات بشرية ستطأ سطح المريخ خلال العقد القادم.

اقرأ أيضا: كوكبنا معرض للفناء.. هذه هي أبرز مشاريع إنقاذ الحياة البشرية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد