لا تفشل الدول بين عشية وضحاها.. بل تُزرَع بذور دمارها عميقًا هناك في قلب مؤسساتها السياسية.

بعض الدول يكون فشلها مدويًّا، مع انهيار مؤسساتها بالكامل؛ كما حدث في أفغانستان بعد الانسحاب السوفييتي وإعدام الرئيس محمد نجيب الله، أو أثناء الحرب الأهلية التي دامت عقدًا من الزمن في سيراليون، واختفت أثناءها الحكومة من الوجود.

لكن معظم الدول لا تنهار بالضربة القاضية، ولا تفشل بسبب الحرب والعنف، بل بعجزها عن الاستفادة من الإمكانيات الكبرى الكامنة في مجتمعاتها من أجل تحقيق النمو؛ ما يؤدي إلى إفقار مواطنيها حتمًا، وهذا الطراز من الفشل البطيء يجعل الفارق بين مستويات المعيشة في العديد من بلدان إفريقيا – جنوب الصحراء – وآسيا وأمريكا اللاتينية وبين مثيلاتها في أمريكا كما بين المشرقين.

المأساويّ أن هذا الفشل سابق التجهيز؛ فما انهارت هذه الدول إلا لأنها تحكمها مؤسسات تدمر الحوافز وتثبط الابتكار وتستنزف مواهب مواطنيها وتسلبهم الفرص، وهذه المؤسسات لم تتبوأ مكانتها اعتباطًا، بل عن قصد؛ للحفاظ على مصالح النخب التي جنت الكثير (معادن ثمينة، وعمل قسري، واحتكارات محمية) على حساب المجتمع، مستفيدين من المؤسسات السياسية المزورة.

لكن الدول المبنية على الاستغلال لا محالة فاشلة، ونظامها الفاشل ساقطٌ حتمًا، وهي غالبًا ما تؤدي إلى معاناة رهيبة، وفي ضوء الإحصائيات السنوية المأساوية في هذا السياق، نستعرض 10 طرق توضح كيف يحدث ذلك:

كوريا الشمالية: غياب حقوق الملكية

المؤسسات الاقتصادية في كوريا الشمالية تجعل التملك شبه مستحيل على المواطنين، بينما تملك الدولة كل شيء، بما في ذلك تقريبًا جميع الأراضي ورأس المال، وتُنَظَّم الزراعة عن طريق المزارع الجماعية، ويعمل الناس لدى الحزب الحاكم؛ ما يدمر الحافز لتحقيق النجاح، وهكذا لم تفشل كوريا الشمالية فقط في النمو الاقتصادي، مقارنة بما أحرزته كوريا الجنوبية، لكن شعبها فشل حرفيًّا في الازدهار، ولأنه محاصرٌ في هذه الدورة المهلكة؛ لم تقتصر الآثار السلبية على كونه أفقر من شعب كوريا الجنوبية، بل أيضًا أصبح أقصر 3 إنشات من جيرانه على مدى العقود الستة الماضية.

أوزبكستان: العمل القسري

الإكراه وسيلة مؤكدة للفشل، وحتى وقت قريب في نطاق التاريخ البشري كانت معظم الاقتصاديات تستند إلى إكراه العمال، عبر قائمة من الإستراتيجيات الممتدة بطول المجتمعات التي تعتمد عليها، وهذه السخرة مسئولة أيضًا عن نقص الابتكار والتقدم التقني في معظم هذه المجتمعات، بدءًا من روما القديمة إلى جنوب الولايات المتحدة.

أوزربكستان الحديثة خير مثال على هذا الماضي المأساوي، ففي سبتمبر مع نضوج القطن – الذي هو من بين أكبر صادراتها – تصبح المدارس خاوية على عروشها من طلابها الذين يجبرون على جمع القطن، ويكلفون بحصة يومية تتراوح بين 20 إلى 60 كجم تبعًا لسنهم، وهكذا تتحول المدارس إلى شركات توظيف، والمدرسون إلى ملاحظي عمال، والمستفيد الرئيسي من هذا النظام هو الرئيس إسلام كريموف وأعوانه، الذين يسيطرون على إنتاج وبيع القطن، أما الخاسرون فليس فقط 2.7 مليون طفل أجبروا على العمل تحت وطأة ظروف قاسية في حقول القطن بدلاً من الذهاب للمدرسة، ولكن أيضًا كل المجتمع الأوزبكي الذي فشل في الخروج من مستنقع الفقر، ولم يختلف نصيب الفرد فيه كثيرًا عما كان عليه عندما انهار الاتحاد السوفييتي- وهو ما لا ينطبق بالطبع على عائلة كريموف، المهيمنة على التنقيب عن النفط والغاز المحليين.

جنوب إفريقيا: غياب تكافؤ الفرص

في عام 1904، دَشنت صناعة التعدين في أإريقيا الوسطى نظامًا طبقيًّا للوظائف، احتكر الأوروبيون بموجبه صناعات الحدادة والحجارة والغلايات، أو قل: كل الوظائف والمهن، وهو الاحتكار الذي زحف بأنيابه على الاقتصاد بأكمله في عام 1926 واستمر حتى الثمانينيات، ومن المثير للدهشة أن جنوب إفريقيا فشلت إبان الفصل العنصري في تحسين مستوى معيشة 80% من السكان لمدة قرن تقريبًا، ولمدة 15 عامًا قبل انهيار نظام الفصل العنصري، أصيب الاقتصاد في جنوب إفريقيا بالانكماش، لكن منذ عام 1994 وظهور دولة ديمقراطية، بدأ الاقتصاد ينمو باستمرار.

مصر: جشع الكبار

عندما تتحكم النخبة في الاقتصاد، فإنهم غالبًا ما يستخدمون قوتهم لبناء سور من الاحتكار لمنع دخول الأشخاص والشركات الجديدة، وهذا بالضبط ما شهدته مصر على مدى ثلاثة عقود في ظل حكم مبارك، حيث كانت الحكومة والجيش يملكون جزءًا كبيرًا من الاقتصاد، يصل إلى 40% حسب بعض التقديرات، وعبر الخصخصة استقرت أجزاء كبيرة من الاقتصاد في أيدي أصدقاء مبارك وابنه جمال، وكان رجال الأعمال المقربين من النظام؛ أمثال أحمد عز (الحديد والصلب) وعائلة ساويرس (الوسائط المتعددة، والمشروبات، والاتصالات السلكية واللاسلكية) يتلقون الحماية ليس فقط من الدولة ولكن أيضًا من خلال العقود الحكومية والقروض المصرفية الكبيرة دون حاجة لتقديم ضمانات، وبينما أفرزت سيطرة هؤلاء “الحيتان” على الاقتصاد أرباحًا مذهلة لرجال النظام، حُرمت غالبية المصريين من الفرص، وبالتالي إمكانية الخروج من الفقر، وفي الوقت ذاته تراكمت لدى عائلة مبارك ثروة هائلة تقدر بـ 70 مليار دولار.

النمسا وروسيا: النخبة تمنع التكنولوجيا الجديدة

للتكنولوجيا الجديدة تأثير مدمر للغاية، فهي تطيح بنماذج الأعمال القديمة، وتجعل المهارات والمنظمات القائمة منتهية الصلاحية. إنها لا تعيد توزيع الدخل فقط، ولكن أيضا السلطة السياسية؛ ما يعطي النخب حافزًا قويًّا لمحاولة وقف مسيرة التقدم، وهذا جيد بالنسبة لهم، لكنه ليس في صالح المجتمع. من أجل ذلك رفض فرانسيس الأول، إمبراطور النمسا، الذي كان لا يزال مسكونًا بشبح الثورة الفرنسية عام 1789، مقترحًا لبناء السكك الحديدية؛ خوفًا من أن يسهل ذلك قدوم الثورة إلى البلاد. وهو الشيء ذاته الذي حدث في روسيا حتى ستينيات القرن الثامن عشر، حين حُظِرَت التكنولوجيا الجديدة، لتأمين النظام القيصري مؤقتًا والنتيجة أن النمسا وروسيا فشلتا في تحقيق النمو السريع الذي أحرزته بريطانيا والولايات المتحدة، اللتين كانت السكك الحديدية منتشرة في أنحائهما خلال القرن التاسع عشر.

هناك قصة لطيفة يحكيها التاريخ: في أربعينيات القرن الثامن عشر، كانت بريطانيا الصغرى مهووسة بمد خطوط السكك الحديدية لما يربو عن 6 آلاف كيلومتر، بينما كان هناك خط حديدي واحد يمر عبر روسيا العظمى، وحتى هذا لم يكن لصالح الشعب الروسي بل مُدَّ بطول 17 كم من سانت بطرسبرج إلى مساكن القيصر الإمبراطورية في تسارسكوي سيلو وبافلوفسك.

الصومال: غياب القانون والنظام

الاقتصاد الناجح بحاجة إلى دولة مركزية فعالة، وبدونها يتبخر الأمل في توفير النظام، وتطبيق منظومة قانونية فاعلة، وآليات لتسوية النزاعات، أو حتى السلع العامة الأساسية. ورغم أن بلدانًا مثل الصومال، وجنوب السودان الوليد، لديها حكومات معترف بها دوليًّا، إلا أنها نادرًا ما تمارس سلطاتها خارج حدود العاصمة، وربما حتى داخلها. إنه بناءٌ قوامه العشائر، وآفته فقدان السيطرة على النظام وعدم القدرة على إنشاء مجموعة من القوانين أو القواعد المحترمة على الصعيد الوطني، وبالتالي فلا ضرائب ولا إنفاق حكومي ولا إداريين ولا شرطة ولا محامين، أو بعبارة أخرى: لا حكومة. وهكذا أضحى هناك ما يطلق عليه قانون الصومال: بدون دولة مركزية، لا يمكن أن يكون هناك قانون ونظام، وبدون قانون ونظام، لا يمكن أن يكون هناك اقتصاد حقيقي، و بدون اقتصاد حقيقي، فإن الدولة محكومٌ عليها بالفشل.

كولومبيا: ضعف الحكومة المركزية

كولومبيا ليست الصومال، لكن ثمة تشابه يكمن في أن الحكومة المركزية غير قادرة، أو غير راغبة في ممارسة الرقابة على شطر البلاد الواقع تحت هيمنة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) اليسارية، وعلى نحو متزايد القوات شبه العسكرية اليمينية. وغياب الدولة في معظم أجزاء البلاد لا يؤدي فقط إلى نقص الخدمات العامة مثل الطرق والرعاية الصحية، ولكن أيضًا لعدم وجود حقوق ملكية مؤسسية واضحة المعالم. ورغم أن ذلك لا يمنع الناس من بيع وشراء الأراضي، فإنه يقوض أي حافز للاستثمار، هذا إلى جانب أن عدم اليقين في كثير من الأحيان يؤدي إلى العنف، والنتيجة أن أجزاء كبيرة من كولومبيا تفشل في المشاركة في الأنشطة الاقتصادية الحديثة، وتقبع في مستنقع الفقر، ناهيك عن تحولها لملاذات خصبة للمتمردين المسلحين والقوات شبه العسكرية من اليسار واليمين.

بيرو: سوء الخدمات العامة

كالكا وأكومايو مقاطعتان متجاورتان في أعالي جبال بيرو، يسكن كلاهما أحفاد حضارة الإنكا الذين يتحدثون الكويتشوا، وكلاهما يزرع المحاصيل ذاتها. لكن أكومايو أكثر فقرًا، ويستهلك سكانها أقل مما يستهلكه نظراؤهم في كالكا بحوالي الثلث. الناس يعرفون هذا، وفي أكومايو، يسألون الأجانب الذين تجرأوا على زيارتهم: “ألا تعلمون أن الناس هنا أكثر فقرًا من نظرائهم في كالكا؟ لماذا ترغبون في المجيء إلى هنا؟”، الطرق في كالكا معبدة، لكن إذا أردتَ اجتياز طرق أكومايو شديدة السوء؛ ستضطر إلى امتطاء صهوة حصان أو بغل، ليس بسبب وعورة التضاريس، ولكن لعدم وجود طرق ممهدة.

بوليفيا: الاستغلال السياسي

في عام 1952، ثار البوليفيون ضد النخبة التقليدية من أصحاب الأراضي وملاك المناجم، تحت قيادة شخصيات غالبهم من سكان المدن الذين استبعدوا من السلطة وطردوا من البلاط في ظل النظام السابق، وبمجرد أن استولوا على السلطة، صادر الثوار معظم الأراضي والمناجم وأنشأوا حزبًا سياسيًا باسم الحركة الوطنية الثورية (MNR). في البدء، تراجعت اللامساواة بشكل كبير نتيجة لهذه المصادرات، فضلاً عن الإصلاحات التعليمية، لكن الحزب الجديد أقام دولة الحزب الأوحد، وألغى تدريجيًّا الحقوق السياسية التي وسعها في عام 1952، وبحلول أواخر الستينيات من القرن الفائت، وصلت اللامساواة إلى مستوى أعلى مما كانت عليه قبل الثورة، وبالنسبة لكتلة كبيرة من البوليفيين الريفيين، ما حدث ببساطة كان أن حلَّت نخبة مكان أخرى، وهو ما يصفه عالم الاجتماع الألماني روبرت ميشيل بـ”القانون الحديدي للأوليجارشية”. وحتى الآن، لا تزال حقوق ملكية سكان الريف غير آمنة، ولا يزالون مضطرين لبيع أصواتهم للحصول على الأراضي أو العمل. الفارق الرئيسي الذي حصل هو أنهم بدلاً من تقديم هذه الخدمات لملاك الأراضي التقليديين أصبحوا يقدمونها لحزب الحركة الوطنية الثورية.

سيراليون: القتال على الغنائم

النزاع المكثف يؤدي إلى عدم الاستقرار والفشل؛ لأنه – وفق القانون الحديدي للأوليجارشية – يخلق حوافز لآخرين كي يعزلوا النخب القائمة ويتولوا زمام الأمور. هذا بالضبط ما حدث في سيراليون؛ حيث حكم سياكا ستيفنز وحزبه المؤتمر الشعبي العام (APC) البلاد من 1967 حتى عام 1985 كما لو كانت إقطاعية شخصية. لم تتغير الأمور كثيرًا بعدما تنحى “ستيفنز”، ممررًا العصى لربيبه جوزيف موموه، الذي واصل النهب. المشكلة هي أن هذا النوع من الحكم يخلق مظالم عميقة الجذور ويشعل منافسات على السلطة بهدف الحصول على بعض الغنيمة. في مارس عام 1991، عبرت جبهة فوداي سنكوح الثورية المتحدة – على الأرجح بدعم من الدكتاتور الليبيري تشارلز تايلور – الحدود إلى سيراليون وسقطت البلاد في براثن حرب أهلية شرسة استمرت عشر سنوات. كان سنكوح وتايلور مهتمان بشيء واحد فقط: السلطة، التي يمكن استخدامها، من بين أشياء أخرى، لسرقة الألماس، وهو ما أتيح لهم فعله بسبب النظام الذي أنشأه ستيفنز وحزبه. انحدرت البلاد في حالة رهيبة من الفوضى، وأزهقت الحرب الأهلية أرواح 1% من السكان، وشوهت عددًا آخر لا يُحصى، وانهارت الدولة والمؤسسات في سيراليون تمامًا، وانخفضت عائدات الحكومة من الدخل القومي إلى صفر تقريبًا بحلول عام 1991، بعدما كانت 15%. وبعبارة أخرى، لم تفشل الدولة، بقدر ما اختفت تمامًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد