اتخذ إقليم شبه جزيرة القرم أولى خطواته نحو الانفصال عن أوكرانيا والانضمام رسميًّا إلى روسيا بعد الاستفتاء الذي تم إجراؤه في 16 مارس الماضي وتشير نتائجه الأولية إلى تأييد قرابة 95% من المشاركين في الاستفتاء للانضمام إلى روسيا؛ حيث تبدو القرم في طريقها للخضوع للنفوذ الروسي برغم المعارضة الأوكرانية والدولية لإجراء الاستفتاء.

 

(1) الشعب في القرم اختار الانضمام إلى روسيا، فما المشكلة إذن؟

الجنود الروس في القرم “رويترز”


في الواقع هناك 4 مشاكل رئيسية، الأولى تتعلق بالاستفتاء ذاته الذي تم إجراؤه تحت رعاية أكثر من 30.000 جندي روسي منتشرين في القرم وفي وقت مضطرب لم يُمنح الناس فيه الفرصة للاختيار بشكل صحيح.


أما الثانية: فهي أن الاستفتاء لم يشارك فيه فعليًّا سوى المؤيدين للانضمام إلى روسيا؛ حيث قاطع تتار القرم وغيرهم من القوميين الأوكرانيين الاستفتاء الذي وصفوه بكونه غير شرعي ويجري تحت تهديد السلاح.


أما الثالثة فتتعلق بالكيفية، فهل توافق روسيا على إعطاء حق تقرير المصير للقوميات المختلفة على أرضها؟ في هذه الحالة ربما تفقد روسيا نصف مساحتها على الأقل، بينما لم تمنح الفرصة للأوكرانيين لحل مشاكلهم عبر تسويات سياسية بشكل كافٍ.


أما النقطة الرابعة والأهم، فتتعلق بالسلطات في القرم التي لا تبدو محايدة بشكل كافٍ وتبدي تحيزًا واضحًا نحو موسكو ليس في القرم وحدها ولكن في مناطق أخرى من أوكرانيا، الأمر إذًا أشبه بتوسع إقليمي روسي أكثر منه بحق لتقرير المصير.

 

(2) بشأن السلطات في القرم، هل هناك دليل على هذه التوجهات؟


حسنًا، الأمر لا يتعلق بدليل واحد، ولكن بعدة أدلة؛ بدءًا من زيارة وفد رسمي من سلطات القرم يتزعمه رئيس برلمان الإقليم إلى روسيا ليخبره بنية القرم الانضمام إلى روسيا ويطالبه باتخاذ الترتيبات المتعلقة بذلك قبل أسبوعين من إجراء الاستفتاء، وليس انتهاء بما نقله شون ووكر، مراسل جريدة الجارديان في تغريدات عبر حسابه على تويتر في 6 مارس نقلاً عمن سماه “سياسيًّا قرميًّا”: “هذه المنطقة روسية من الآن، أي وجود عسكري غير روسي يتم معاملته معاملة العصابات غير الشرعية”، “الاستفتاء مجرد تأكيد .. القرم روسية من الآن”.

 

نائب رئيس وزراء القرم، روستام تيميجراليف، بدوره كانت له تصريحات مثيرة للجدل، بدءًا من تصريحه باعتبار القوات الأوكرانية في القرم قوات احتلال ينبغي أن يتم طردها، انتهاء بتصريحاته المثيرة للجدل لجيمس نوفوجرود مراسل شبكة NBC news: “القرم هي الخطوة الأولى.. الخطوة التالية هي شرق أوكرانيا”، وفي جواب على سؤال المراسل حول مصير القوات الأوكرانية أجاب نائب رئيس الوزراء: “نعم، عليها أن ترحل”.




 

(3) إذن، هل لروسيا أطماع في مناطق أخرى من أوكرانيا خلاف القرم؟

يناء أوكتيابريسك – المصدر SIF service


ميناء أوكتيابريسك مقارنة بميناء سان بطرسبرغ بالنسبة لسوريا ومناطق أخرى ذات أهمية بالنسبة لروسيا – المصدر C4ADS

ووفقًا لدراسات مركز C4ADS المتخصص في الشئون الأمنية، يُعدُّ ميناء أوكتيابريسك أحد أهم مراكز الأسطول البحري الروسي في العالم، ويُعتبر مركز شبكة أوديسا “شبكة نقل الأسلحة الروسية”، وتستخدمه روسيا لتعزيز نفوذها العسكري حول العالم خاصة في المناورة التي تخوضها روسيا ضد الولايات المتحدة في سوريا – التي يبدو أن بوتين متمسك بموقفه حولها – وتم تشييد هذا الميناء خصيصًا من قبل الاتحاد السوفييتي ليكون مركزًا لتجارة وشحن الأسلحة ويتم إدارته من قبل البحرية الروسية، كما تحتفظ وكالات تصدير الأسلحة الروسية بمكاتب في المدينة.


ووفقًا للتقرير يمثل تفكيك شبكة أوديسا الخطوة الأكثر أهمية التي ينبغي على الناتو اتخاذها لتقليص النفوذ الروسي في المنطقة، لهذا تبدو روسيا أكثر شراسة في تعاملها مع الأزمة.

 

(4) كيف تجهز روسيا نفسها إذن للتدخل العسكري في مناطق أخرى في أوكرانيا؟

 

خريطة توزيع القوات الروسية حول أوكرانيا وتسليحها – المصدر Dmitry Tymchuk من خلال صفحته على فيس بوك.

خريطة توزيع القوات الروسية حول أوكرانيا وتسليحها – المصدر Dmitry Tymchuk من خلال صفحته على فيس بوك.

 

 

 

الحقيقة أن التوغل الروسي داخل أوكرانيا تبدو عملية غير مؤكدة حتى الآن بسبب ما تحمله من مخاطر على روسيا نفسها كما سنوضح لاحقًا، لكن فيما يتعلق باحتمالية التدخل العسكري لا تبدو روسيا بحاجة لتجهيزات كبيرة، فالعسكرية الروسية تطوق أوكرانيا فعليًّا من معظم جوانبها كما يشير Dmitry Tymchuk الخبير الأمني.


ففي الشمال الغربي يأتي الجيش البيلاروسي الحليف لموسكو، ويبدو استخدامه عسكريًّا في أوكرانيا أمرًا مستبعدًا، إضافة إلى إجمالى 80.000 جندي موزعين على الحدود الشمالية والشمالية الشرقية كما توضح الخريطة التالية.

 

(5) تبدو روسيا تتجهز للتوسع في أوكرانيا دون مخاوف.. هل هذا الأمر صحيح؟


لا تبدو الأمور بهذه السهولة، فالتوسع داخل أوكرانيا يحمل لروسيا قدرًا من المخاوف لا يمكن تجاهله.


ففي الوقت الذي تُغذي فيه موسكو نزعات الانفصال في أوكرانيا، فإنها في الوقت ذاته تخشى تزايد النزعات الانفصالية داخل حدودها، فمن المعلوم أن روسيا دولة اتحادية وليست دولة قومية، وبها مجموعة من الجمهوريات التي تتمتع بمستويات مختلفة من الحكم الذاتي مع روابط ليست قوية كما ينبغي مع الحكومة المركزية في موسكو.

الخطاب القومي الذي تتزايد نبرته في موسكو يزعج بشدة الأقليات في روسيا خاصة في شمال القوقاز الذي تتزايد فيها نزعات التمرد والانفصال، الأمر ليس في القوقاز فقط؛ حيث يبدو أن هذه المشكلة تؤرق روسيا بشدة مما دفع بوتين إلى إصدار تشريع خلال العام الماضي يجرم أي مطالبات بالانفصال داخل إطار الدولة الروسية.

 

(6) الأمر يتعلق بمخاوف ديمغرافية وجيوسياسية إذًا، ماذا بشأن التتار في القرم؟

يشكل تتار القرم صداعًا تاريخيًّا في رأس روسيا، ويبدو أن الصداع في طريقه للعودة؛ حيث يعارض التتار انضمام القرم إلى روسي؛ حيث يرون أن تاريخهم مع الروس غير باعث على التفاؤل، ومع تزايد نسبة التتار داخل القرم بسبب عودتهم إلى بلادهم في أعقاب انفصال أوكرانيا عن الاتحاد السوفييتي عام 1991، بعد أن أجلاهم الروس عنها في عهد ستالين عام 1944 بدعوى تحالفهم مع النازية بعد مسلسل طويل من الاضطهاد والمذابح، يبدو التتار مُعاملاً لايمكن تجاهله في المعادلة.

صورة: تطور التوزيع الجغرافي لسكان القرم منذ عام 1897 حتى عام 2001 “رويترز”

الأمر لا يتعلق فقط بتتار القرم ولكن بتتار روسيا أنفسهم أيضًا، وهم يقطنون جمهورية تتارستان ذات الحكم الذاتي في روسيا، وهي المنطقة التي عقد استفتاء خاص بها على الاستقلال في عام 1992 وتخشى موسكو دومًا من جنوحها للانفصال، خاصة مع إمكانية تعاطفهم مع التتار القرميين، مع زيادة نفوذ – ما تصفه موسكو- بالإسلام الراديكالي في العديد من الجمهوريات الروسية.

 

(7) ماذا بشأن البعد الاقتصادي.. ألا تشكل القرم عبئًا على روسيا فضلاً عن أن تورط نفسها في مناطق أخرى؟


بالطبع، البعد الاقتصادي عامل آخر مهم، خاصة وأن الاقتصاد الروسي لا يبدو على ما يرام؛ حيث يتطلب انضمام شبه جزيرة القرم استثمارات كبيرة في البنية التحتية – قُدِّرت مبدئيًّا بـ3 مليارات دولار- من أجل ربطها بروسيا مما يشكل عبئًا على الميزانية الروسية، التي تعاني عجزًا في تغطية النفقات في 77 منطقة من إجمالي 83 منطقة روسية بسبب إصرار موسكو على التورط في أنشطة توسعية ما في شمال القوقاز، فضلاً عن جمهوريات أوستيا وأبخازيا التي دعت موسكو لانفصالها عن جورجيا عام 2008.

النفوذ الروسي للتوسع غالبًا ما يكون مصحوبًا برحيل الاستثمارات؛ فبحسب تقرير غولدمان ساكس فإن 45 مليار دولار قد غادرت روسيا منذ عام 2009 في أعقاب تدخلها في جورجيا، فحتى حلفاء موسكو فى الاتحاد الأوراسي صاروا يخشون من أطماع بوتين التوسعية كما فى بيلاروسيا وكازاخستان.

 

(8) حدثني عن الشق الآخر للأزمة، ماذا عن الاستعدادات العسكرية لأوروبا والولايات المتحدة؟


الاتحاد الأوروبي أيضًا يخشى مخاطر الأطماع التوسعية لبوتين في أوروبا الشرقية، خاصة في بولندا ودول البلطيق، لذا يقوم حلف الناتو بمناورات مستمرة هذه الأيام في دول أوروبا الوسطى والشرقية من أجل غرس الطمأنينية في حلفائه هناك.


وتمتلك الولايات المتحدة فريقًا صغيرًا من حوالي 10 طيارين متمركزين في بولندا لدعم جهود التدريب العسكري، في حين أن حلف شمال الأطلسي يعزز تسيير دوريات جوية فوق سماء أستونيا ولاتفيا وليتوانيا الموجودة بالفعل منذ 10 أعوام.


وقال مسئول في وزارة الدفاع الأمريكية لوكالة فرانس برس رافضًا الكشف عن اسمه إنه سيتم إضافة أربع مقاتلات F16 أمريكية إلى الدوريات الحالية، وأن البنتاجون يفكر في إضافة المزيد من الطائرات إلى العملية، أما فى بولندا فتشمل قوات التدريب هناك مقاتلات F16، وطائرات نقل C130 ، مع إمكانية إضافة المزيد من الطائرات.


أما في القرم، فقد أعلنت موسكو منذ أيام عن إسقاط طائرة استطلاع بدون طيار أمريكية حلقت فوق القرم بينما رفضت الولايات المتحدة التعليق على الأمر أو الإفصاح عن نواياها بشأن الوجود العسكري في القرم، وجدير بالذكر أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد علقا جميع أشكال التعاون العسكري مع روسيا بما في ذلك المناورات المشتركة.

(9) فيما يتعلق بمخاوف دول أوروبا الشرقية من موسكو، هل هناك مثال أكثر تحديدًا؟



خريطة توضح موقع ستاليننجراد “Business Insider”.


نعم ، دعنا نتحدث قليلا بشأن إقليم كالينينجرد الذي يقع ضمن حدود روسيا ويمتلك حدودًا مشتركة مع كل من بولندا وليتوانيا، ويخشى الأوروبيون من اتخاذه كنقطة تجمع للقوات الروسية في حالة اعتزام روسيا التدخل عسكريًّا في أي من دول أوروبا الشرقية تحت دعوى حماية القوميات الروسية، كما سبق لبولندا أن اشتكت من خروقات روسية بشأن هذا الإقليم.


كانت كاليننجراد جزءًا من ألمانيا قبل أن تنضم إلى روسيا عام 1945، وكانت من أكثر المناطق زخمًا حتى الحرب الباردة، وتحوي مقر الأسطول الروسي في البلطيق في ميناء بالتيسك، كما تحتوي على قاعدتين عسكريتين روسيتين، وتنتشر بها الصواريخ الباليستية منذ عام 2012.

 

(10) تتحدث كأن الحرب قريبة لا مفر، ألا يوجد خيارات أخرى.. ماذا عن الديبلوماسية؟


تبدو الحرب حتى الآن الخيار الأبعد نظرًا لكلفتها العالية لجميع الأطراف رغم إن الخطوات الديبلوماسية لا زالت متعثرة، فقد حاولت الولايات المتحدة إيقاف استفتاء القرم عبر تمرير قرار إدانة من خلال مجلس الأمن لكن الفيتو الروسي وقف له بالمرصاد.


أمس أعلن وزيري الخارجية الأمريكي والروسي عن اتفاقهما بشأن حتمية وجود مسار ديبلوماسي لحل الأزمة في القرم، رغم عدم إفصاحهما عن خطوات هذا المسار الديبلوماسي، ومؤخرًا أعلنت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على 7 مسئولين روس مقربين من الرئيس فلاديمير بوتين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد