في الـ25 من يناير (كانون الثاني) أُعلن عن فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بأغلبية ساحقة في انتخابات المجلس التشريعي، حيث حصلت على 76 مقعدًا من أصل 132، فيما حصلت حركة فتح على 43 مقعدًا، وهو ما شكَّل مفاجأة صادمة خالفت أغلب استطلاعات الرأي التي تنبأت بفوز فتح.

منذ تلك اللحظة دخلت القضية الفلسطينية منعطفًا جديدًا شكِّل بداية مرحلةٍ أكثر تعقيدًا وتوترًا، فمع بدايات الإعلان عن هذا الفوز بدأت المواقف الدولية تتجلى في تصريحاتٍ حادة، إذ بينما أعلنت حماس عن نواياها الحسنة عبر تصريح الناطق باسمها سامي أبو زهري الذي أكد أن حماسًا مستعدة للعمل على تغيير نظرة الغرب تجاه الحركة من خلال الحوار، كان البيت الأبيض قد سارع لاتخاذ موقف مبكر أكد من خلاله على نيته وقف معوناته المالية للفلسطينيين.

قال شون مكورماك، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية حينها: »نقولها بمنتهى الوضوح، إننا لا نقدم أموالًا إلى منظمات (إرهابية) «، كما صرح خافير سولانا مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي: »إن أوروبا قد توقف مئات الملايين من الدولارات التي يتضمنها برنامج المعونة إلى الفلسطينيين إذا رفضت حماس الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود«.

بدأت حماس تدرك عبء هذا الفوز فسعت إلى خلق جوٍ من المشاركة السياسية، وعرضت تشكيل حكومة وحدة وطنية، رغم أن عدد المقاعد الذي فازت به كان يؤهلها لتشكيل حكومة دون مشاركة فتح، لكن فتح قررت أن تترك حماس لمواجهة هذه التحديات باعتبارها نوعًا من التحدي والتنبؤ بفشل التجربة السياسية لحماس، على اعتبار أن قادة حماس غير ذوي خبرة في المجال السياسي في نظر قادة فتح؛ إذ انحصرت خبرتهم في مشاركتهم بالمجال النضالي، ولم يكونوا قد لعبوا غير دور المعارضة في خارطة النظام السياسي الفلسطيني حتى تلك اللحظة.

القيادي الفتحاوي محمد دحلان الذي كان يشغل منصب رئيس جهاز الأمن الوقائي آنذاك، والذي شكَّل رأس الحربة في محاولة إفشال التجربة السياسية لحماس، لخَّص عبر تسجيلٍ صوتيٍّ مسرَّب رؤيته لمستقبل التجربة السياسية لحركة حماس، وخطة حركة فتح في إفشالها.

في هذا التسجيل كان دحلان قد تنبَّأ بوقوع حماس بين فكي الخيارات المرة: خيارات من نوع الاعتراف بإسرائيل أو عدم الاعتراف بها؛ وقبول المبادرات العربية أو عدم قبولها، وما يترتب على ذلك من العزلة السياسية أو الضياع السياسي، بالإضافة إلى العجز الاقتصادي في حال أصرت حماس على مواقفها بشكل جذري.

راهن دحلان على نقطتين: الأولى؛ عدم قدرة حماس على التعامل مع النظام الدولي وشروطه وهو ما سيؤدي إلى وقوعها في أزمة دبلوماسية خانقة من جهة، والضعف الذي سيحل بحماس؛ لأن واقع القضية الفلسطينية يقضي بأن الحركات في المعارضة أقوى منها في الحكم، خاصةً فيما يتعلق بمتطلبات الحياة اليومية وتوفير الرواتب في ظل الحصار المتوقع.

وعلى الرغم من أن محمد دحلان فشل في تنفيذ مخططاته عبر استغلال الأجهزة الأمنية في قطاع غزة ضد الحكومة، إلا أن هاتين النقطتين بقيتا محور أزمة حماس على امتداد سنوات حكمها الفعلية من 2007 وحتى الآن.

لم تستطع حماس ممارسة سلطتها الفعلية باعتبارها حكومةً منذ استلامها الحكم؛ إذ كان قطاع غزة هو مجالها الجغرافي، بينما بقيت الضفة الغربية خارج أي إمكانية للسيطرة نظرًا للتواجد الإسرائيلي فيها، وهكذا أصبح قطاع غزة هو مسرح الأحداث الذي شهد حالةً من الفلتان الأمني والتعبئة الجماهيرية لطرفي الصراع: حماس وفتح، عبر وسائل الإعلام المتنوعة.

ورغم محاولات عديدة لعقد اتفاقات مصالحة، كان آخرها اتفاق مكة، إلا أن الأمور آلت في النهاية إلى المواجهة العسكرية بين كتائب القسام من جهة، والأجهزة الأمنية التي بقيت تحافظ على ولائها لحركة فتح من جهة أخرى، وانتهت هذه المواجهة بسيطرة حماس العسكرية التي أدت إلى سيطرةٍ إدارية فعلية على القطاع منذ منتصف يوليو (تموز) 2007.

 الرواية الحمساوية لأحداث السيطرة العسكرية لكتائب القسام على قطاع غزة

بدت هذه السيطرة بالنسبة لحماس انتصارًا عظيمًا خيَّب الآمال في سقوطها السريع، ومنحها دفعةً قوية لإحكام السيطرة على قطاع غزة، وعلى الرغم من المخاوف التي أثارها المحللون السياسيون بشأن ما قد تؤول إليه الأوضاع في قطاع غزة، إلا أن القيادي الحمساوي محمود الزهار رد على هذه المخاوف بأن الحصار ليس جديدًا على الشعب الفلسطيني، وأن إسرائيل تفرضه بأشكال مختلفة منذ العام 1948. فهل كان هذا صحيحًا؟

لقد واجهت حماس خلال هذه السنوات الكثير من الأزمات التي تولدت عن واقع التناقضات بين متطلبات الواقعين السياسي والإداري، وقد عملت على مواجهة هذه الضغوطات عبر آليات مختلفة – وربما متناقضة في نظر البعض- أحيانًا؛ إذ إن قسوة الظروف التي عايشتها اضطرتها إلى الكثير من التبديل والتغيير والتعديل في آلياتها ومنهجيتها، فما هي أبرز هذه الآليات؟ وهل حققت النتائج المرجوة بالفعل؟

هل نجحت حماس في إيجاد البديل؟

أتت حماس باعتبارها عنصرًا دخيلًا على واقع النظام السياسي الفلسطيني الذي كانت بنيته قد أُقرت في اتفاق أوسلو، ويبدو أنها اصطدمت بمدى قوة هذا النظام العميق بسبب كونه نظامًا مدعومًا دوليًا على المستوى القانوني والمادي، فمن ناحية لم يكن بالإمكان تجاوز حقيقة أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني المعترف به، وذلك وفقًا لاتفاقات دولية وتوافقات عربية لم يكن بالإمكان الخروج منها.

على جانب آخر كان الدعم المالي كله قد توجه للسلطة الفلسطينية السابقة من أجل بناء منظومة أمنية واقتصادية وفقًا لشروط الرباعية الدولية والاتحاد الأوروبي، وحين لم تتمكن حماس من إصلاح النظام العميق، حاولت استبدال ما يمكن استبداله وقد بدأت باستبدال المنظومة الأمنية.

لم يتمكن سعيد صيام، وزير الداخلية في حكومة حماس من السيطرة على الأجهزة الأمنية، فلجأ إلى حيلة أتاحها له القانون وهي إضافةُ جهاز عسكري جديد أطلق عليه اسم (القوة التنفيذية)، وانتشرت عناصر القوة التنفيذية البالغ عددها نحو خمسة آلاف شخص لأول مرة في شوارع قطاع غزة يوم 17 مايو (أـيار) 2006، وخلافًا لباقي الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي اتسمت بالولاء الفتحاوي، كان غالبية عناصر القوة التنفيذية من حماس، إذ وصل تعدادهم في العام الأول إلى 6300 عنصر، منهم أربعة آلاف من (حماس).

نشيد القوة التنفيذية الذي استخدمته حماس للدعاية لهذه القوة المستحدثة في المنظومة الأمنية.

وبعد السيطرة العسكرية التي تمت في يوليو (تموز) عملت حماس على استبدال الأجهزة الأمنية بكاملها بأفراد جدد، نظرًا لاستنكاف الأفراد السابقين عن العمل تحت مبررات مختلفة، من بينها رفض حماس نفسها لعمل بعضهم تحت لوائها.

لم يتوقف الأمر عند الأجهزة الأمنية، فقد عُبئت فيما بعد الشواغر التي خلفها استنكاف الموظفين في المجال المدني كالتعليم والصحة بأوامر من سلطة رام الله.

أما من الناحية الاقتصادية، فقد عانت حماس من ضغوطات اقتصادية صعبة بعد إحكام سيطرتها على القطاع، خاصةً بعد تقلص الدعم الدولي وذهابه إلى خزينة السلطة في رام الله على اعتبار حكومة حماس غير شرعية في غزة، مما دفع حماس للبحث عن مصادر تمويل جديدة، مثل التبرعات الشعبية ودعم دول الممانعة خصوصًا إيران ومن ثم تركيا وقطر لاحقًا، وتبرعات الداعمين على المستوى الفردي في العالم العربي.

أما على مستوى الواقع الإداري، فقد رفضت البنوك التعامل معها، مما دعاها إلى تأسيس (البنك الوطني الإسلامي) ليقوم بإدارة معاملاتها المالية في قطاع غزة في أبريل (نيسان) 2009، غير أن سلطة النقد الفلسطينية أعلنت عدم قانونيته، كما وُضع على قوائم الحذر الدولية، وفُرضت عليه عقوبات في 2010 من الخزينة الأمريكية.

ولما اشتد الحصار على قطاع غزة، ولم يعد ثمة مجال لدخول السلع الرئيسة، دعمت حماس خيارًا بديلًا تمثل في الأنفاق التجارية التي شُقت على الحدود المصرية، وقد شهدت هذه الأنفاق فترة ازدهار في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، غير أنها لم تعد ذات فائدة مع سيطرة السيسي على مقاليد الحكم؛ إذ تم دُمرت هذه الأنفاق، مما أدى إلى تردي الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير.

وعلى الرغم من أن آلية إيجاد البدائل كانت قد ساعدت حماس بالفعل في بعض الأوقات، إلا أنها شكلت أحيانًا عبئًا إضافيًا مع مرور الوقت، إذ إن الدول الداعمة البديلة كانت تقايض حماسًا على مواقفها السياسية، وهو ما اضطرها إلى تبني مواقف تناقض مبادئها الأساسية في بعض الأحيان، مثل موقفها من إيران على الرغم من النقمة العربية على إيران ودورها في الحرب السورية التي يختلف موقفها معها تمامًا فيها من حيث المبدأ، وقد اضطر المتحدث باسم كتائب القسام إلى شكر إيران في ديسمبر (كانون الأول) 2014 على الرغم من مساندتها لبشار الأسد ومحاربتها للثوار في سوريا.

https://www.youtube.com/watch?v=IGg147BRSaw

 (خطاب أبو عبيدة بعد حرب 2014 يشكر فيه إيران)

كما أن الموظفين الذين عُينوا باعتبارهم بدائل شكلوا عبئًا على ميزانية الحكومة التي بدأت تعاني من شح المصادر منذ منتصف عام 2014، وهو ما أدى إلى بروز أزمة الرواتب في ظل عدم مقدرة الحكومة على تأمينها.

ما بين الدين والوطن

إحدى الحقائق الواضحة أن حماسًا قد بنت دعايتها الانتخابية على عاملين أساسين: الدين والوطن، وعلى الرغم من أنها طرحت برنامجًا متكاملًا فيه وعود كثيرة عن تغيير وإصلاح الواقع الاقتصادي والاجتماعي، إلا أن خطابها الديني الوطني كان أبرز عوامل نجاحها؛ إذ اتخذت من المساجد ومنابر خطب الجمعة منصاتٍ لدعايتها الانتخابية، كما جعلت من تاريخها النضالي ومنجزات مقاومتها وعملياتها النوعية نقطة قوة مقابل البرنامج التفاوضي الفتحاوي.

في مجتمعٍ ذي سمةٍ دينية، أو يشكِّل الدين إحدى زوايا صراعه مع العدو، كما هو الحال في غزة، يصبح من السهل استغلال الخطاب الديني للترسيخ لأي حكم، وهذا ما فعلته حماس خلال صراعاتها الداخلية أو الخارجية؛ ففي صراعها مع فتح عام 2007 كانت تصف هذا الصراع بأنه حربٌ ضد العلمانيين، وهو ما صرح به القيادي الحمساوي نزار ريان، حين قال في تسجيل مصور: «هذا ما غنمناه من زنادقة العلمانية«، فقد صُور الصراع على أنه ذا بعد ديني بالأساس.

  (تعليق نزار ريان على أحداث 2007)

الخطاب الديني كان بارزًا في الصراع الخارجي أيضًا، فقد استُحضرت مواقف السيرة النبوية من أجل الصمود في وجه الحصار المفروض على قطاع غزة، وشُبِّه حصار غزة بحصار النبي في شعب أبي طالب، كما كانت القيادات العسكرية تصبغ الحروب التي تخوضها بصبغةٍ دينية، لاستثارة الحس الديني الذي يضمن استمرار دعم المقاومة، فقد سمَّت الحروب الثلاث على التوالي: معركة الفرقان، وحجارة السجيل، والعصف المأكول، وكلها تسميات ذات إيحاءات دينية.

لم تكتفِ حماس بالخطاب الديني، بل ربطته بالخطاب الوطني، فقد جعلت وجودها في منصة الحكم بمثابة الحراسة للقضية الفلسطينية من الضياع، واعتمدت في ذلك على حجة قوية وهي أنَّ كل المواقف الدولية ضدها إنما اتخذت بسبب رفضها الاعتراف بإسرائيل، وكثفت خطاب التعبئة الوطنية بحيث جعلت أي بديلٍ لوجودها هو بمثابة تسليم القضية الفلسطينية إلى ملفات (التنسيق الأمني)، و(المفاوضات) وهي كلمات لا تتمتع بسمعة جيدة بين قطاع عريض من الفلسطينيين.

والواقع أن زيادة حوادث التنسيق الأمني في ملفات السلطة في الضفة قد زادت من رصيد حماس في غزة.

وبإمكاننا القول أن هذا الخطاب ظل فاعلًا فترةً من الوقت، غير أن التناقض الذي وُجِد نتيجة الصورة المزدوجة التي مارستها حماس في العامين الأخيرين: باعتبارها حركة مقاومة مرة، وحكومةً مرةً ثانية، جعل هذا الخطاب أقل مصداقية، ففي الوقت الذي طالبت فيه حماس الشعب باحتمال الأزمات اليومية كانقطاع الكهرباء، والغاز، والماء، وإغلاق المعابر، ونقص الدواء، وانقطاع الرواتب، كانت بالمقابل تمارس دورها بوصفها حكومة لها مستحقاتها من الضرائب والجمارك وغيره، وهو ما أدى إلى تراجع فاعلية خطابها الوطني.

تنامى الغضب مع الوقت بين السكان ضد بعض قراراتها الحكومية التي اعتبروها «ظالمة»، ولا تراعي الظروف المأساوية التي يعايشها سكان قطاع. على سبيل المثال فرضت وزارة النقل والمواصلات ضريبة على الصيادين لتغيير مولدات قوارب الصيد، بالرغم مما يعانيه قطاع الصيد من تضييق إسرائيلي وتراجع مستمر، كما قامت بفرض ضريبة التكافل على السلع الكمالية، غير أن هذه الضريبة وُوجهت باحتجاج التجار، واتهامهم الحكومة بأنها لا تراعي الأوضاع الاقتصادية لهم ولا للمواطن.

 (نقاش التجار مع نواب وزارة الاقتصاد حول ضريبة التكافل 2015)

لم يتوقف الأمر عند الضرائب، بل تعداه إلى هو ما أخطر من ذلك، حيث أثيرت في ديسمبر (كانون الأول) 2016 قضية سكان حي الأمريكية شمال القطاع، فأُصدر بحقهم قرار يقضي بهدم منازلهم بحجة أنها مبنية على أراضٍ حكومية، وهو ما أثار استهجان السكان لمثل هذه الملاحقات القانونية في ظل ظروف إنسانية واقتصادية صعبة.

https://www.youtube.com/watch?v=ofHIq9C5g-0

 (سكان «حي الأمريكية» شمال القطاع يرفضون قرار إزالة منازلهم‏)

هذا التناقض الذي رآه البعض بين صورتي المقاوم والملاحِق القانوني، البطل والخصم، في ذات الوقت، أدى إلى تراجع في صورة حماس، وهو تراجع يمكن متابعته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع ارتفاع النقمة عليها باعتبارها حكومة، لم تستطع توفير الاحتياجات اليومية من جهة، وتمارس الضغط الاقتصادي أحيانًا من جهةٍ أخرى، مع الاحتفاظ بصورة المقاومة باعتبارها جانبًا آخر من حماس.

الاعتماد على القوة العسكرية

كان يمكن لحماس أن تنتهي بالفعل مع بدايات حكمها بسبب عدم تجاوب الأجهزة الأمنية مع الحكومة، وحالة الاضطراب الأمني التي سادت القطاع حتى منتصف يوليو (تموز) حينها، غير أن اعتماد حماس على جهاز عسكري منظم ومدرب ومسلح تسليحًا جيدًا كان هو ما أنقذها من هذا السقوط، وساعدها على السيطرة الإدارية على القطاع.

لم تتوانَ حماس عن استخدامِ هذه القوة كلما أحستْ بالخطر، إذ تعدُّ هذه القوة هي رأس مالها الحقيقي، كما تعتبر صورة البطل المقاوم، هي ملاذها الدائم للنجاة من أي أزماتٍ قاهرة، فصورة المقاوم هي جزء من «المقدَّس» الفلسطيني، إذ بعد أن استخدمتها في السيطرة على قطاع غزة 2007، استخدمتها ثانيًة لترسيخ وجودها في القطاع، ففي أحداث مسجد ابن تيمية 2009، دخلت حماس في اشتباكٍ مسلح مع الأفراد الذين تحصنوا في المسجد، وانتهت المواجهة بالقضاء على الأفراد المسلحين.

https://www.youtube.com/watch?v=PXO2CH9eeBQ

كما كانت هذه القوة العسكرية سببًا في استمرار وجودها بعد ثلاثة حروب قاسية شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة في 2009 و2012 و2014، فقد شكلت هذه الحروب الثلاثة إثباتات حقيقية عن مدى الجهد الذي يبذله المقاومون من أجل تطوير أسلحتهم وعملياتهم ضد إسرائيل، وهو ما استدعي التقدير من قبل الحاضنة الشعبية دائمًا.

غير أن هذه القوة العسكرية صار لها وجهٌ آخر مع وجود حماس في الحكم، إذ كانت سياسات الحكومة تجاه معارضيها في العامين الأخيرين تتسم بشيء من سمات الأنظمة الشمولية، في نظر بعض المحللين، فقد شهد القطاع خلال السنة الماضية العديد من حالات الاستدعاء من قبل جهازها الأمني «الأمن الداخلي« لنشطاء عبر الفيسبوك أو أشخاص عاديين عبروا عن انتقادهم للحكومة عبر منشورات من صفحاتهم الشخصية، وقد أُجبروا على توقيع تعهدات بعدم التصريح بأية منشورات تهاجم الحكومة أو تحرِّض عليها، مما جعل هذه القوة تلتبس بصورة استبدادية غير مرغوبة.

لم يتوقف الأمر عند هذه الحالات، فقد أثارت قضية إعدام أبو المجد إشتيوي، القيادي في كتائب القسام من قبل كتائب القسام نفسها، دون أية محاكمة قانونية، انتقاداتٍ كثيرة ضد الحركة التي بدا أنها تستخدم قوتها العسكرية دون أية أدلةٍ شرعية أو استنادات قانونية.

كما كان تعامل الأجهزة الشرطية مع المظاهرة الاحتجاجية ضد انقطاع الكهرباء في مخيم جباليا خلال الشهر الماضي، وإطلاق النار في الهواء لتفريق المتظاهرين تطورًا خطيرًا في شكل العلاقة بين سكان القطاع والحكومة؛ فلطالما كان هؤلاء السكان يشكلون الحاضنة الشعبية التي احتملت أعباء الحصار والحروب، لكنهم اليوم يقفون بمواجهة الشرطي المسلح في حكومة حماس.

 (قوات الشرطة الفلسطينية تفض تظاهرة احتجاجية على انقطاع التيار الكهربائي شمال القطاع)

من جانبٍ آخر، فإنه إن كانت هذه القوة العسكرية قد أفادت حماس في صراعها ضد إسرائيل، فإن الحرب الأخيرة 2014 –ورغم ما أبدته المقاومة من تفوق في طبيعة عملياتها وأسلحتها- أثبتت أنه لا يمكن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها؛ إذ بعد أكثر من 50 يومًا من الصمود والتحدي، لم يحقق اتفاق الهدنة أيًا من المطالب التي جعلتها حماس شروطًا لوقف الحرب في البداية، فلم يُنشأ الميناء ولا المطار، ولم تتحسن الأوضاع الاقتصادية للسكان، بل ازدادت سوءًا مع آثار الحرب بما خلفته من دمارٍ كبير.

إن تطورات الأوضاع الإقليمية وتقلب مواقع الدول وفقًا لمصالحها السياسية بعد الربيع العربي أدى إلى حالةٍ من الاضطراب الشامل، بحيث لم تعد قواعد اللعبة ثابتة، ولم يعد ممكنًا بالنسبة لحماس المراهنة على ذات القوى الإقليمية والأصول السياسية التي كانت قائمة حتى ما قبل الربيع العربي.

الخطابات المرنة والمزدوجة

أدركت حماس في وقت مبكر عدم قابلية خطابها في مرحلة ما قبل الحكم للترويج في الساحة الدولية، فعملت على صياغة خطاب أكثر مرونة يكون أكثر قابلية للترويج على المنصات الإعلامية الدولية، وربما بدا وجه هذا الخطاب في أوضح صوره حين نشرت حماس هاشتاج #ASK_HAMAS عبر مواقع التواصل الاجتماعي في مارس (آذار) 2015 بالتزامن مع قرب انتهاء المهلة المحددة للاستئناف على قرار المحكمة الأوروبية برفع الحركة من قائمة الإرهاب الأوروبية.

طاهر النونو، عضو الدائرة الإعلامية في حركة حماس صرح أن الحملة موجهة إلى الجمهور الغربي؛ لتؤكد أن حركة حماس ليست حركة إرهابية، بل هي حركة تحرر وطني وأن الإرهابي الحقيقي هو الاحتلال الإسرائيلي.

في هذه الحملة أُكّد على صفة التحرر الوطني لحركة حماس، دون التطرق لجذورها الدينية وامتداداتها الإخوانية، رغم أن هذا الخطاب الديني كان لا يزال حاضرًا على المستوى المحلي، وهو ما يجعل حماسًا كثيرًا ما تقع في مأزق الهوية، المأزق الذي حذر منه محمد دحلان مع بدايات استلامها الحكم، إذ كيف ستوائم بين مبادئها وبين مبادئ النظام العالمي الذي يعتبر إسرائيل واقعًا معاشًا لا يمكن الاختلاف عليه؟

لقد أظهرت حماس ترددًا في بعض القضايا، لكن أكثر هذه المواقف إثارة للتساؤل هو قضية الدولة، ففي مقابلة تلفزيونية مع خالد مشعل عبَّر عن قبوله لدولة فلسطينية في حدود 67، لتقرِّر بعدها هذه الدولة موقفها من إسرائيل اعترافًا أو إنكارًا، كما ميَّز بين المدنيين الإسرائيليين والعسكريين، وهذا تمييز جديد على حركة حماس؛ إذ الاعتراف بوجود مدنيين لا تُعنَى المقاومة باستهدافهم، سيحيل إلى مسائل أكبر منها، كالاعتراف بدولة إسرائيلية، وهو ما استمرت حماس في نفيه ونفي إمكانية المفاوضات حوله طوال سنواتها السابقة.

في الفترة الأخيرة سنجد أن خطاب حركة حماس يتذبذب في مراجعات دائمة ومستمرة، وتتبدل مواقفه من فترةٍ لأخرى، ففي حين كان دحلان أكبر أعدائها في عام 2007 وما تلاه، إلا أنها رفضت رفع الحصانة عنه في 2016 بعد خلافاته مع الرئيس محمود عباس، حيث أكد محمد الغول رئيس اللجنة القانونية في المجلس التشريعي بغزة على أن «رفع الحصانة عن عدد من نواب المجلس التشريعي يعد جريمة«.

مثل هذه الخطابات المتأرجحة ربما تكون ساعدت حماسًا على عدم حشد المزيد من الأعداء ضدها، في وقتٍ لا تحتاج فيه إلى المزيد من الأعداء، غير أنها –في ذات الوقت- جعلت من خطابها أقل فاعلية وإقناعًا.

لقد حاولت حماس اتباع كل السبل من أجل الحفاظ على وجودها على الخارطة السياسية الفلسطينية، غير أن استمرار حكمها للقطاع الذي تعجز عن توفير احتياجاته الأساسية بالرغم من التنازلات التي تقدمها، لن ينته نهايةً سعيدة كما يبدو، وهو ما ألمح إليه خالد مشعل في خطابه الوداعي قبل تركه لمنصبه باعتباره رئيسًا للمكتب السياسي في حماس في سبتمبر (أيلول) 2016، حين قال: «حماس أخطأت عندما استسهلت حكم قطاع غزة بمفردها بعد أحداث الانقسام الفلسطيني مع حركة فتح عقب فوزها بالانتخابات البرلمانية عام 2006، وظنت بأنه أمر ميسور ثم اكتشفت بأنه صعب«.

وأضاف: «أخطأنا عندما ظننا أن زمن فتح مضى، وحل زمن حماس، وفتح أخطأت عندما أرادت إقصاءنا«.

تبدو هذه المراجعات استدراكية في وقت متأخر، فالحقيقة أن العودة لحالة ما قبل الانقسام ليست سهلة، خاصةً في ظل ملفات جوهرية عالقة كملف البرامج السياسية والقوة الأمنية، وغيرها، وربما تكون هذه نبوءة محمد دحلان التي عبر فيها عن كون حماس بفوزها في الانتخابات إنما وقعت بين فكي كماشة لا ترحم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد