هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

ضمّ سجن جوانتانامو الأمريكي معتقلين من جنسيات مختلفة، كان من بينهم مجموعة من 12 شابًّا كويتيًّا اعتُقلوا دون أن تثبت عليهم التهم التي دخلوا بسببها جوانتانامو.

في هذا التقرير نستعرض قصة الشباب المُعتقلين، وكيف ضغط أهاليهم على الحكومة الأمريكية والكونجرس للتسريع بالإفراج عن أبنائهم، وهذه القصة من الحالات القليلة التي تقدّم فيها مواطنون عرب عاديون، بلا مناصب سياسية أو رسمية، للضغط على الحكومة الأمريكية لأخذ حقوقهم المعتدى عليها، وربما تكون هذه واحدة من الحالات النادرة التي وُظّفت فيها اللوبيات في واشنطن لمصلحة مباشرة لمواطنين عرب..

جوانتانامو.. جزيرة كوبية وانتهاكات أمريكية

اتفقت الحكومة الأمريكية مع نظيرتها الكوبية عام 1903 على استئجار جزيرة خليج جوانتانامو الواقعة في نطاق الأراضي الكوبية، لتبني عليها قاعدة بحرية أمريكية، مقابل 4 آلاف دولار أمريكي فقط.

وثم تحوّل جوانتانامو في عهد الرئيس جورج بوش الأب (1988- 1992) إلى معتقل يودع فيه النازحون من هاييتي، والذين يرغبون باللجوء للولايات المتحدة، وينتظرون فيه حتى تبتُّ السلطات الأمريكية في قضاياهم وفي أهلية كل منهم للجوء.

وبعد هجمات سبتمبر (أيلول) 2001، وغزو القوات الأمريكية لأفغانستان، تقرر تحويل جوانتانامو إلى سجن لأسرى اعتقلتهم الولايات المتحدة في حربها على «الإرهاب»، وجرى هذا التحوُّل بضغط من ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، وأُرسل أفراد من تنظيم القاعدة لاعتقالهم هناك، وووفَّر جوانتانامو مساحة حرَّة قانونيًّا وسرية، لم يتقيد فيها الأمريكيون بالحقوق المنصوص عليها بالدستور الأمريكي أو في القوانين الأمريكية.

وفي جوانتانامو بدأت الولايات المتحدة ببرنامج «أساليب الاستجواب المعزز – Enhanced Interrogation Techniques»، وظلت الوكالات الأمريكية العسكرية والأمنية تدافع عن البرنامج وفاعليته في استخراج معلومات من المعتقلين مفيدة في العمليات العسكرية الأمريكية، وبعد سنوات من استخدامها والترويج لها بهذا الاسم الناعم، كشف تحقيق لمجلس الشيوخ الأمريكي عن تجاوزات فادحة للقانون الأمريكي ولحقوق الإنسان والسجناء، ويصف معظم الناجين من جوانتانامو هذه الأساليب بالـ«تعذيب»، ويرفض التيار اليميني الجديد هذه التسمية حتى الآن.

12 معتقلًا كويتيًّا في جوانتانامو.. بدون محاكمات

كثير من معتقلي جوانتانامو لم تثبت مشاركتهم بأي عمليات تهدد الأمن الأمريكي أو في أنشطة «إرهابية»، ولم يثبت وجود علاقة لهم بتنظيم القاعدة. من بين هؤلاء المعتقلين مجموعة كويتيين احتجزتهم الولايات المتحدة أثناء مشاركتهم في أعمال خيرية وإغاثية، رُحِّلوا لجوانتانامو دون أدلة تثبت تورطهم ودون محاكمات عادلة.

في صيف 2001، قرر الشاب الكويتي فايز الكندري السفر برحلة خيرية لواحدة من الدول الفقيرة، ودفعه نحو العمل الخيري تجربته مع مرض والدته وجدته، وعزَّزت من رغبته بالعمل في هذا المجال، ووقع اختياره على قرية صغيرة في دولة أفغانستان. كل ما أراده الكندري حينها أن يعمِّر مسجد القرية المتهالك، وأن يحفر آبار مياه جوفية ليستعملها أهل القرية الفقيرة.

وفي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2001، قُصفت القرية التي كان يقيم فيها الكندري، ولم يعرف السبب حينها؛ إذ لم يمتلك الحد الأدنى من لغة أهل القرية، ولم تتوفر فيها رفاهيات مثل التلفاز ليشاهد الأخبار، وباستماعه للمذياع عرف فايز في اليوم التالي أن القصف أمريكي.

وبعد ذلك اليوم المشؤوم وجدَ الكندري نفسه في قبضة القوات الأمريكية التي احتجزته في أفغانستان لفترة، ثم نقل لجوانتانامو.

كان الكندري آخر سجين كويتي يطلق سراحه من جوانتانامو، ولكن لم يكن الوحيد. فمنذ غزو أفغانستان احتجزت الولايات المتحدة 12 مواطنًا كويتيًّا في المعتقل بتهمة الانتماء لتنظيم القاعدة والتخطيط لهجمات سبتمبر، ولكن دون وجود دليل على هذه التهم.

ومن هنا انطلقت حملة كويتية واسعة، نفذتها عوائل المعتقلين وشاركت فيها الحكومة الكويتية، واستمرت الحملة عشر سنوات للضغط على الحكومة الأمريكية لإطلاق سراح المعتقلين.

أهالي المعتقلين يستعينون باللوبيات

أسس أهالي المعتقلين الكويتيين لجنة للدفاع عنهم عام 2004، باسم «لجنة العائلة الكويتية للدفاع عن المعتقلين الكويتيين في جوانتانامو». بادر بتأسيس اللجنة خالد العودة، والد فوزي العودة، ممن اعتقلوا في جوانتانامو 13 عامًا بعد سجنه في ديسمبر (كانون الأول) 2002، أثناء عمله في أحد المشروعات الإغاثية على الحدود الباكستانية الأفغانية.

Embed from Getty Images

من تظاهرة أمام السفارة الأمريكية بالكويت في مايو (أيار) 2012، وتظهر فيها لافتة لفايز الكندري، آخر معتقل كويتي يخرج من جوانتانامو.

تعاقدت لجنة العائلة الكويتية مع «مكتب المستشار الدولي»، وهي شركة محاماة واستشارات قانونية كبيرة، والتي تعاقدت مع شركات وكيانات مختصة في الضغط السياسي في الولايات المتحدة لتعمل مع السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية الأمريكية لصالح المعتقلين الكويتيين.

العقد الأول.. 3 ملايين دولار لـ10 سنوات

في 24 يونيو (حزيران) 2006، أبرم مكتب المستشار الدولي عقدًا مع شركة «بيلسبري وينثروب شو بيتمان – Pillsbury Winthrop Shaw Pittman» الأمريكية لتقدم خدمات ضغط لصالح المعتقلين، بالتواصل مع الحكومة الأمريكية، بالإضافة إلى التواصل مع جهات إعلامية.

تواصلت الشركة مع عدة جهات مهمة، فمثلًا عقدت اجتماعات متكررة مع موظفين بمكتب السيناتور الجمهوري، ليندسي جراهام، شاركَ شخصيًّا في أحدها، وهو من أهم أعضاء المجلس لعمله في اللجنة القضائية.

واجتمعت الشركة بوالتر جونز، الجمهوري الوحيد بمجلس النواب ممن شاركوا في رسالة وجَّهت للرئيس بوش الابن تدعوه لإغلاق معتقل جوانتانامو ونقل مَن فيه لسجون داخل الولايات المتحدة، وهو عضو بلجنة القوات المسلحة.

من اتصالات شركة «بيلسبري وينثروب شو بيتمان»، لصالح أهالي المعتقلين الكويتيين في جوانتنامو، الاتصالات مع مجموعة من الصحافيين بكبرى وسائل الإعلام الأمريكية، ومع أعضاء الكونجرس. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

ومن اللافت للنظر تواصل الشركة مع النائب الجمهوري باك ماكين، أحد أشد معارضي إغلاق معتقل جوانتانامو، وقد سعى لتعطيل أي تشريعات في الكونجرس تسمح بنقل الأسرى منه للولايات المتحدة.

والتقت بموظفين كبار من وزارتي الخارجية والعدل، أبرزهم هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية آنذاك.

وإعلاميًّا، تواصلت الشركة مع عدة جهات مثل «سي إن إن»، وصحيفة «وول ستريت جورنال»، تحديدًا مع الصحافي إيفان بريز، والذي كتب قطعة صحفية عن المعتقلين «الكويت والولايات المتحدة تختلفان بشأن معتقلي جوانتانامو».

انتهى العقد بين الطرفين في نهاية يناير (كانون الثاني) 2016، بعد خروج فايز الكندري، آخر معتقل كويتي في جوانتانامو، وقد حصلت الشركة الأمريكية منذ 2010 على مليونين و917 ألف دولار، بحسب وثائقها بوزارة العدل الأمريكية.

عقد آخر طويل الأمد للضغط على وزارة الخارجية الأمريكية

في عقد آخر عام 2007 لمكتب المستشار الدولي الكويتي، استأجر شركة «ذا نيوإنكو – The Newinco»، وهي شركة مختصة بالشؤون القانونية والتشريعية في الولايات المتحدة، وهدف العقد مثل سابقه، ولكن ركَّزت الشركة تواصلها على جهة واحدة وهي وزارة الخارجية الأمريكية، وبالأخص المسؤولين عن ملف إغلاق معتقل جوانتانامو.

في الفترة بين مايو (أيار) 2012 وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، عقدت الشركة اجتماعات مختلفة، من بينها لقاءات متكررة مع الدبلوماسي الأمريكي دان فرايد، المبعوث الأمريكي الخاص لإغلاق معتقل جوانتانامو بين عامي 2009-2013.

Embed from Getty Images

صورة لمعتقلين في جوانتانامو، عام 2002. 

وكثفت الشركة اتصالاتها مع كليف سلون، وبول لويس، وتشارلز ترمبل، وجميعهم شغلوا منصب المبعوث الخاص لإغلاق المعتقل، وبين فارلي، كبير المستشارين بالمكتب نفسه.

وانتهى هذا التعاقد في 16 فبراير (شباط) 2016، وأخذت خلاله الشركة 668 ألف دولار أمريكي، بحسب وثائقها بوزارة العدل الأمريكية.

الضغط على الكونجرس

مليونًا و241 ألف دولار دفعها مكتب المستشار الدولي في تعاقده مع «مجموعة بوتماك سكوير – Potomac Square Group»، استهدفت فيه المجموعة أعضاء بارزين بالكونجرس، واستمر التعاون أربعة أعوام من 2012 وحتى نهاية يناير (كانون الثاني) 2016.

في مجلس النواب تواصلت الشركة مع النائب الديمقراطي جيم موران، من دعاة إغلاق جوانتانامو، وممن عارضوا غزو العراق في المقام الأول، ونسَّق لعقد جلسات استماع بالكونجرس عن إغلاق المعتقل الذي يصفه موران بأنه «بقعة سوداء» في سمعة الولايات المتحدة.

واجتمعت الشركة مع النائب الديمقراطي جيم ماكفجرن، وهو أيضًا من مؤيدي إغلاق المعتقل، وكتب رسالة في 2013 لأوباما يدعمه فيها في معركة الإغلاق. ويُذكر أن ماكجفرن عضو في لجنة القواعد، المُشرفة على أجندة المجلس.

أخيرًا يرد اجتماع مع كريس جيبسون، نائب جمهوري من لجنة القوات المسلحة، صوَّت لصالح تخصيص أموال من الموازنة العامة لتوفير نفقات إغلاق المعتقل ونقل المعتقلين منه لسجون أخرى.

أما في مجلس الشيوخ، لربما تكون ديان فاينستاين أهم شخصية اجتمعت بها الشركة، الشيخة الديمقراطية ورئيسة لجنة الاستخبارات التي قادت التحقيق في برنامج التعذيب الذي استخدمته جهات أمريكية على معتقلين في جوانتانامو وفي مواقع أخرى خارج الولايات المتحدة، وبنهاية التحقيق أصدرت لجنتها التقرير الشهير عن برنامج تعذيب «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)»، في 2014 من 500 صفحة.

وفي وقت لاحق اجتمعت الشركة بموظفين يعملون بلجنة الاستخبارات.

وتواصلت الشركة عدة مرات مع مكتب السيناتور الجمهوري، جون ماكين، وهو أحد أقدم مؤيدي إغلاق المعتقل، على الرغم من معارضة عارمة في حزبه الجمهوري، ولكنه مؤيدٌ للإغلاق ولكن «بخطة» وبحذر، وأعلن مسبقًا جاهزيته للتعاون مع إدارة أوباما إذا ما قدمت خطة لإغلاق المعتقل ومراقبة المعتقلين الذين سيُفرج عنهم أو سينقلون لدول أخرى. ولكن الخطة لم تكن كافيةً لإقناعه لخوض المعركة مع زملائه الجمهوريين، وتراجع عن دعمه لها.

مليونا دولار لشركات أخرى لتساعد في الحملة

في يوليو (تموز) 2010، وقَّعت شركة مكتب المستشار الدولي الكويتي عقدًا مع «مجموعة ماديسون – Madison Group»، لتقدم الشركة الأمريكية خدمات استشارية وتمثيلية في الدعاوى القضائية لإخراج المعتقلين الكويتيين في سجن جوانتانامو.

ولا تُورد وثائق الشركة أية تفاصيل نظرًا إلى طبيعة أنشطتها القانونية، وانتهى عقدها في فبراير 2011 وأخذت 300 ألف دولار أمريكي.

ويأتي عقد ثانٍ في نوفمبر 2012، وقَّعه مكتب المستشار الكويتي مع شركة «جاريسون كورتيني – Garrison K. Courtney»، ولا تفاصيل فيه سوى أنه للضغط لإخراج السجناء الكويتيين.

آخر العقود التي أبرمها مكتب المستشار الكويتي يأتي مع شركة «لويش باش – Lewish Baach» الأمريكية، والتي قدمت استشارات وخدمات قانونية؛ فضلًا عن تواصلها المكثف مع كليف سلون، وتشارلز ترمبل، مبعوثي إغلاق جوانتانامو في وزارة الخارجية، ومع بول لويس، مبعوث وزارة الدفاع لإغلاق جوانتانامو.

وقد بدأ هذا العقد في أبريل (نيسان) 2013 وانتهى في مارس (آذار) 2016، وتحصلت خلاله الشركة على مليون و677 ألف دولار نظيرًا لخدماتها.

هذه القصة جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد