كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية في تقرير لها عن وثائق مسربة للاستخبارات الإيرانية، أسماء «جواسيس» وعملاء عراقيين، يعملون في مناصب سياسية، ودينية، وعسكرية. تتركز مهمتهم في الحفاظ على النفوذ الإيراني وكشف العملاء الأمريكيين، عبر العمل بواسطة شبكة مُوسعة داخل المؤسسات العراقية المختلفة.

التقارير المسربة التي جاءت في 700 صفحة، تكشف العمل المضني الذي أداه الجواسيس الإيرانيون، لاختيار قادة البلاد، ودفع رواتب الوكلاء العراقيين الذين يعملون من أجل الأمريكيين، لتبديل مواقفهم والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية، والاقتصادية، والدينية، في العراق.

هذا التقرير يكشف لك 14 شخصية عراقية ذكرت في الوثائق الإيرانية.

بعيدًا عن التسريبات.. كيف أعدت إيران المعارضة العراقية للحُكم؟

منذ سقوط «حزب البعث العراقي» السُنّي عقب الغزو الأمريكي عام 2003، وجدت إيران فرصة كبرى لتقاسم ساحات النفوذ، بدءًا من الاجتماعات السرية التي عقدتها واشنطن مع طهران قبيل الغزو. فقد ساهمت إيران في إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين؛ عبر «فيلق بدر» الذي تأسس برعاية الخميني عام 1982، وشارك في القتال إلى جانب طهران في حرب الخليج الأولى (بين العراق وإيران)، علاوة على انتفاضات الجنوب الشيعي لقلب نظام الحُكم عام 1991.

لكن دور «فيلق بدر» الأكبر تمثل بالمشاركة في عملية احتلال العراق عام 2003 بقوة بلغت 16 ألف مُسلح، في الوقت الذي كانت فيه مرجعية النجف، وعلى رأسها آية الله علي السيستاني، تُحرّم رفع السلاح على الأمريكيين.

بعد سقوط النظام العراقي؛ عيّنت واشنطن بول بريمر حاكمًا مدنيًّا في بغداد، وبدأت المباحثات لتشكيل مجلس الحكم، تمهيدًا لإجراء الانتخابات البرلمانية. وبينما رفض السيستاني الاعتراف بمجلس الحُكم في البداية، بدعوى أنه «غير ديمقراطي»، توصلت المعارضة العراقية التي كانت تمثل وجهة النظر الإيرانية مع الولايات المتحدة، إلى تفاهمات لتشكيل المجلس الذي تكوّن من 25 شخصًا أكثر من نصفهم من الشيعة، بينما حصل كل من السُنة والأكراد على خمسة مقاعد في المجلس.

وحتى تلك الفترة، كان النفوذ الأمريكي ما يزال حاضرًا وسط تفاهمات مع إيران. فبالرغم من تصدر المعارضة الشيعية المشهد، فإنها كانت منقسمة بسبب الاختلافات الأيديولوجية والسياسية، بين الانتماء لمرجعية قُم في إيران، ومرجعية النجف في العراق، التي ترفض ولاية الفقيه، ولا تعترف بمنصب المرشد الإيراني. أيضًا انقسم الشيعة داخليًّا حول تحديد العلاقة مع إيران وواشنطن والجوار العربي، لكن تحت الظرف السياسي؛ اتحدت داخل الائتلاف الوطني الموّحد.

في انتخابات 2005، حظي الائتلاف الموّحد بمباركة السيستاني، الذي دعا بوضوح لانتخاب الكتل الدينية فقط، وحرّم انتخاب أي قائمة ليس على رأسها شخصية دينية. لتأتي نتائج الانتخابات باكتساح الائتلاف مقاعد البرلمان، وحصوله على 128 مقعدًا من أصل 275، لتتشكل أول حكومة برئاسة إبراهيم الجعفري -وزير الخارجية الحالي- والذي يصفه البعض بأنه «سفير إيران في بغداد»، والأخطر أنّ ميليشيا «فيلق بدر» المسلحة حصلت على مقعد وزارة الداخلية.

وبعد تسع سنوات من الحرب، قرر الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، الانسحاب من العراق في عام 2011، وسط اعتراف بتنامي النفوذ الإيراني -في ظل حكومة نوري المالكي المحسوب على  مرجعية قُم وليس النجف- ويذهب البعض إلى القول بأنه لولا الغزو الأمريكي للعراق، لما وصل الشيعة القادمون من طهران إلى الحُكم.

هذه الفرصة الاستثنائية لطهران، تكررت بعد بروز «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، بوصفه قوة كبرى، واستحواذه على 40% من العراق. وفي الوقت الذي فشل فيه الجيش العراقي الذي أنفقت فيه الولايات المتحدة نحو 25 مليار دولار لدحر التنظيم، تشكلت ميليشيا  «الحشد الشعبي» من 67 ميليشيا، كان نصيب خامنئي منها نحو 44 ميليشا، لتتكرر تجربة «فيلق بدر» مرة أخرى.

والجولة الأهم  التي تصف هزيمة الولايات المتحدة في العراق، تتمثل في زيارة تلك البلد المُتنازع عليها. فبينما وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،  إلى بغداد، أوائل العام الحالي في زيارة سرية عبر طائرة مظلمة مُطفأة الأنوار، قبل أن يرفض رئيس الوزراء العراقي لقاءه، استُقبل روحاني الذي زار العراق في مارس (آذار) الماضي للمرة الأولى منذ توليه الرئاسة عام 2013؛ بحفاوة بالغة من المسئولين الرسميين وقادة العشائر، والتقى المرجع الشيعي علي السيستاني، الذي لا يُقابل السياسيين عادةً.

وعطفًا على ما سبق، فإن الوثائق الاستخباراتية التي سُربت مؤخًرا، وتشير إلى الجانب المظلم من قصة النفوذ  الإيراني المُعلن؛ تُتهم الولايات المتحدة بتسريبها مُستغلةً التظاهرات التي تضرب الشوارع العراقية منذ ثلاثة أسابيع، وتُرفع فيها هتافات تطالب بإسقاط التدخل الإيراني.

الترجمة الكاملة لتحقيق «نيويورك تايمز»: وثائق سرية مسربة تكشف نفوذ إيران داخل العراق

«جنود إيران المخلصون».. 5 رؤساء وزراء في قائمة التسريبات

يأتي رئيس الوزراء العراقي الحالي عادل عبد المهدي، في صدر قائمة التسريبات، وتصفه الوثيقة بـ«وكيل الحكومة الإيرانية في العراق»، ويرجع تجنيده –بحسب المراسلات- إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين هرب من نظام الرئيس العراقي صدام حُسين إلى إيران، وعمل من هناك ضد النظام السُنّي المدعوم من دول الخليج، بحسب الوثائق المسربة.

/

لكن ما لم تذكره الوثيقة أن دوافع الشيعة العراقيين للعمل ضد النظام العراقي، يعود إلى حرب الخليج الأولى التي شنّها العراق ضد الجمهورية الإسلامية الوليدة التي أسقطت نظام الشاه عام 1980. إذ كان الجيش العراقي وقتها يضم عشرات الآلاف من الشيعة العراقيين الذين جُندوا قسرًا لقتال إخوانهم في المذهب، دون أن يحصلوا على فتوى الانضمام للحرب؛ فقد رفض المرجع الشيعي وقتها، أبو القاسم الخوئي، أن يمنح الضوء الأخضر لصدام، وتعرض الخوئي للإقامة الجبرية، وعذب أفراد أسرته، واعتُقل عدد كبير من علماء النجف.

وبالعودة لرئيس الوزراء الحالي، فالوثيقة تزعم أن إيران اختارته في منصب نائب رئيس الجمهورية عام 2005، كما تدخلت في تعيينه وزيرًا للنفط عام 2014، ثم حصل أخيرًا على دعمٍ مباشرٍ لتولي رئاسة الحكومة عام 2018.

التسريبات تناولت أيضًا رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي (2014- 2018)، فبينما تصفه الوثيقة بـ«رجل بريطانيا» و«مرشح الأمريكان»، فإنّ الوثيقة الاستخباراتية تكشف أن إيران كانت تشك في البداية في ولائه، خاصة أنه لا يعترف بنظرية ولاية الفقيه التي ترفضها مرجعية النجف. إلا أنه بعد أشهر من وصوله إلى منصبه، بعث رسالة لإيران بأنه على استعداد تام لإقامة علاقة سرية مع المخابرات الإيرانية، بحسب ما جاء في التسريبات.

ويكشف التقرير عن لقاء خاص بين العبادي وضابط بوزارة الاستخبارات الإيرانية يُعرف باسم «بروجردي»، عُقد في مكتب رئيس الوزراء بدون وجود سكرتير أو شخص ثالث.

والمفارقة أنّ أول رئيس وزراء منتخب للعراق عام 2005، إبراهيم الجعفري، صُنّف داخل الوثيقة بأحد أكثر الشخصيات ارتباطًا بإيران، وهو السبب الذي دفع طهران للضغط لتعيينه وزيرًا للخارجية في حكومة حيدر العبادي، واللافت أنّ الجعفري اعترف لصحيفة «نيويورك تايمز»، التي نشرت التسريبات عن علاقته مع طهران.

وعلى رأس الوثيقة يأتي اسم رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري المالكي (2006- 2014)، وتصفه التسريبات بـ«المُفضّل لدى طهران»، كونه عمل مندوبًا لدى الحكومة الإيرانية منذ كان منفيًّا لديها في الثمانينيات، هاربًا من نظام البعث العراقي، وتكشف الوثيقة اشتراط الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما إطاحته لتجديد الدعم العسكري للعراق. وعدَّته واشنطن سبب ظهور «داعش»؛ بسبب سياساته الطائفية وقيادته لـ«فرق الموت» التي استهدفت السُنة، ويتبع نوري المالكي مرجعية قُم، ويؤمن بولاية الفقيه، لذا لم يكن مُفضًلا لدى المرجع الشيعي في العراق آية الله السيستاني.

وعلى عكس التوقعات، برز اسم رئيس وزراء كردستان العراق الحالي، نيجيرفان بارزاني، الذي تكشف التسريبات أنه التقى بكبار المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين، ورئيس الوزراء حيدر العبادي في بغداد، في ديسمبر (كانون الأول) عام 2014، ثم توجه على الفور للقاء مسؤول إيراني لإبلاغه بكل ما جرى بحثه.

رئيس الاستخبارات العسكرية السابق وآخرون.. الجميع في خدمة إيران

الورقة الأهم في الوثيقة تتعلق برئيس الاستخبارات العسكرية السابق في الجيش العراقي، الجنرال حاتم المكصوصي، الذي سلم طهران تفاصيل «برنامج الاستهداف السري» الذي قدمته الولايات المتحدة للعراقيين، كما نقل لإيران كافة المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالأنشطة الأمريكية في العراق.

/

وتكشف الوثيقة أنّ الجنرال العراقي بعث رسالة إلى ضابط الاستخبارات الإيراني المسئول عن ملف العراق مفادها: «كل معلومات مخابرات الجيش العراقي اعتبرها لك»، كما تُسلط التسريبات الضوء على طبيعة التعاون بين البلدين؛ فالضباط من وزارة الاستخبارات والحرس الثوري في العراق عملوا بالتوازي معًا ضد الوجود الأمريكي.

التسريبات أيضًا تشير إلى الخطأ الذي ارتكبته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، بطرد العديد من عملائها السريين في الشوارع، وتركهم عاطلين دون عمل في بلدٍ ما زال يُعاني من آثار الغزو. إضافة إلى الشبهات التي حامت حولهم بسبب صلاتهم بالولايات المُتحدة، وبدلًا من أن تستهدفهم إيران بالقتل، استقبلتهم بكثير من الأموال، مقابل الكثير أيضًا من المعلومات المجانية.

 وتتطرق التسريبات بشكل مجهول إلى مسؤول عراقي، وعميل سابق لدى وكالة الاستخبارات المركزية يحمل اسمًا مُستعارًا هو «دوني براسك». إذ انتقل هذا المسؤول المجهول إلى إيران للحماية، ثم كشف مواقع البيوت الآمنة التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، وأسماء الفنادق التي قابل فيها عملاء الوكالة، بالإضافة إلى تفاصيل أسلحته والتدريب على المراقبة، وأسماء الجواسيس العراقيين الذين يعملون لدى واشنطن.

الوثائق ذكرت أيضًا زرع طهران «مسؤول مجهول في وزارة الخارجية العراقية»، تمثل دوره في تسريب ملفات استخباراتية حول خطط الحكومة الأمريكية في العراق، وكشف الاتصالات السرية مع «تنظيم الدولة»، بالإضافة للتعامل مع أي عملية مطلوبة.

البرلمان العراقي أيضًا لم يسلم من الجواسيس، فالتسريبات كشفت أنّ كبير مستشاري رئيس مجلس النواب العراقي السابق، سليم الجبوري (لم تذكر اسم المستشار)، هو أحد أصول المخابرات الإيرانية الذي كان يتجسس بحكم منصبه على اتصالات رئيس المجلس مع الأمريكيين.

وأن «المستشار المجهول»، قد حث الإيرانيين على تطوير علاقات أوثق مع الجبوري، لعرقلة الجهود الأمريكية لرعاية طبقة جديدة من القادة السنة من الشباب داخل العراق، وربما لتحقيق المصالحة بين السنة والشيعة. محذرًا أنه يتعين على إيران أن تتصرف لمنع رئيس البرلمان من تحول ولائه لأمريكا؛ لأن الجبوري يتصف بالسذاجة والقرارات المتسرعة.

«تعمل معنا».. 5 وزراء عراقيين في الوثيقة الإيرانية

/

بالحديث عن الوزراء المُتعاونين في حكومة متورطة بالعمل لصالح إيران، تشير الوثيقة إلى خمسة وزراء، بداية بالوزير باقر جبر الزبيدي، وزير النقل في حكومة حيدر العبادي الذي استقبل قائد «فيلق القدس» الإيراني، قاسم سليماني في مكتبه ووعده بعدم الرضوخ للضغوطات الأمريكية. وتمثّل دوره في الموافقة على فتح المجال الجوي العراقي إلى سوريا لنقل طائرات إيرانية محمّلة بالأسلحة والإمدادات؛ لدعم نظام بشار الأسد.

وتتحدث المراسلات الاستخباراتية أيضًا عن أن الزبيدي -عضو «فيلق بدر»- حين كان وزيرًا للداخلية عام 2005، قاد حملات تعذيب لمئات السجناء السُنّة حتى الموت، وهو ما كان سببًا في تدرجه في المناصب الوزارية منذ عام 2003، وحتى عام 2016.

الاسم الثاني على قائمة الوزراء الجواسيس يأتي لصالح وزير الاتصالات السابق، حسن الراشد، الذي وصفته الوثيقة الاستخباراتية بأنه «يعمل لصالح حكومة إيران وشعبها». واستغل الوزير بحسب الوثائق المسربة، منح الولايات المتحدة العراق نظامًا فائق الدقة للتنصت على الهواتف المحمولة؛ وقدّم معلومات لصالح طهران، وهو ما ساهم في تقوية النظام المُحاصر بالعقوبات الأمريكية.

اللافت في التسريبات أنها أدرجت اسم وزيرة البيئة السابقة، عديلة محمود العبودي، ووصفتها الوثيقة أنها تعمل معنا رغم أنها «سُنيّة». الوثيقة أيضًا أدرجت اسم وزير حقوق الإنسان السابق، محمد مهدي البياتي، عضو «فيلق بدر» الذي وصفته الاستخبارات الإيرانية بالمحب للجمهورية الإسلامية، وبينما ذكرت الوثيقة وزير التعليم السابق القادم من مدينة النجف المنافسة لإيران، حسين الشهرستاني، إلا أنها وصفته بأنه «ليس صديقًا، ولكننا لن نواجه مُشكلة معه».

الوثائق تجاوزت الأسماء، وأشارت إلى النجاحات التي حققتها إيران عبر استخدام نفوذها نفوذها لإتمام صفقات التنمية المربحة بالعراق، وتظهِر إحدى الوثائق أن «فيلق القدس» حصل على عقود النفط والتنمية من أكراد العراق مقابل حصولهم على أسلحة وغيرها من المساعدات. وفقًا لتقرير ميداني آخر مُنحت إيران في جنوب العراق عقودًا لمعالجة مياه الصرف الصحي بدفع رشوة قيمتها 16 مليون دولار لأحد أعضاء البرلمان.

 

«الحشد الشعبي».. كيف تعمل ذراع إيران القوية لإفشال مظاهرات العراق

المصادر

تحميل المزيد