1,433

كانت ثورة يناير المصرية مفاجأة للجميع، ومُلهمة للكثير من الفنانين، فظهر عقب الثمانية عشر يومًا العديد من الأعمال الفنية المرتبطة بأحداثها، والتي وثقت أيامها، كان من بينها «فيلم 18 يوم» والذي قال عنه أحد صناعه، المخرج يسري نصر الله، في مهرجان أبو ظبي السينمائي: «أردنا أن نصنع بهذا الفيلم وثيقة لكل من قال يومًا إن الشعب المصري يجب أن يُحكم بالكرباج والحديد والنار، هذه وثيقة لهم ليتذكروا أنه مهما كانت نتيجة تلك الثورة، فهذا الشعب سيحيا حرًا».

الفيلم عبارة عن عشرة قصص مجمعة عن الثورة المصرية والـ 18 يوم تحديدًا التي سبقت تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك، تم تجميعهم من خلال أفلامٍ قصيرة تحكي قصة الثورة من خلال شخصيات مختلفة، منهم الثوري ومنهم المواطن العادي الذي يستقبل الحدث في منزله، لكن وعلى الرغم من مشاركة الفيلم كضيف شرف في مهرجان كان السينمائي عام 2011، إلى جانب مشاركته في العديد من المحافل الدولية، لكنه لم يعرض جماهيريًا في بلده الأم مصر، بل تم طمسه لمدة ست سنوات حتى تم تسريبه أخيرًا منذ يومين عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وقام العديد من صناعه بالاحتفاء بالنسخة المسربة على موقع يوتيوب من خلال نشرها عبر حساباتهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، كما احتفى به رواد تلك المواقع، فهل استحق الفيلم المنع الرقابي كل هذه المدة؟

«احتباس».. البداية كانت مستشفى الأمراض العقلية

يبدأ الفيلم الأول القصير وهو احتباس للمخرج والمؤلف شريف عرفة، داخل مستشفى للأمراض العقلية، تجمع تقريبًا كل طوائف الشعب، وكأن الشعب كله حبيس المشفى؛ فهناك مدرس التاريخ، والصحافي والإعلامي المعارض للنظام، وعضو الجماعة الإسلامية، والضابط السابق في أمن الدولة، والشاب الفاقد لذاكرته، والذي يمثل طائفة الشباب التي خرجت تندد بالنظام في 25 يناير (كانون الثاني) 2011، ليحكي كل منهم قصته في شكل حديث مع النفس يدور بشكلٍ مسرحي داخل عنبر واحد بالمستشفى يعانون جميعًا من الاحتباس داخله.

استخدم المخرج النافذة والتلفاز كنافذتهم على العالم، والتي من خلالها يصلهم صوت الثورة، إلا أن المشفى تقطع الإرسال وتغلق النوافذ في كل مرة يصلهم فيها هذا الصوت الخارجي.

قال عنه النقاد بعد عرضه في مهرجان كان السينمائي إنه كان بداية ضعيفة للفيلم، كما صرح الناقد السينمائي الدكتور نادر الرفاعي لـ «ساسة بوست» أنه كان الحلقة الأضعف في العشرة أفلام القصيرة.

«خلقة ربنا/ إن جالك الطوفان».. كيف رأى البسطاء الثورة؟

يشارك الكاتب والمؤلف بلال فضل في 18 يوم بفيلمين قصيرين، هما: «خلقة ربنا» والذي يدور حول فتاة بسيطة بائعة شاي، كل ما تفكر فيه هو حدث بسيط «صبغ شعرها باللون الأصفر»، وهل هو حلال أم تغيير فيما خلقه الرب، كما يقنعها المحيطون بها في منطقتها الشعبية؟ وفي الثورة تمارس عملها بشكلٍ طبيعي داخل ميدان التحرير، وعلى الرغم من عدم فهمها لطبيعة الثورة، إلا أنها تنساق خلف الجماهير، ليسحقها رجال الأمن بعصاهم وبياداتهم، والفيلم من إخراج كاملة أبو زكري، أما الفيلم الآخر فهو «إن جالك الطوفان» والذي يدور حول أشخاص بسطاء يسعون خلف الرزق الذي يكفل لهم استمرارية الحياة، فهم باعة أعلام ليس لهم ميول سياسية خاصة، والرأي السياسي بالنسبة لهم هو من رأي الرابح الذي من خلاله ستدر عليهم الأموال، والفيلم من إخراج محمد علي.
يحكي عن التجربتين لـ«ساسة بوست» الكاتب بلال فضل مُعبرًا عن سعادته بأن الفيلم قد خرج للنور أخيرًا، وهو الآن بين يد الجمهور ليقيمه حق تقييم، قائلًا: «لقد حاولت أن أقدم فيه قصتين مختلفتين يعبران عن المواطن المصري غير المسيس، ففيلم خلقة ربنا يحكي عن بائعة شاي بسيطة، أما إن جالك الطوفان فيحكي عن مواطنين على هامش الأحداث، كل ما يفكرون فيه هو المكسب الذي سيجعلهم قادرين على استكمال الحياة»، ويستكمل فضل حديثه قائلًا: «سعدت بالتعامل في التجربتين مع كاملة أبو زكري، والتي كنت أعمل معها للمرة الأولى، كما سعدت بالتعامل مع المخرج محمد علي، خاصة وأننا اجتمعنا سويًا من قبل من خلال مسلسل أهل كايرو».

ويشير بلال فضل في النهاية إلى تمنياته بأن يعجب الفيلم الجمهور، متمنيًا أن يمكنهم من التفكير فيما حدث إبان الثورة المصرية عام 2011 وحتى الآن، كما وضح أن الإجابة الرسمية حول عدم عرض الفيلم في مصر حتى الآن لدى الشركة المنتجة «لايت هاوس».

«19 19/ تحرير 2_2».. الحلقتان الأقوى

شكل كلا الفيلمين صدمة خلال أحداث فيلم 18 يوم نظرًا لما يحتويه الاثنان من ألفاظٍ جريئة، كانت تقال لأول مرة على شاشة السينما، حتى إن البعض أرجع السبب الرقابي لعدم عرض الفيلم جماهيريًا حتى الآن لتلك الألفاظ، إلا أن البعض الآخر أرجعه للمحتوى السياسي الذي جعل الفيلم يُمنع من جهات سيادية، فيقول يسري نصر الله في حوار له مع موقع مصراوي إن هناك تدخلات أمنية حالت دون عرضه، وهي حالة سياسية تعيشها البلاد منذ سنوات، والحقيقة أن هذا المحتوى السياسي كان مكثفًا في كلا الفيلمين.

في الفيلم الأول « 19 19» والذي قام ببطولته كل من عمرو واكد وباسم سمرة وإياد نصار، لن نخرج خارج غرفة التعذيب في المعتقل السياسي، ليكشف عن الطريقة التي كان يتم بها تعذيب المعتقلين حتى الموت، من خلال قصة عصام: الشاب الذي يقع تحت القبضة الأمنية، في محاولة للضغط عليه للاعتراف بوجود تنظيم معين خلف أحداث 25 يناير. الفيلم من تأليف عباس أبو الحسن وإخراج مروان حامد.

أما الفيلم الآخر «تحرير 2_2» والذي قام ببطولته آسر ياسين ومحمد ممدوح وهند صبري، فيدور حول أحداث موقعة الجمل في الثاني من فبراير (شباط) 2011، ولكن من خلال عينين مختلفتين، عين الشخص الذي تم تأجيره للهجوم؛ أسرة بسيطة يعولها رجل يكسب قوته من المشاجرات بالسيف، خمسون جنيهًا ملطخة بالدماء ثمن وجبة سمك، هي الوجبة الأكثر ترفيهًا له ولأسرته البسيطة، وعلى الصعيد الآخر هناك شاب يبكي صديقه الذي فقده في تلك الموقعة، الفيلم من تأليف وإخراج مريم أبو عوف.
يشيد الناقد نادر الرفاعي بالفيلمين قائلًا: إنهما الحلقتان الأقوى في العمل، وأن كلاهما كان مرتبطًا بأعمالٍ سابقة لصناع الفيلم، فالكاتب والمخرج في فيلم 19 19 هم نفس صناع فيلم إبراهيم الأبيض، أما فيلم تحرير 2_2 فهو مرتبط بفيلم بيبو وبشير الذي شارك في بطولته آسر ياسين ومحمد ممدوح وكان من إخراج مريم أبو عوف أيضًا.

«كحك الثورة/ شباك».. ومراقبة الحدث من وراء الجدران

شكل كلا الفيلمين وجهة نظر من شاهد الحدث من وراء جدران عالمه الصغير، وكيف استقبل كل منهم الأحداث، ففي فيلم كحك الثورة مثلًا، والذي صنفه الناقد نادر الرفاعي أنه من أقوى أجزاء العمل، نرى بطل الفيلم أحمد حلمي الذي يقوم بدور رجل بسيط يعمل خياطًا في محيط وسط المدينة، ويعاني من ضعف النظر ومرض السكري، نجده منفصلًا تمامًا عن الأحداث السياسية التي تحدث حوله، فيهلع عقب إلقاء أول قنبلة غاز مسيل للدموع؛ ليحبس نفسه داخل دكانه الصغير طوال أحداث الثورة معتقدًا أن ما حدث هو غزو إسرائيلي للدولة المصرية، مسجلًا كل خيالاته على شرائط كاسيت قديمة كرسائل لوالده، والفيلم من تأليف أحمد حلمي وإخراج خالد مرعي.

أما فيلم شباك للمؤلف والمخرج أحمد عبدالله، والذي قام ببطولته أحمد الفيشاوي، فنرى من خلاله شابًا في العشرينات يقضي وقته كله في غرفته متصفحًا مواقع التواصل الاجتماعي، لنرى الثورة من غرفته متمثلة في شباك صغير يطل منه على الفتاة التي تعجبه أثناء ذهابها وعودتها من الميدان حاملةً للافتات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وفي إحدى مشاهد الفيلم نرى أحمد الفيشاوي وهو يحاول أن يقوم بري نباتٍ على شباك الفتاة في العمارة المقابلة عندما تتأخر عن موعدها اليومي في ريه، فيستعمل مسدس مياه لإتمام المهمة عن بعد، فيقول عن ذلك الناقد نادر الرفاعي لـ«ساسة بوست»: «هناك استخدام للرمزية في هذا المشهد؛ فري النبتة من خلال مسدس المياه يقابله مفارقة مع الأحداث الواقعية حيث كان يتم استخدام المياه لتفريق المتظاهرين»، وفي كلا الفيلمين يخرج البطلين للشارع في النهاية كاسرين حاجز الخوف أو اللامبالاة.

«حظر تجول/ أشرف سبرتو/ داخلي خارجي».. المشاركة الفعلية في الثورة

تظهر المشاركة الفعلية في الأحداث من خلال ثلاثة أفلام تدور كلها في عوالم مختلفة، فنجد فيلم «حظر تجول» هو جولة في عالم شوارع المدينة الليلية المغلقة بالدبابات منذ بدء موعد الحظر وحتى السادسة صباحًا من خلال رحلة جد مع حفيده للمستشفى تنتهي باكتشاف الجد أن الحفيد لم يكن حقًا مريضًا، بل كان يريد أن يحقق حلمه بأخذ صورة الثورة الشهيرة مع الدبابة وضابط الجيش.

يقول عن الفيلم الناقد نادر الرفاعي أن الطفل يمثل الجيل الجديد في تلك الأيام، وقد حقق مبتغاه في نهاية الفيلم بأخذ صورته، بما يتماس مع مشاعر الثوار حينذاك، الفيلم بطولة أحمد فؤاد سليم، وإخراج شريف البنداري.

ثم يأتي فيلم «داخلي خارجي» والذي شارك في كتابته تامر حبيب، وأخرجه يسري نصر الله، ليمثل الفتور والخوف المحيط بجو المنزل الخانق من خلال علاقة زوجية فاترة في مقابل شعور الأبطال بالحرية عقب نزولهم الميدان، ويقول عنه نادر الرفاعي لـ «ساسة بوست»: «داخلي خارجي وظف تفصيلة الطعام الفاسد للإشارة إلى هشاشة العلاقة بين الزوجين، وهي تفصيله ظهرت في فيلم احكي يا شهرزاد لنفس المخرج».

أما فيلم «أشرف سبرتو» والذي قام ببطولته محمد فراج وإيمي سمير غانم، فيمثل الطبقة الوسطى التي كانت تخشى المشاركة في البداية، ولكن البطل في النهاية يكسر حاجز الخوف ليشارك في تضميد جراح المصابين في دكانه الصغير الخاص بتصفيف الشعر، لتنتهي أحداث الفيلم كاملة بأشرف «محمد فراج»، يغلق أبواب دكانه الصغير عقب التنحي لتظهر عبارة «ارفع راسك فوق انت مصري» على الأبواب وكأنها الرسالة الأساسية لكل تلك القصص.

هل كُرم الفيلم في مهرجان كان أم كُرمت الثورة؟

يقول عن ذلك الفنان عمرو واكد أحد أبطال العمل، أنه تمت دعوته لعمل فيلم تطوعي عن الثورة المصرية، تذهب كل إيراداته لأهالي شهداء الثورة ومصابيها، وهو الأمر الذي جعله يقبل العمل دون تفكير، لكنه لم يكن يعلم من هم فريق العمل الكامل، وفي حوارٍ له بصدى البلد قال أنه رفض السير على السجادة الحمراء، لأنه ليس هناك ما يسمى بفنان الثورة، أو فيلم الثورة.

يستكمل واكد حديثه قائلًا إنه فوجئ بوجوه في الفيلم لا يصلح لأن تمثل الثورة المصرية، كما أن العمل ضعيف فنيًا ولا يصلح لأن يكون عمل الثورة، مُشيرًا إلى أن الفيلم لم يُكرم في مهرجان كان، وإلا كان تم اختياره في المسابقة الرسمية كباقي أفلام المهرجان، لكن التي كُرمت هي الثورة المصرية، وهو الأمر الذي يؤيده رأي نقاد المهرجان، حيث تم الإشارة إلى ضعف الفيلم فنيًا، معللين ذلك بأنه فيلم عاطفي تم إنتاجه في شهرين فقط تأثرًا بالثورة. ربما هذا ليس رأي العديد من المشاهدين الذين تعاطفوا مع الفيلم ومع «نوستالجيا» الثورة التي مثلها، لكنه يظل رأي واحد من أهم صناعه، ورأي العديد من النقاد.