أنا أمثّل الشعب الجزائري، ولا توجد أي مؤسسة من مؤسسات الجمهورية -بما في ذلك الجيش الجزائري- يمكنها عزلي، أنا الجزائر كلّها، أنا أجسّد الشعب الجزائري، إذن قولوا للجنرالات أن يلتهموني إن كانوا يستطيعون!

بهذه الكلمات، أجاب بوتفليقة في سنواته الرئاسيّة الأولى عن تساؤلات الصحافة الفرنسية حول نفوذ الجنرالات داخل السلطة في الجزائر واحتماليّة سيطرتهم على مقاليد الحكم داخل أروقة السلطة، وذلك بعد عقد التسعينيّات العصيب، الذي شهد حربًا أهليّة دمويّة، وتحكّمًا مطلقًا من طرف الجيش في كل أشكال الحياة العامة في الجزائر، إذ كانت هذه المؤسّسة منذ استقلال سنة 1962 هي من تعيّن الرؤساء وتُقيلهم.

وعاد الاهتمام مرّة أخرى بقضيّة النفوذ العسكري في السلطة بالجزائر في خضمّ الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر هذه الأيّام والمطالب برحيل النظام، خصوصًا بعد رسالة قائد أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح الذي دعا إلى تفعيل المادة 102 من الدستور، باعتبارها مخرجًا من الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد. وهو ما جعل بعض المراقبين يصفون هذا التصريح بأنّه انقلاب ناعم من الجيش على بوتفليقة الذي يعاني من المرض، والذي لم يظهر في خطاب علنيّ منذ 2012.
لكن ما الذي تغيّر داخل الجيش الجزائريّ منذ التسعينيات وحتى سنة 2019؟

هيمنة عسكرية تاريخية على السلطة السياسية منذ الاستقلال

كثيرًا ما يشير الباحثون في التاريخ والسياسة إلى أنّ الدُول عادة ما تنشئ جيوشًا من أجل حمايتها، ما عدا الجزائر التي كان الجيش فيها سابقًا لإنشاء الدولة نفسها، فكلاهما -الدولة والجيش- خرج إلى الضوء في خضمّ الحرب التحريريّة (1954-1962) ضد الاستعمار الفرنسيّ. وبسبب الشرعيّة التاريخيّة التي امتلكها الجيش الجزائري باعتباره ينحدر من جيش التحرير الوطني الذي قاد الصراع العسكري مع الفرنسيّين، فقد كان دائمًا يحظى بنفوذ كبير في أروقة السياسة، كما اعتمد عليه الرؤساء المتتابعون في تاريخ الجزائر بشكل رئيسي لتقوية نظام حكمهم وبسط نفوذهم، منذ عهد بن بلّة الذي تحالف مع جيش الحدود لإيصاله إلى كرسي السلطة، إلى بومدين -وزير الدفاع الذي انقلب على الرئيس بن بلّة- الذي شهدت فترته «عسكرة» شبه كاملة للدولة، وصولاً إلى شاذلي بن جديد ذي الخلفية العسكريّة والذي كان مرّة أخرى للعسكريّين الكلمة العليا في تعيينه ثم دفعه إلى الاستقالة بعدها.
Embed from Getty Images

جنرالات وقيادات عسكرية جزائرية خلال فترة التسعينات

شكّلت سنوات التسعينيات المرحلة الأبرز في هيمنة النفوذ العسكري والأمني على الدولة، وذلك بعد توقيف المسار الانتخابي سنة 1992 بعد فوز حزب «الجبهة الاسلاميّة للإنقاذ» واستقالة الرئيس شاذلي بن جديد من الرئاسة، ليستلم الجيش مقاليد الحكم بحجّة «إنقاذ الجمهورية» ومكافحة الإرهاب.

دخلت المؤسّسة العسكرية بعدها في حرب شعواء مع الاسلاميين الذين اتّجه جزء كبير منهم لحمل السلاح والالتحاق بالجبال، وسرعان ما أغرق هذا الصراع البلاد في حرب أهليّة شديدة العنف راح ضحيّتها أكثر من 200 ألف قتيل حسب الإحصائيّات الرسميّة، وسط تخبّط وسيولة شديدة على المستوى السياسي، وتعامل أمني وعسكري طرح العديد من التساؤلات حينها.

حاول الجيش في بداية التسعينات التقرّب من بوتفليقة من أجل تنصيبه رئيسًا، لكن الأخير رفض بسبب عدم قبول الجيش بالشروط التي فرضها عليهم خلال المفاوضات، لتتّجه المؤسسة العسكريّة إلى جنرال متقاعد ممثّلاً في اليامين زروال الذي عُيّن رئيسًا للدولة سنة 1994، لينسحب من المشهد بعدها ويقرّر إجراء انتخابات رئاسيّة مبكّرة، بعد عدّة أزمات وصراعات بينهم وبين الأجهزة الأمنيّة، وحدّة المجازر الدمويّة التي بلغت مستويات جنونيّة خلال فترة حكمه، والتي ربطها الكثيرون بالصراع في أعلى هرم السلطة.

بعد وصول بوتفليقة إلى السلطة سنة 1999، أكّد على أن الجيش لن يتدخّل إطلاقًا في صلاحيّاته، ووعد بأنّه سينهي نفوذ الجنرالات التاريخيين وأنّه «لن يكون ثلاثة أرباع رئيس»، وانطلق في حملة حقيقيّة لإبعاد جنرالات التسعينيات من مراكز صنع القرار، وقد نجح في ذلك إلى حدّ كبير. إذ شهد الجيش الجزائريّ تغيّرًا عميقًا منذ سنوات التسعينيات إلى اليوم، وعرف اختفاء القيادات العسكريّة من ساحة التأثير لحدّ كبير، إمّا بسبب استبعاد بوتفليقة وحليفه قائد الأركان أحمد قايد صالح لهذه الوجوه، أو لأسباب طبيعيّة تمثّلت في مرض ووفاة الكثير منهم واتجاههم إلى التقاعد.

شيئًا فشيئًا استطاع بوتفليقة بالتحالف مع قائد الأركان أحمد قايد صالح تحييد جنرالات سنوات التسعينيات الذين كانوا يشكّلون بالنسبة إليه منافسًا داخل أروقة السلطة، ويتعلّق الأمر بكلّ من محمّد العمّاري، وزير الدفاع السابق في العهدة الأولى لبوتفليقة وأحد أبرز جنرالات فترة التسعينيات الذين كان لهم دور بارز في قرار الجيش بتوقيف المسار الانتخابي، والذي غادر منصبه بعد فوز بوتفليقة بعهدة ثانية سنة 2004، إذ تشير أنباء إلى أنّه في تلك الفترة كان يدعم مُنافس بوتفليقة في الانتخابات الرئاسيّة، لكن فوز الرئيس بعُهدة ثانية كان يعني ضرورة انسحاب وزير دفاعه من المشهد.

بالإضافة إلى محمد العمّاري فقد شهد الجيش الجزائري انسحاب كلّ من خالد نزّار، وزير الدفاع في عهدة الرئيس الشاذلي بن جديد والمسؤول الرئيسي عن قرار توقيف المسار الانتخابي في سنة 1992، الانسحاب الذي أرجعه إلى حالته الصحيّة، بالاضافة إلى إسماعيل العمّاري الذي توفي سنة 2007، والعربي بلخير الذي كان يوصف بـ«العلبة السوداء» للنظام الجزائري، إذ استعان به بوتفليقة في سنواته الأولى مديرًا لديوان الرئاسة، قبل أن يعيّنه سفيرًا في المغرب إلى غاية وفاته سنة 2010.

وقد شكّل هؤلاء الجنرالات الخمسة الخطّ الأكثر تشدّدًا تجاه الاسلاميين، وجرى تلقيبهم بـ«الاستئصاليّين»، إذ كانوا يرفضون التفاوض أو المصالحة مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ ويصرّون على حظر نشاطات الحزب واستئصال الإرهاب تمامًا، ويرون أن السبيل الوحيد للتعامل مع الإسلاميين هو من خلال الحل الأمني وحده.

ما مستقبل أقارب بوتفليقة في السلطة بعد تخليه عن «العهدة الخامسة»؟

بوتفليقة وقايد صالح.. تحالف استثنائي لإنهاء «دولة توفيق»

وقد شهد رحيل محمّد العمّاري من على رأس قيادة الأركان واستبداله بأحمد قايد صالح بداية عهد جديد من العلاقة بين الرئاسة والجيش، تحوّلت من التنافس على النفوذ وتقاسم السلطة، إلى التوافق التام، خصوصًا أنّ قايد صالح كان يكنّ لبوتفليقة تقديرًا ووفاءً شديديْن بسبب تعيينه له على رأس الجيش، كما اتّسمت العلاقة فيما بعد بالتحالف الاستراتيجي من أجل تقويض نفوذ القطب الثالث في الدولة، وهو جهاز المخابرات وقائده الفريق توفيق.

Embed from Getty Images

الرئيس بوتفليقة رفقة رئيس الأركان قايد صالح

لا شكّ أنّ انعكاسات العشرية السوداء على المؤسّسة العسكرية الجزائرية كانت كارثيّة لدرجة كبيرة، فرغم الصلاحيات والنفوذ الاستثنائي الذي حظيت به المؤسسة في تلك الفترة، بحُكم الظرف الأمني الذي عاشته البلاد، إلاّ أنّ الكثيرين يرون أن الجيش الجزائري قد خسر الكثير خلال تلك الحرب، سواء من ناحية الشرعية التاريخية والرمزية التي كان يحوزها، والتي اهتزّت بسبب تدخّله العنيف في الشؤون السياسيّة، خصوصًا بعد أن انتقدت عدّة منظّمات حقوقيّة أساليبه وممارساته القمعية المتّبعة خلال الحرب، أو بسبب الضريبة الكبيرة التي دفعها من خلال الجنود والضحايا والمعطوبين، وارتفاع تكلفة التعامل مع المستقدمين والجرحى والمعطوبين، والذين يطالبون حتى الآن باسترجاع حقوقهم.

هذه الموجة من الانتقادات التي طالت المؤسسة العسكرية الجزائريّة حينها، حول طريقة تسييرها لمرحلة التسعينيات دفعت بوزير الدفاع محمّد العمّاري رفقة عدّة جنرالات إلى الخروج إلى الاعلام لأوّل مرّة، والردّ على هذه الانتقادات أمام كاميرات الصحافة. وقال العمّاري في هذا الظهور الإعلامي النادر: «إذا كان السؤال هو إن كان الجيش في الماضي قد تورّط في المشاكل السياسية في بلدنا، سأجيب بنعم».

شاهد: ظهور أمني نادر لوزير الدفاع الجزائري محمد العمّاري

وقد عرفت تلك الفترة من التسعينيّات تغوّلاً كبيرًا لنفوذ الأجهزة الأمنية بشكل عام، وخاصة المخابرات ممثّلة في جهاز مديريّة الاستعلام والأمن (DRS) بقيادة اللواء محمد مدين الملقّب بـ«توفيق»، والذي يوصف بأنّه صانع الرؤساء و«رب الجزائر» تعبيرًا عن النفوذ الاستثنائي الذي كان يملكه هو وجهازه داخل أروقة الحكم وانتشار رجاله في كل مفاصل الدولة. هذا النفوذ تواصل بعد وصول بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999، وأشعل تنافسًا قويًّا بين أجنحة الحكم من الرئاسة والمخابرات وقيادة أركان الجيش، انتهت بخروج الرئاسة وقيادة الأركان منتصرة في النهاية بعد إلغاء الكثير من صلاحيات جهاز الاستعلامات على مدار السنوات، ثم إقالة توفيق في سبتمبر (أيلول) سنة 2015، وبذلك يكون أحد أقوى جنرالات التسعينات وآخرهم قد غادر دواليب السلطة.

لكن رحيل توفيق عن منصبه الرسمي في المخابرات لم يعنِ أبدًا انتهاء نفوذه المنتشر في الكثير من مؤسّسات الدولة، إذ تشير عدّة مصادر إلى أنّه ما يزال يلعب دورًا خلف الأبواب المغلقة في التأثير على الأحداث السياسيّة، لعلّ آخرها كان الاجتماع الذي شارك فيه، والذي ضمّ شقيق الرئيس بوتفليقة وشخصيّات أخرى رفيعة المستوى للتشاور حول الأحداث الراهنة في خضمّ الحراك الشعبيّ المطالب برحيل السلطة، وهو ما أشعل طوارئ لدى قيادة أركان الجيش، إذ هاجمت هذا الاجتماع في بيان لها، وتمسّك بتطبيق المادة 102 باعتبارها مخرجًا من الأزمة الحاليّة.

لماذا أصرّ الفريق قايد صالح على حماية بوتفليقة حتى اللحظة الأخيرة؟

هل تغيّرت العقيدة العسكرية للجيش الجزائري؟

بسبب هذه التغييرات الكبيرة ورحيل «الحرس القديم» عن قيادة المؤسّسة العسكرية في الجزائر، هناك اتجاه يرى أنّ هذا قد أحدث تغيّرًا حقيقيًّا في عقيدتها العسكريّة، بعد أن كانت توصف سابقًا بـ«الاستئصالية» والانقلابيّة، وأنّ القيادة الحالية لا تسعى للسلطة بقدر ما تسعى بالنأي بنفسها عن الشؤون السياسية، خصوصًا بعد تجربة التسعينيات الأليمة والتكلفة الكبيرة التي خرجت بها من تلك الأحداث، وأن القيادة الحاليّة تمتنع عن أي تخندق أيديولوجي أو سياسي وتركّز على مهامها الدستوريّة.

أحد من يُدافعون عن هذا الرأي شخصية تدعى أحمد شوشان، نقيب سابق في الجيش الجزائري ولاجئ حاليًّا في بريطانيا والناشط السياسي على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان قد جرى اعتقاله في سنة 1992 بعد حملة اعتقالات شملت كلّ من يُشكّ في قربه من الاسلاميين داخل الجيش في تلك الفترة. ويرى شوشان أن الجيش الجزائري قد شهد عدّة تغيّرات في ظلّ القيادة الحاليّة وأنّ هذه القيادة تملك رؤية مختلفة جذريًّا عن تلك التي كانت في سدّة الحكم في سنوات التسعينات، أين شهدت الجزائر حربًا شعواء بين الجيش والمسلّحين من التيار الإسلامي عقب إلغاء الانتخابات التي فازت فيها «الجبهة الاسلاميّة للإنقاذ»، كما أنها تسعى إلى التحرّر من الهيمنة الفرنسية عليها، حسب شوشان.

بالإضافة إلى الموجة التي أطاحت بجنرالات التسعينات تباعًا خلال سنوات بوتفليقة، فإن أكثر التغييرات سرعة وجذريّة منذ التسعينات إلى الآن كانت تلك الحملة التي شهدها صيف 2018 الساخن داخل الجيش الجزائري، إذ شهد موجة شديدة من التغييرات والإقالات وحتى الاعتقالات في صفوف الجيش الجزائري، وصفت بأنها الأكبر منذ الاستقلال.

إذ جرى تغيير عدّة قادة للنواحي العسكريّة بالإضافة إلى كل من قادة القوّات البريّة والجويّة والبحريّة، بالإضافة إلى كل من مدير المالية ومدير الموارد البشرية والمدير العام لوزارة الدفاع الجزائريّة، ورئيس الدرك الوطني، وسجن عدّة جنرالات بتُهم فساد في إطار حملة وصفتها الصحافة الجزائريّة بـ«تسونامي» الإقالات في صفوف الجيش، وقد وصفت المؤسسة العسكرية الجزائرية هذه الحملة بأنّها تأتي في إطار «التداول على الوظائف»، إلّا أن الكثير من المتابعين رؤوا فيها خطوة من طرف قائد الأركان ونائب وزير الدفاع الوطني أحمد قايد صالح لتعزيز نفوذه داخل المؤسّسة العسكرية وإحكام قبضته على مراكز القرار الحسّاسة فيها.

Embed from Getty Images

الرئيس بوتفليقة رفقة رئيس الأركان أحمد قايد صالح

صحيح أنّه لا يمكن إنكار التغيّرات الحقيقية التي طرأت على المؤسسة العسكرية الجزائرية منذ التسعينات إلى اليوم، لكن لا يمكن الجزم بنيّة قيادة الجيش الجزائري بالالتزام بمهامها الدستوريّة المتمثّلة في حماية الحدود من عدمها، خصوصًا بعد إصرارها على ضرورة تفعيل المادة 102 من الدستور التي تنصّ على إعلان شغور منصب الرئاسة لدواعي المرض، والتي قد توحي إلى رغبتها في لعب دور في المرحلة الانتقالية التي ستشهدها البلاد بعد رحيل الرئيس بوتفليقة الذي تنتهي عهدته الرئاسية رسميًا في 28 أبريل (نيسان) القادم، خصوصًا أنّ السيناريو المصري يبقى في أذهان الكثير من المتابعين، فيما يؤكّد آخرون على أنّ الجيش يجد نفسه مضطرًّا للتحرّك بسبب الفراغ السياسي الرهيب الذي تتخبّط فيه البلاد، في ظلّ غياب الرئيس لدواعي المرض، وعدم اعتراف الشارع بالمؤسّسات الأخرى مثل الحكومة والبرلمان.

المارد الذي يخشاه الرؤساء.. هكذا يتحكّم الجيش الجزائري في خيوط اللعبة السياسية

 

المصادر

تحميل المزيد