بترقّب وحذر ينتظر الجزائريون العام الجديد الذي كان من المفترض أن يشهد أهمّ حدثٍ سياسيّ تشهده البلاد متمثلًا في الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها ربيع 2019، ولكن بسبب الضبابية والغموض اللذين تتّسم بهما الوضعيّة السياسيّة في الجزائر، واحتمالات التأجيل أو التمديد للرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة، تأتي سنة 2019 كهاجسٍ للكثير من المراقبين الجزائريين، بسبب الترقّب لما ستحمله الانتخابات من جهة – إن أُجريت – وممّا يحمله الوضع الاقتصادي المتدهور للبلاد من جهة أخرى بسبب سقوط أسعار النفط. في الأسطر القادمة نتطرّق إلى حيثيّات أهمّ التحديّات السياسية والاقتصاديّة التي تنتظر الشارع الجزائريّ في السنة القادمة.

الصراع على الرئاسة في الجزائر.. هل حان وقت التضحية برأس أحمد أويحيى؟

 

انتخابات بلا مرشّحين.. رئاسيّات 2019 «على كفّ عفريت»

على الرغم من بقاء أقلّ من أربعة أشهر عن موعد إجراء أهم موعد سياسيّ في 2019، وهو الانتخابات الرئاسيّة، إلا أنّ الساحة السياسيّة تعيش حالة استثنائيّة من الترقّب والانتظار، في ظلّ عدم معرفة إن كانت الرئاسيّات ستُجرى في موعدها أم لا، إذ إن جميع الأحزاب بما في ذلك أحزاب الموالاة لم تشرع في أيّة حملة انتخابيّة أو حشد الدعم لمرشّح معيّن؛ وذلك بسبب الوضع الاستثنائيّ الذي تعيشه السلطة إثر تدهور صحّة الرئيس بوتفليقة. يأتي هذا بعد تضارب الأنباء حول مصير هذه الانتخابات، إثر مطالبة أحزابٍ في المعارضة والموالاة على حدّ سواء بتأجيل الانتخابات الرئاسية، وتمديد العهدة الحالية لبوتفليقة لسنة أو سنتين.

Embed from Getty Images

وفي الوقت الذي يرفض فيه كلّ من معاذ بوشارب رئيس البرلمان الجزائري ومنسق هيئة تسيير الحزب الحاكم، وأحمد أويحيى الوزير الأوّل الجزائري وأمين عام التجمع الوطني الديمقراطي الحديثَ عن تأجيل الانتخابات الرئاسية أو تمديد العهدة الحالية، بعد التأكيد مرارًا على أنّ الانتخابات ستُجرى في وقتها، أطلقت حركة «مجتمع السلم (إسلاميّون)» مبادرة «التوافق الوطني» من أجل الحصول على إجماعٍ حول مرشّحٍ توافقيّ بين السلطة والمعارضة يقود البلاد بعد بوتفليقة.

وطالبت الحركة من خلال مبادرتها للتوافق بتأجيل الانتخابات الرئاسية من أجل الشروع في إصلاحات سياسيةٍ عميقةٍ تضمن توازن المؤسسات، وإمكانية التنافس الانتخابي الشفاف في الانتخابات الرئاسية حسب وصف رئيسها، وكذا إصلاحات اقتصادية تمنع البلد من الانهيارات المحتملة، وتحدّ من حالة الفساد التي تعيشها البلاد، كما أعلنت الحركة رفضها لترشّح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة، مؤكدةً انتهاجها خيار المقاطعة في هذه الحالة.

وقبل نحو شهرٍ من انتهاء الأجل الدستوري الأقصى لاستدعاء الرئيس بوتفليقة للهيئة الناخبة، أعاد حزب «تجمّع أمل الجزائر»، أحدُ أحزاب الائتلاف الرئاسي الأربعة، والذي يقود الوزير الأسبق عمّار غول المقرّبُ من السُلطة، طرحَ فِكرة تأجيل الانتخابات الرئاسية، ونادى غول القوى السياسية والمدنية من موالاةٍ ومعارضةٍ إلى ندوة «إجماع وطني» للاتفاق على مرحلة يتم خلالها تمديد الولاية الرئاسية الحالية سنتين إضافيّتين مع ترتيبات سياسية مصاحبة لما بعد انتهاء هذه المرحلة.

وهي المبادرة التي لقيت ترحيبًا من قادة أحزاب التحالف الرئاسي الذين شرعوا في التحضير للندوة في شهر يناير (كانون الثاني) المقبل، وهي الندوة التي يراها رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور والمعارض لنظام بوتفليقة بأنّها «بديل السلطة للانتخابات الرئاسية المقرّرة شهر أبريل (نيسان) 2019، وهي كفيلة بالرفض» حسب تصريحه لصحيفة «TSA» الإلكترونيّة.

والتحق عبد القادر بن قرينة رئيس «حركة البناء الوطني»، بركب الداعين إلى تأجيل الانتخابات الرئاسية من خلال دعوته إلى حوار سياسي يشمل جميع المكونات السياسية دون إقصاء، يتوّج بندوة وطنية، وأكّد بن قرينة أنّ حركته «تثمن دعوات الحوار الوطني، ولن تخرج عن الإجماع الوطني والانحياز للمصالح الوطنية، والتوجه نحو المستقبل بتهيئة الظروف لانتقال آمن وسلس على المدى المتوسط».

وأمام المطالبين بتأجيل الانتخابات، وُجدت أصوات سياسيّة مُعارضة لهذا المسعى الذي من المرجّح أن تنتهجه السلطة، لتجعل السنة القادمة سنةً غامضةً وتحوّل الانتخابات الرئاسيةٍ إلى لُغز غامض قبل أسابيع قليلة من التاريخ الرسمي لإجرائها، ومن جهته أبدى محسن بلعباس عن رفضه الشديد لمقترح تأجيل وتمديد العهدة الحالية مؤكدًا أنّ حزبه يطالب بتقليص الفترات الرئاسية فكيف يقبل بالتمديد، بالإضافة إلى شخصيّات سياسية أخرى كجيلالي سفيان رئيس حزب جيل جديد الذي وصف تأجيل الانتخابات بـ«المغامرة الخطيرة وإلغاء للدستور».

الرجل الأخطر في الجزائر.. الفريق أحمد قايد صالح الذي يتتبع الجميع خطواته

 

انهيار أسعار النفط يوحي بتفاقم الأزمة الاقتصاديّة

إلى جانب الانتخابات الرئاسيّة، يُنبئ الوضع الاقتصادي باستمرار الأزمة الماليّة التي تعيشها البلاد منذ انهيار أسعار النفط سنة 2014، خصوصًا بعد تراجع الأسعار مرّة أخرى في الأيام السابقة إلى 52 دولارًا للبرميل بعد أن كان قد وصل إلى أكثر من 84 دولارًا في شهر أكتوبر (تشرين الأوّل) السابق.

وفي حديثه أمام ولاة المحافظات الجزائرية مطلع الشهر الحالي قال الوزير الأوّل الجزائري أحمد أويحي أن العام المقبل «سيشهد مراجعة سياسة الدعم وترشيد النفقات واتخاذ إصلاحاتٍ عميقة»، وهو ما يُرجح تواصل الإجراءات التقشفيّة وتقليص النفقات.

Embed from Getty Images

واعترف أويحيى بوجود أزمة اقتصادية تنتظر الجزائر العام المقبل، بالقول: «تمويل الخزينة من بنك الجزائر سيتوقف في 2022 طبقًا للقانون. وفي انتظار ذلك التاريخ بات لزامًا علينا أن نتقدّم في الإصلاحات التي ستمكّننا من تحقيق التوازن في ميزانية الدولة، ولنتفادى أيضًا الوقوع في فخّ صعود أسعار النفط، فقد تراجعت مجددًا بنسبة 30% في الأسابيع الأخيرة»

وأضاف: «ينبغي لنا إذًا ترشيد نفقاتنا بفضل الإصلاحات الموجودة قيد التحضير والتي سيتم تطبيقها بوتيرة مقبولة بالنسبة للمجتمع دون المساس بحركية التنمية، وإن ظلت الدولة تواجه صعوبات مالية، فإن ذلك سينعكس مباشرة على المؤسسات، وقد لاحظنا ذلك في السنوات الأخيرة، حيث تراكمت الديون التي تحوزها المؤسسات لتبلغ حوالي 1000 مليار دينار تعذر الوفاء بها؛ ما تسبب في إفلاس بعض هذه المؤسسات».

تحذيرات أويحيى هذه تعكسها تحذيرات مركز «إنترناشونال كرايسز غروب» للدراسات في إحدى تقاريره من أنّ الجزائر قد تُواجه أزمة اقتصادية مع حلول 2019 في حال لم تجرِ الحكومة الجزائرية إصلاحاتٍ اقتصادية شاملة وفورية، وجاء في التقرير الذي رسم صورة سوداء حول الوضع الاقتصادي للجزائر أنّه «في غياب الإصلاحات… فإنّ أزمة اقتصادية يمكن أن تضرب الجزائر مع حلول سنة 2019، لتغذّي التوتر المحيط بالانتخابات الرئاسية القادمة».

وتخشى الجزائر من تكرر الأزمة الإقتصادية التي عصفت بالبلد سنة 2014،  بسبب انخفاض أسعار النفط، وهي الأزمة التي صمدت خلالها الحكومة بينما بقيت أثارها على التنمية من خلال توقف العديد من المشاريع التنموية لنقص السيولة، وتأتي الأزمة الجديدة لتشكل ضربة قوية لاقتصاد الجزائر حسب الخبراء والذين يتوقعون صعوبة الخروج بسلامةٍ منها واحتمال وقوع اضطرابات اجتماعية بسببها، خصوصًا حال مراجعة الحكومة سياسة الدعم الذي يعيش عليه غالبية الجزائريين.

بعد ظهور الرئيس.. الجزائريون في رحلة بحث عن ألف مليار دولار صرفها بوتفليقة

 

سنة 2019 ستلتهم 30% من احتياطي العملة الصعبة

خلال عرضه لمشروع قانون المالية 2019 أمام البرلمان الجزائري، كشف وزير المالية الجزائري عبد الرحمن راوية أن احتياطي العملة الصعبة بلغ 88.61 مليار دولار إلى غاية نهاية يونيو (حزيران)  2018 ، متوقعًا أن يواصل انخفاضه ليصل مستوى 62 مليار دولار سنة 2019 أي بتراجع بنسبة 30%، ومرحلة النفاذ سنة 2021.

وأثناء جلسةٍ خصّصت لعرض تقرير بنك الجزائر (البنك المركزي) حول التطوّرات المالية والنقدية ذكر محافظ بنك الجزائر أنّ  احتياطات العملة الصعبة انخفضت إلى مستوى 82.12 مليار دولار نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي مقابل 97.33 مليار دولار نهاية 2017، أي ما يعادل 15.21 مليار دولار في غضون 11 شهرًا وهو مؤشرٌ ينبئ بسرعة تأكل إحتياطي العملة الصعبة بالخزينة الجزائرية.

ويحذّر الخبراء الاقتصاديّون من خطورة نفاد احتياطي الصرف، وما قد ينتج عنه من عدم وجود تغطيّة للواردات بالعُملة الصعبة، وبالتالي قد تلجأ الحكومة إلى الاستدانة الخارجية، وهي الخطوة التي تحفّظت حولها الحكومة الجزائريّة منذ بداية الأزمة الاقتصاديّة سنة 2014.

موازنة 2019.. هل يدخل بوتفليقة إلى العهدة الخامسة من بوابة الاقتصاد؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد