تشهد الانتخابات البرلمانية الجزائرية، التي ستُقام في 12 من شهر يونيو (حزيران) القادم، انقسامًا في الساحة السياسية والشعبية؛ إذ سيشارك عدد من الأحزاب، أبرزها الأحزاب الإسلامية، كالأحزاب المحسوبة على الإخوان المسلمين: حركة مجتمع السلم، وحركة البناء الوطني، وجبهة العدالة والتنمية، وحركة النهضة، وحركة الإصلاح الوطني. هذا بالإضافة إلى الأحزاب المحسوبة على السلطة: جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وأحزاب أخرى مثل جيل جديد، وجبهة الحكم الراشد وغيرها. 

من الجانب الآخر، أعلنت الأحزاب «الديمقراطية» مقاطعتها للانتخابات: جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، بالإضافة إلى حزب العمَّال والاتحاد من أجل التغيير والرقي، ومن ثم سيشمل السباق الانتخابي الإسلاميين وأحزاب يراها الحراك محسوبة على السلطة. 

أجواء مشحونة وغليان اجتماعي.. هل تكون الانتخابات هي الانفراجة؟

في الوقت نفسه، يرفض المشاركون في الحراك – العائد بمناسبة الذكرى الثانية لانطلاقته، في 22 فبراير (شباط) الماضي – المشاركةَ في الانتخابات، بحجَّة عدم شرعية السلطة الحاكمة، وغياب شروط النزاهة والشفافية، ورفضًا للاعتقالات وإغلاق المجال العام، وتشهد البلاد أسبوعيًّا، خروج مظاهرات احتجاجيَّة في 20 محافظة على الأقل، يطالب فيها المتظاهرون برحيل النظام وتسليم السلطة للشعب وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. 

وتأتي هذه الانتخابات البرلمانية في ظلِّ ظروف سياسية واقتصاديَّة شديدة الحساسيَّة؛ إذ تعرف الجبهة الاجتماعية غليانًا غير مسبوق، بسبب ارتفاع أسعار المواد الأساسية بصورة كبيرة، بالإضافة إلى نُدرة بعض المواد المدعَّمة مثل الحليب والزيت؛ مما جعل صور الطوابير الطويلة التي تنتظر حصَّتها من هذه المواد مشهدًا اعتياديًّا في الكثير من المدن الجزائرية، كما تعرف مكاتب البريد ندرة حادة في السيولة الماليَّة، مما جعل الكثير من العمَّال يعجزون عن تسلُّم رواتبهم، هذا بالإضافة إلى الإضرابات العمَّالية المنتشرة في العديد من القطاعات، من بينها إضراب للمعلِّمين، ولسلك عمَّال البريد والحماية المدنية (المطافئ).

أما من الناحية السياسية، فيرى المشاركون في الحراك أنه لا يوجد تغيير جذري في ظروف سير الانتخابات عن تلك التي سبقتها؛ فرغم وجود هيئة «مستقلة» تشرف على تنظيم ومراقبة الانتخابات، بدلًا من وزارة الداخلية، فإن أعضاءها يعيِّنهم الرئيس، كما تشهد وسائل الإعلام المستقلة تضييقات ملموسة، كما أن هنالك صحافيًّا مسجونًا بتهمة تتعلَّق بالنشر، وهو الصحافي عادل كراش من جريدة «ليبارتي» الناطقة بالفرنسية. 

لماذا شارك الإسلاميون وقاطع العلمانيون الانتخابات البرلمانية الجزائرية؟ 

تعد الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها في يونيو (حزيران) القادم، هي الاستحقاق الثالث منذ رحيل الرئيس بوتفليقة في أبريل (نيسان) 2019؛ بعد كلٍّ من الانتخابات الرئاسية التي أتت بالرئيس تبون رئيسًا، والاستفتاء على التعديلات الدستورية في نوفمبر (تشرين الثاني) من سنة 2020، والتي شهدت مشاركة 23% صوَّت ثلثهم رفضًا لهذه التعديلات.

ليس هذا فحسب، بل إن هنالك مسألة أن محافظتيْ بجاية وتيزي وزو اللتيْن قد تعرفان مقاطعة للانتخابات البرلمانية، مثلما حدث في الانتخابات الرئاسية والاستفتاء الدستوري، وهو ما قد يصنع عزلة سياسية عن هاتيْن المحافظتيْن، ويقوِّي التيار الانفصالي الممثَّل في «الحركة من أجل انفصال القبائل» الناشط في  المنطقة ذاتها.

في حديثه مع «ساسة بوست» يؤكّد محمد وعراب، عضو «حركة مجتمع السلم» الإسلامية، أن قرار المشاركة في الانتخابات جاء بعد دراسة الساحة السياسية والشعبية، والتأكُّد من أن قرار المشاركة هو الأنسب، خصوصًا بعد تراجع أحزاب السلطة: «محددات مشاركة حركتنا في الانتخابات مقرونة بعدة شروط ومسح للساحة السياسية وكذا الشعبية».

من بين هذه الظروف بحسبه «ضعف أحزاب السلطة وتراجعها، مما قد يجعلها فرصةً لتقدم الحركة إلى الصف الأول بعدما بقيت في المرتبة الثالثة خلف حزب «جبهة التحرير» و«التجمع الوطني الديمقراطي» منذ 1997، رغم التزوير الكبير، أيضًا فالتشريعيات مختلفة عن الرئاسيات تمامًا، وفرصة المراوغة والتموقع فيها كبيرة وحيازة كتلة برلمانية معتبرة سيبقيها في المشهد السياسي القادم مهما تعقَّد».

بالإضافة إلى ذلك يؤكد وعراب أن خلفية الحركة التاريخية «رافضة لعقلية المقاطعة السلبية طويلة المدى، وبالتالي كان لهذه الخلفية دور كبير في هذا القرار بعدما رفضت المشاركة في رئاسيات 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، ورفضت الدستور المقترح عبر التصويت عليه بـ«لا».
أما بالنسبة للحراك الموجود في الشارع والرافض لهذه الانتخابات، فيشير وعراب إلى أن الحراك لم يعرض خريطة طريق واضحة منذ أكثر من سنتيْن، كما أن هنالك اتهامات جاهزة ضد حركتهم السياسية من طرف بعض من يتحدَّثون باسم الحراك: «الشعبوية الجارفة تقف حجر عثرة في أي محاولة جادة لتحويل الغضب العارم الذي يعم الشارع الى قوة اقتراح».

مقاربة «حركة مجتمع السلم» حسب وعراب تكمن في «ضرورة تحويل السيول الجارفة إلى الصناديق يومًا واحدًا فقط، بهذا الشكل لا يمكن للسلطة أن تتلاعب بالنتائج مهما كانت بعيدة عما تريده، مع إبقاء قوة الضغط عبر الشارع إلى أن تستقيم الأمور. دون هذه الثنائية سنخسر وقتًا ثمينًا جدًّا بينما تقوم السلطة بإعادة تدوير نفسها وتجاوز صدمة الحراك، الأمر الواضح جدًّا مع الأسف».

ستعرف الانتخابات القادمة مشاركة من جميع الأحزاب الإسلامية، مع مقاطعة لكبرى الأحزاب المحسوبة على العلمانيين، فهل يمكن أن يخلق هذا الاصطفاف الأيديولوجي حالة من الاستقطاب بين التيارات السياسية؟ يقول وعراب في هذا الصدد إن «العلمانيين يعلمون جيدًا أنه لا فرصة لديهم في أي انتخابات، لذا يتترَّسون وراء المقاطعين بدعوى مناصرة الحراك، لكن معرفتنا الطويلة لهم، الممتدة عشرات السنين تجعلنا نقول إن هذا ادعاء باطل».

يضيف وعراب: «إن هدفهم هو مرحلة انتقالية طويلة المدى تسير بالتعيين المباشر في مراكز صناعة القرار، وهذا ما يرمون إليه، في حين أن الإسلاميين متخوِّفون من المراحل الانتقالية التي جربناها سابقًا، بل لا نزال نعيش تداعياتها إلى يوم الناس هذا من جراء توقيف المسار الانتخابي مطلع التسعينيات».

أمَّا التيار الديمقراطي فيحذِّر من عواقب الرؤية الأحادية التي تنتهجها السلطة، ويرى مناضلو الأحزاب المقاطعة أن هذه الانتخابات تشكِّل خطرًا على الانسجام الوطني. في حديث مع إبراهيم بن عوف، القيادي في الأمانة الوطنية لـ«جبهة القوى الاشتراكية»، أقدم حزب معارض في البلاد وأحد الأحزاب المقاطعة للانتخابات البرلمانية، أفاد بأن قيادة الحزب قد حذَّرت رئيس الجمهورية من مغبَّة المضيِّ في الأجندة الانتخابية: «قرار عدم المشاركة في الانتخابات التشريعية القادمة جاء بعد نقاش داخل مؤسسات الحزب،  وقبل ذلك كان هنالك لقاء برئيس الدولة يوم 14 فبراير (شباط)؛ إذ حذَّرت جبهة القوى الاشتراكية السلطة من مواصلة أجندتها الانتخابية الأحادية».
ويضيف إبراهيم: «لقد طالبت قيادة السلطة بتقديم مؤشرات ثقة قوية للجزائريين، ومن بينها إطلاق سراح كل المعتقلين وتوقيف كل المتابعات القضائية ضد النشطاء، وفتح الإعلام، وبعدها فتح حوار شامل مع كل الجزائريين بدون إقصاء، لكتابة خارطة طريق توافقية»، «نحن اليوم نعيش تضييقًا أكثر على الحريات الفردية والجماعية وغلقًا إعلاميًّا، والسلطة مصممة في الذهاب بأجندتها الأحادية؛ لهذا فإن عدم المشاركة أمر منطقي؛ لغياب كل شروط تنظيم الانتخابات وحتى إن هذه الانتخابات تشكل خطرًا على الانسجام الوطني».

لكن البعض قد يتَّهم الأحزاب المقاطعة بالسلبية ورفض كل البدائل والمقترحات التي تقدِّمها السلطة، فهل هذا صحيح؟ يقول ابن عوف أن «الرافض لكل بديل هو السلطة، فمنذ 22 فبراير 2019، طُرحت العشرات من المبادرات من طرف مواطنين، وتكتلات أحزاب وشخصيات وطنية، ولكن السلطة هي الرافضة لسماع الصوت الآخر، وهي مصممة في تنفيذ أجندتها الأحادية، وترفض أي تنازل للمجتمع في أبسط حقوقه وهو التعبير عن الرأي أو ممارسة حق التظاهر، ليس البديل هو الغائب؛ بل هي الإرادة من النظام في التغيير والاستجابة للمطالب الشعبية هي الغائبة».

لكن هل من الممكن أن تكون هذه الانتخابات انفراجة على الصعيد السياسي؟ لا يتّفق ابن عوف حول هذه الرؤية، بل يحذِّر من خطر الانتخابات على مستقبل البلاد: «أعتقد أن الانتخابات القادمة ستكرِّس أكثر من أي وقت مضى المقاطعة الشعبية لها، وكل المؤشرات تمهد لذلك؛ فيوجد ولايات كاملة لا يوجد مرشحون فيها، الأرقام الرسمية لجمع الإمضاءات أيضًا مؤشر عن الرفض الشعبي لهذه الانتخابات، حتى إنه تم تمديد تاريخ آجال جمع التوقيعات».

الربيع العربي

منذ شهرين
هادر ولا يتوقف.. ما المطالب الحقيقية للحراك الجزائري؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد