تناولت الغداء مع أبي في لندن منذ بضعة أيام، اصطحبني إلى مطعمه المفضل، وبدأ في الحديث الذي كنت قد تجنبته بأعجوبة حتى تلك اللحظة؛ سألني في توترٍ عن خطتي للحياة، هل أرى نفسي متجهةً نحو الاستقرار وتأسيس أسرة؟ هل بدأت في توفير الأموال اللازمة لشراء منزل؟ ما الخطوة التالية في حياتي المهنية؟ نظرت إليه نظرة لا تحمل أية تعبيرات، قبل أن أجيب بغير مبالاةٍ قائلةً الجملة الخالدة التي يحبها المراهقون في كل مكان: «لا أعلم». ولكنني لستُ مراهقة! إنني في الرابعة والثلاثين من عمري!

عندما كان أبي في مثل عمري كنتُ أنا – 8 سنوات- وأختي – 6 سنوات- في المدرسة، وكانت لديه طفلةً أخرى في الثالثة من العمر، وكان يدير عملاً منذ عشر سنوات ويمتلك منزلاً ومعاش تقاعد. باختصار، كافة المسئوليات المعتادة لرجلٍ من الطبقة المتوسطة من ذلك الجيل. أما أنا؛ فأعيش في شقة مستأجرة مع أختي الصغيرة ولديّ القليل من المال، ولا أمتلك معاش تقاعد بالطبع! وفيما يتعلق بفكرة الزواج والأطفال؛ فلا تعدو كونها مجرد فكرة، بعيدة عن التحقيق تمامًا كما كانت منذ عشر سنوات، ولا تصل «خطة حياتي» –كما يقول أبي- إلى ما بعد نهاية الأسبوع الحالي.

ثم سألني: «ألا تعتقدين أنه يجب عليكِ البدء في التفكير في هذه الأمور؟ تعلمين أنك لم تعودي في العشرين من عمرك، أليس كذلك؟». في الحقيقة، أنا لست متأكدة أنني أعلم ذلك، فبرغم أنني عضوٌ كامل في المجتمع من عدة جوانب؛ فأنا أدفع الضرائب وأصوّت في الانتخابات وأتبرع بالأموال للمؤسسات الخيرية، ولكنني على الجانب الآخر في حالة إنكار تام فيما يتعلق بعمري.

لقد افترضتُ دائمًا أنني عندما أصل إلى سني الحالي سأكون قد وجدت حب حياتي واستقريت؛ ولكن لم يحدث ذلك، ولذا أتصرف الآن  تمامًا كما كنت أتصرف منذ عشر سنوات؛ فأنفق نقودي بدلاً من توفيرها للمستقبل، وأحرص على الخروج مع أصدقائي قبل أن نتفرّق، وتخيفني فكرة توفير المال اللازم لدفع عربون شقة بشدة؛ مما يجعلني أختار إنفاق نقودي على الإيجار بدلاً من ذلك. لم تضطرني الظروف لأن أكبر، فلَم أكبر!

تظنون الآن أنني مستهترة وغير مسئولة وغير ناضجة، أليس كذلك؟ نعم، إنني كذلك بالفعل ولكنني على الأقل لستُ وحدي، حتى أنني قرأت الأسبوع الماضي أن أمثالي من الناس يُطلق عليهم «جيل بيتر بان» وهم مجموعة تتراوح أعمارها بين 25 و40 عامًا وتعيش في مرحلة مراهقة ممتدة لتجنب ضغوط المسئوليات مثل الزواج والأطفال لأطول وقتٍ ممكن.

يقول الدكتور فرانك فوردي؛ وهو عالم اجتماع يعمل على دراسة هذه الظاهرة في جامعة كِنت: «إن مجتمعنا مليء بالشباب والفتيات التائهين الذين يقفون على حافة النضج، فيرفضون الاستقرار والالتزام ويفضلون الاستمتاع بالحياة وحسب حتى منتصف العمر».

ويقول إن هؤلاء الناس قد يقيمون مع ذويهم حتى يصلوا للثلاثينيات ويختاروا تأجيل الزواج بقدر الإمكان ويستمروا في حياتهم كما كانت في بداية العشرينيات.

إذا ألقيت نظرة على بعض الاحصائيات ستلاحظ هذه النزعة المثيرة للاهتمام. في سبعينيات القرن الماضي كان الرجال يتزوجون في سن الرابعة والعشرين والنساء يتزوجن في سن الثانية والعشرين، أما الآن فمتوسط سن الزواج 32 للرجال و30 للنساء.

ويوضح أحد التقارير الحديثة أن عدد النساء اللاتي يتزوجن في أواخر الثلاثينيات والأربعينيات من العمر قد تضاعف تقريبًا في العقد الماضي، وأصبح متوسط سن تأسيس أسرة الآن 28 سنة للنساء بعد أن كان 24 سنة في عام 1970م، وأصبحت النساء تؤجلن تأسيس أسرة حتى سن الأربعين بفضل التلقيح الصناعي وعلاج الخصوبة. بل إن الكثير من النساء يقررن عدم الزواج على الإطلاق! إذ توضح الأرقام التي كشف عنها مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني في نهاية العام الماضي أن أكثر من نصف النساء تحت سن الخمسين لم يتزوجن من قبل؛ وهو ضعف الرقم المُسجّل منذ ثلاثين عامًا. أما عن شراء المنازل فكان متوسط عمر من يشتري منزلاً للمرة الأولى في الثمانينيات 29 عامًا، وأصبح الآن 38 عامًا، ويُعتقد أنه سيصبح 41 عامًا بحلول عام 2025 وفقًا لتقرير صادر عن شركة ليفربول فيكتوريا للتأمين.

لِمَ كل هذا الاختلاف بين حياة جيلي وحياة آبائنا؟ يمكننا إلقاء اللوم على الاقتصاد، فالخطوة الأولى نحو النضج؛ وهي شراء منزل، أصبحت الآن أصعب من أي وقتٍ مضى، ونشهد كل يوم أخبارًا عن البالغين الذين يضطرون للانتقال إلى منازل ذويهم لكي يستطيعوا توفير الأموال اللازمة لدفع عربون شقة. يقيم الآن ثلاثة ملايين من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و34 عامًا مع ذويهم، ثلثهم من الرجال و18% من النساء، ويُعد هذا الرقم – أي 3ملايين- زيادةً بنسبة 20% منذ عام 1997 حتى 2011 وفقًا لمكتب الإحصاءات الوطني البريطاني. ويميل هؤلاء الذين لا يقيمون مع ذويهم إلى الاعتماد عليهم ماديًا، فقد دفع أكثر من 13مليون أب ما قيمته 34 مليار جنيه استرليني من القروض والهدايا لأبنائهم الذين تصل أعمارهم إلى 40 عامًا، وفقًا لتقريرٍ سابق.

لا يستطيع والديّ مساعدتي ماديًا، وأعتقد أن مهمة توفير النقود لشراء شقة أمر شاق للغاية، وأن ما يمكنني تحمل نفقاته سيكون محبطًا للغاية، لذا اتخذت القرار الطفولي بعدم التفكير في الأمر من الأساس، وهو ما قد يشير إلى المشكلة الحقيقية. يقول الدكتور فوردي؛ وهو في الستينيات من عمره، أننا لا يمكننا إلقاء اللوم في ميل البالغين من جيلنا إلى التصرف كالأطفال على الاقتصاد أو أسعار المنازل. فيقول: “إذا قرأت الصحف فإن كل ما ستجده أن حياة الشباب أصعب الآن من أي وقتٍ مضى، وهو ما يعني أننا نعاني من فقد الذاكرة التاريخية لأن هذا الأمر ليس صحيحًا، فقد وقعت الأزمات الاقتصادية والكساد في القرن الماضي ولكن كان الأمر الهام لأبناء جيلي هو المحاولة والصمود وحدك، حتى إذا واجهت صعوبات اقتصادية جدية وكنت مفلسًا طوال الوقت، أما الآن فالناس يختلقون الأعذار”.

يعتقد الدكتور أن هناك عوامل نفسية أكبر تؤثر في الوضع وأن جذر مشكلة رفضنا للنضج هو الخوف، فالناس يخافون من التفكير في أنفسهم باعتبارهم ناضجين ولا يمكنهم رؤية الفائدة التي ستعود عليهم من كونهم ناضجين؛ فكل قيمنا الثقافية مرتبطة بالشباب وكلما ابتعدنا عن مرحلة الشباب كلما زاد قلقنا. ويعتقد كذلك أن ميل البالغين لقراءة الكتب الموجهة للأطفال والمراهقين (مثل Harry Potter وHunger Games وTwilight) وازدياد شعبية أفلام ومسلسلات الكارتون مثل The Simpsons وزيادة نسبة البالغين الذين يلعبون ألعاب الكمبيوتر من أعراض هذه الرغبة في الهرب من مرحلة النضج.

ويضيف أن الناس يقنعون أنفسهم بكون سلوكهم الصبياني محاولة للتخلص من الأعباء، ولكنه في الحقيقة نابع من الخوف، فيخاف الناس الآن في ثقافتنا مما قد يحمله المستقبل لهم ويخافون من المخاطرة، وينطبق ذلك على الانتقال من المنزل أو حتى الوقوع في الحب، فهم يتجنبون أو يؤجلون أي التزام تجاه الآخرين خوفًا من تعرضهم للألم.

هل أنا خائفة من أن أصبح بالغة كاملة الأهلية؟ هل أنا خائفة من الالتزامات العاطفية والمادية؟ ربما! برغم اعتقادي أن الأمر يكمن في أني قد أقنعت نفسي بعدم احتياجي للنضج أو الاستقرار بعد. انتقل جيل آبائنا من التعليم إلى العمل وتأسيس الأسرة مباشرةً في العشرينيات من عمرهم، أما نحن فلدينا فرصة تمكنّنا من الاستمتاع لوقتٍ أطول قليلاً، فوسائل منع الحمل والتوجهات الاجتماعية المتغيرة تعني أننا لا يجب أن نفكر في الزواج وإنجاب الأطفال على الفور، وأن الفرص المهنية أمامنا لا تُعد ولا تُحصَى، فعندما كانت أمي صغيرة كان أمامها ثلاثة خيارات؛ فإما أن تصبح معلّمة أو ممرضة أو سكرتيرة، ولكن الأمر مختلف تمامًا بالنسبة لبناتها، فنحن التحقنا بالجامعة وتعلّمنا أنه لا يوجد ما لا يمكننا فعله، وتسلقنا السلم الوظيفي وسافرنا وتمتعنا بحريةٍ لم تحظَ بها، فأفسدتنا الاختيارات الكثيرة، وقد يقول الكثيرون إن هذا ليس بالأمر الجيد.

استُخدم مصطلح «أزمة ربع العمر» لأول مرة منذ عشرة أعوام في كتابٍ لآلكسندرا روبينز وآبي ويلنر، لوصف حالات القلق التي تنتاب جيل العشرينيات الذي كان يملك كل شيء في العالم ولكن لا يعلم أي طريقٍ يسلك، فقد خنقتنا الاختيارات والمسئولية وانعدام الثقة بالنفس كما يقول الكتاب.

كما أشار تقرير حديث أجرته أوليفر روبينستون الباحثة بجامعة جرينويتش إلى أن طبيعة الجيل العشريني والثلاثيني المبالغة في المتطلبات تعني أنه لن يكون سعيدًا بحياةٍ تقليدية هادئة عادية؛ مثل حياة آبائهم. ولكننا لسنا سعداء كذلك بحريتنا، ففي الحقيقة تُشعِرنا كل الاختيارات بين الزواج من عدمه وتأسيس الأسرة أم لا، والسفر أو البقاء في أماكننا، والقبول بالوظيفة الحالية أم البحث عن وظيفة جديدة وغيرها، بالقلق والإحباط.

ولكن بالطبع هناك القرار الذي لا يمكن للمرأة تأجيله للأبد؛ قرار إنجاب الأطفال. لقد ظللت مشغولةً بالعمل والاستمتاع بحياتي لسنواتٍ فلم أفكر في الأمر، وحتى الآن في سن الرابعة والثلاثين ما زلت لا أعلم إذا ما كنت أرغب في أن أكون أمًا، لم أشعر بغرائز الأمومة بعد، كما أن الخُطّاب لا يصطفون أمام باب منزلي!

إنني أخدع نفسي للاعتقاد بأنه لا يجب علي اتخاذ القرار بعد والتعلق بالأخبار عن النساء اللاتي تنجبن في سن 41 و42 عامًا باعتبارها أملاً في أن أمامي الكثير من الوقت، ولكن هل هناك بالفعل وقت؟ الحقيقة الواضحة أمامي أن الخصوبة تقل بنسبةٍ كبيرة في الثلاثينيات من العمر، وأخاف أن أستيقظ يومًا ما وأندم على إضاعة فرصة الإنجاب. إنني أتحدث مع أصدقائي المشابهين لي في هذه المشاكل، ولكنني لاحظت مؤخرًا أن عددنا أصبح أقل مما كان في السابق، فبرغم أن لدي بضعة أصدقاء ما زالوا مشغولين بالعيش من أجل اللحظة مثلي، إلا أن هناك الكثير ممن وجدوا طُرُقًا لشراء منزل وتأسيس أسرة دون أن ألاحظ! وهم سعداء للغاية في المرحلة الجديدة من حياتهم بينما ما زلتُ أتشبث بالمرحلة القديمة من حياتي. لقد بدأتُ في الحقيقة أعتقد أنني أمام خطر حقيقي، فقد أجد نفسي قريبًا آخر من تبقّى منهم، أرقص وحيدةً في الحفلات بعد أن تخفت الموسيقى، وأنا لا أرغب في ذلك، إذ يذكرني بلقبٍ آخر سيء يُطلق على النساء من أمثالي «النساء المراهقات في الثلاثين». يبدو وكأننا نقصد الحانات آملين أن يخفي الضوء الخافت تجاعيد وجهنا وأن تساعدنا ملابسنا الشبابية على الاختلاط بالشباب من حولنا، وهذه فكرة حزينة للغاية. ربما حان الوقت بالفعل للنضج، ولكن ربما بعد الصيف التالي.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد