618

ليس كل الخيال يمكن أن يتحول إلى حقيقة، ولكن أيضًا بعض الخيال لا يبتعد كثيرًا عن التجسيد الواقعي له؛ ففي عام 1912 تخيل الكاتب الأمريكي إدجار رايس في روايته طرزان القِردة وجود طفل ينشأ بعيدًا عن البشر، ينشأ في الغابات وبصحبة مجموعة من القردة، ويصبح تلقائيًا واحدًا منهم يتصرف ويأكل مثلهم، حينها حققت الرواية نجاحًا باهرًا، وانطلق طرزان ليصبح من أشهر الشخصيات الخيالية، ويصبح كثير من الكتب المصورة والأفلام السينمائية وأفلام الرسوم المتحركة زاخرة بصورته المُتخيلة، منذ صدور الرواية وحتى العام الماضي، حيث أُنتج في عام 2016 فيلم أسطورة طرزان، وهو فيلم حركة تم إنتاجه في الولايات المتحدة، ولكن طرزان ليس خياليًا تمامًا؛ فهناك أطفال صادفهم البعض يعيشون مع قردة أو ذئاب، وظلوا يتتبعونهم حتى تم إلقاء القبض عليهم ومحاولة إعادة تأهيلهم.

1- مارينا تشابمان الفتاة التي ربتها القرود

مارينا تشابمان، ليس هذا اسمها الحقيقي؛ لأنها لا تعرف اسمها الحقيقي، ولا عائلتها البشرية، هى امرأة بريطانية كولومبية المولد، وتزعم مارينا أنها قضت معظم طفولتها وحدها في الغابة، حيث اعتنت بها وربتها مجموعة من القردة، بعدما تم اختطافها عام 1954، حينما كانت في الرابعة من عمرها من عائلتها، حيث كانت تقطن في قرية جبلية نائية بأمريكا الجنوبية، ولكنها هربت منهم إلى الغابة، حيث اختبرت الضعف والرعب والجوع، إلى أن رأت مجموعة من القردة بالقرب منها، وبدأت في محاولة تقليدهم، والأكل مثلهم بشكل غريزي؛ لكي تتمكن من البقاء حية.

Embed from Getty Images

تقول تشابمان لصحيفة الجارديان البريطانية أنه لا شيء يشبه تلك الأيام الجميلة التي تربت فيها وسط عائلتها الأصلية – قاصدة بذلك مجموعة القردة – تعرف أنه الآن لا يمكنها تسلق الأشجار، ولا التأرجح بين فروعها، كما كانت تفعل في تلك الأيام السابقة، الآن بعد أن أصبحت في الستينات من عمرها، بالرغم من كونها ليست متأكدة كم هو عمرها على وجه التحديد، تعرف مارينا أن حجمها ضئيل، وأنها تشبه القرود قليلًا، وأنها في بعض الأحيان لا تبدو مثل الإنسان كثيرًا، لكنها تعرف أن جمالها هادئ على كل حال.

طفولة مارينا قضتها بين مجموعة من القرود، حيث قضت بينهم ما يقرب من السنوات الخمس، فلا وسيلة تجعلها متأكدة من كم استغرقت حياتها بينهم من الوقت على وجه الدقة، وقد عاشت بينهم في عمق الغابة الكولومبية بعيدًا عن أي تجمع بشري أو وجود إنساني.

عودة تشابمان:

تتذكر في هذه الأيام كيف تعلمت أن تدافع عن نفسها كمتلازم حتمي لحياتها في الغابة، وأنها في هذه الأيام كانت تسير على أطرافها الأربعة، وكانت تتسلق الأشجار وتتأرجح بينها، وتتناول التوت والموز النابتة، وتنام في ثقوب الأشجار، وظلت هكذا إلى أن تم إنقاذها من قبل مجموعة من الصيادين.

بعدما تم إنقاذها بدأت تفقد اللغة ومفردات الحياة التي تعرفها وتربت عليها، لتنتقل إلى «حياة لا ترحم» وفق تعبيرها، حيث اختبرت الحياة في الشارع وسط التجمعات البشرية، فانطوت على نفسها محاولة حماية نفسها بقدر المستطاع، وزعمت أيضًا أنها قد بيعت لبيت دعارة في مدينة كوكوتا، قبل أن يتم إنقاذها مرة أخرى، وانتقالها للعيش في مدينة برادفورد. وفي عام 2012 نشرت تشابمان كتابًا يروي سيرتها الذاتية تحت اسم (فتاة بلا اسم).

فيديو لقاء bbc مع تشابمان حول كتابها:

2-   فتاة نهر ديفل التي نشأت وسط الذئاب

فتاة نشأت في البرية والغابات كما تتناقل عنها الأساطير، حيث عاشت وسط مجموعة من الذئاب، وسلكت سلوكهم في المأكل والحركة بولاية تكساس بالقرب من نهر ديفل – وهي ثاني أكبر ولاية في الولايات المتحدة الأمريكية من حيث المساحة وعدد السكان – ففي عام 1845 أُفيد بأن صبي يعيش في سان فيليبي رأى مخلوقًا يغطي شعر طويل ملامح وجهه، ويبدو وكأنه فتاة عارية تهاجم قطيعًا من الماعز بصحبة مجموعة من الذئاب، لم تؤخذ القصة مأخذ الجد في الأغلب، وبالرغم من سخرية الكثيرين من القصة، إلا أنها تمكنت من الانتشار بين المستوطنات المختلفة، وبعد عام من تناقل هذه الواقعة قالت امرأة مكسيكية تعيش في سان فيليبي أيضًا إنها رأت ذئبتين كبيرتين، وبصحبتهما فتاة صغيرة عارية، وقد كان ثلاثتهن يلتهمن مجموعة من الماعز، وحينما اقتربت منهن شاهدوها وفررن مُبتعدات.

Embed from Getty Images

لاحظت المرأة أن الفتاة التي كانت بصحبة الذئبتين كانت تركض مستخدمة أطرافها الأربعة، ثم قفزت مرتفعة في الهواء ثم نزلت لتسير على قدميها بالقرب من مجموعة الذئاب التي كانت بصحبتها، لم يخالج المرأة المكسيكية أي شك فيما رأت، حيث كانت متأكدة تمامًا مما رأته، وبدأ الناس يهيمون على وجوههم حول نهر ديفل بحثًا عن الفتاة الذئبة، وخلال العام التالي وردت الكثير من القصص لأشخاص صادفوا الفتاة الذئبة في مواقف مختلفة، بالإضافة إلى تناقل مشاهدات حول العثور على آثار أقدام لطفل بين آثار أقدام لمسارات من الذئاب في الأماكن الرملية على طول نهر ديفل، وبعد أيام من البحث تم العثور على الفتاة العارية وهي تجري بصحبة مجموعة من الذئاب بواسطة بعض رعاة البقر.

حينما تم إلقاء القبض على الفتاة الذئبة وفصلها عن رفاقها من الذئاب قاتلت صائديها بما يشبه المخالب، وعضت بشكل محموم في محاولة مستميتة للحفاظ على حريتها، ولكنهم تمكنوا من السيطرة عليها وربطها، وهنا بدأت في إطلاق صرخات مخيفة متتالية، عبارة عن أصوات تتداخل ما بين كونها صراخ إمرأة وعواء ذئبة، فجاء أحد رفاقها من الذئاب مهاجمًا لمجموعة رعاة البقر ومحاولًا إنقاذها، لكن لحسن حظهم تمكن فردًا من المجموعة من إطلاق النيران عليه وقتله قبل أن تتمكن باقي الذئاب من التجمع حولهم ومهاجمتهم.

البعض يقول ان قصة الفتاة الذئبة لنهر ديفل من الخيال الشعبي أكثر من كونها حقيقية كحالة لطفل وحشي عاش في البرية والغابات، بالرغم من وجود عدد كبير من الأدلة يبرهن وجودها فعلًا، ويدلل على ما ارتبط بها من مشاهدات وأحداث مثل المجموعات التي بحثت عنها وإلقاء القبض عليها أخيرًا، وقد بدا أن الفتاة الذئبة أصبحت تعيش في نفس المكان الذي عاشت فيه على شاطيء نهر ديفل ولكن كـ«شبح»، ففي عام 1974، وهو نفس العام الذي كانت الفتاة فيه في دلفوس بتكساس ادعى صياد أنه رأى الفتاة الذئبة، ولكن في هيئة شبح أبيض ظهر واختفى سريعًا أمام عينيه.

3-   طفل بورنيو التجسيد الواقعي لقصة طرزان

في عام 2014 أعلنت السلطات الماليزية أنها قد تمكنت أخيرًا من إلقاء القبض على (طفل بورنيو الوحشي)، الذي أبلغ عنه مئات القرويين في المنطقة أنهم قد صادفوه أو شاهدوه على مدى العامين الماضيين، وبحسب إفادات من شاهدوه فإن الطفل كان يُشاهد دومًا بصحبة مجموعة من إنسان الغاب البورنيوي ، وكان يبدو لمن شاهدوه أنهم قد تبنوه كواحد منهم.

يُعلن أحد ضباط العلاقات العامة للشرطة الماليزية أنه يصعب عليهم تحديد عمر الصبي علي وجه الدقة، وأن الصبي شديد العصبية والعدوانية في التعامل مع البشر؛ لأنهم بالنسبة له غرباء بالكلية، مما جعل عملية إلقاء القبض عليه صعبة للغاية، خاصة عندما تجمعت مجموعة إنسان الغاب التي كان يرافقها ويعيش بينها للدفاع عنه ومحاولة إفلاته من يد صائديه، وقتها حاولت الشرطة تهدئتهم عن طريق توجيه أسهم مليئة بالمهدئات تجاههم، لكي يتمكنوا من الحصول على الطفل، دون أن تفتك مجموعة إنسان الغاب بهم، ثم تم نقل الطفل إلى المستشفى ليوضع تحت الرعاية.

Embed from Getty Images

من فيلم هروب طرزان

ووفقًا لتقرير أطباء مركز بورنيوي الطبي فإن الطفل، الذي يقدّر عمره بكونه ما بين الرابعة والسابعة، يتمتع بصحة جيدة جدًا مقارنة بالظروف التي نشأ فيها خلال الأعوام السابقة، وأنه لا يوجد عليه أية علامات لسوء التغذية على الإطلاق، كما أوضحت الملاحظات الطبية أنه ربما كان يعيش مع مجموعة إنسان الغاب لمدة عامين أو ثلاثة على الأقل؛ لأنه لا يتذكر أي شكل سابق من أشكال التنشئة البشرية، ولكن كما أوضحت العاملة الاجتماعية بالمركز الطبي البورنيوي الذي وضع الطفل تحت مراقبتها، فإن الطفل مؤهل للعودة تدريجيًا للحياة البشرية الطبيعية، وأن كل ما يحتاج إليه هو أن يشعر بالأمان في وسط التجمعات البشرية.