الإله أودين، والإله حورس، وإله الأرانب، كل هؤلاء آلهة ديانات قديمة مارسها البعض في أماكن مختلفة من العالم منذ آلاف أو مئات السنين.

ربما تظن أن هذه الديانات انتهت ولم تعد تُمارس في وقتنا الحالي، لكن هذا ليس حقيقي، فما زال البعض يأتي إلىمصر لممارسة طقوس الديانة المصرية القديمة، مثل طقوس الحج في المعابد المصرية، ويمارس آخرون الطقوس الخاصة بالديانة الإسكندنافية التي كان يعتنقها الفايكنج، أما إله الأرانب فله قصة ثالثة.

في هذا التقرير، يصحبكم «ساسة بوست» في رحلة غريبة ومثيرة للاهتمام مع ثلاث ديانات قديمة ما زالت تمارس حتى الآن.

الديانة المصرية القديمة.. بين الحج الفرعوني وقوانين الماعت الـ42

يرتدي نحو 30 شخصًا الملابس البيضاء، ويسيرون في صفين متوازيين، ماشين على الأقدام من الفندق حتى المعبد، على رأس هذا الوفد أستاذ الآثار الأمريكي مواتا آشبي، الذي يرتدي شالًا على شكل جلد النمر، يغطي كتفه وخصره، ويسير رجال الأمن موازين لهم بغرض حمايتهم من أهل قرية العرابة المدفونة الذين ينظرون لهم بتشكك ودهشة، واستنكار أيضًا.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
الفلك المصري القديم.. نسيج واحد يجمع بين الدين والعلم والأساطير

أتي هؤلاء الحجاج من الولايات المتحدة الأمريكية للقرية الصغيرة في محافظة سوهاج، وهم مجموعة من المواطنين الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية الذين يعتنقون الديانة المصرية القديمة ويتخذونها نهجًا ومسارًا لحياتهم كاملة، بداية من تناول الطعام حتى النشاطات الترفيهية.

بحسب ما قاله عبد العزيز، المرشد السياحي المسئول عن المجموعة، لـ«ساسة بوست»، أرسلت المجموعة نظامها الغذائي للفندق قبل وصولهم إلى مصر، هذا النظام الغذائي الذي يمنع تناول اللحوم والطعام المطهي في الزيت.

عندما سألنا آشبي عن سبب تناول هذا الطعام، أخبر «ساسة بوست» أن المصريين القدماء كانوا يأكلون جميع أنواع الأطعمة، ولكن من أراد منهم الارتقاء الروحي اتبع هذا النظام الغذائي، وشرح لنا أنه في أية ديانة، هناك من يلتزم بها، وهناك من لا يلتزم وقت ممارستها الفعلية، واختار هو ومجموعته أن يلتزموا بتلك الديانة في كل تفاصيلها، كما أكد آشبي أنه لا ينكر أن له اجتهادات في تلك الديانة، وتفسيرها وفقًا لما تركه المصريون القدماء من آثار وبرديات، وقد ذكر كل تلك الاجتهادات في كتابه «اليوجا المصرية».

نعود إلى مشهد البداية، تسير مجموعة آشبي وراءه متوجهين إلى معبد سيتي الأول في قرية العرابة المدفونة، بعد أن دفعوا مبالغ طائلة رسوم فتح المعبد في الليل، متحمسين لأداء فرائض الحج المصري القديم، حين كان معبد ستي الأول بمثابة كعبة الحجاج في الديانة المصرية القديمة، وكان يأتي إليه المصريون من جميع أنحاء البلاد لأداء فرائض الحج منذ آلاف السنين.

قطع هؤلاء المواطنون الأمريكان كل تلك المسافة لأداء فريضة حج لديانة انتهت من على الأرض منذ آلاف السنين، ولكنهم اختاروها ديانة لهم في هذا العصر الحديث. وأصبح أستاذ الآثار مواتا آشبي، الذي ولد لأسرة مسيحية، يقوم الآن بدور الكاهن في الديانة المصرية القديمة أثناء قيامهم بفرض الحج، فما الذي دفعه لاختيار تلك الديانة دينًا له؟

في حوار أجرته معه «ساسة بوست»، قبل أدائه فروض الحج بأيام، قال آشبي إنه مؤمن بأن المصريين القدماء فهموا الكثير من أسرار الكون، وهو ما منحهم الخلود حتى الآن، مؤكدًا إيمانه بأن المعابد المصرية بنيت فوق «مراكز طاقة» مهمة تحت سطح الأرض، وأن الديانة المصرية القديمة عكس ما يظن البعض؛ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالطبيعة وفهم الكون وظواهره، ولذلك كانت رؤيتهم الدينية واسعة وتحتوي الكون كله، وليس بها ما يسمى بالشر المطلق، أو الخير المطلق، وكان المصريون القدماء – كما يوضح آشبي – ينظرون إلى كل شيء على أنه قد يكون أداة للخير أو أداة للشر.

آشبي مع مجموعته بعد أداء فرائض الحج المصري القديم في معبد سيتي الأول.

ضرب آشبي مثلًا بالثعبان، الذي يمكن أن يكون «أبوفيس»، الثعبان الذي يصارع الإله رع كل يوم في رحلته السماوية والذي يجسد قوى الفوضى والظلام، ولكنه أيضًا رمز للحماية، مثل الكوبرا التي كانت موجودة في التاج الملكي الذي يرتديه أي ملك، ويكون على شكل كوبرا متحفزة ترمز لحماية الملك من أعدائه؛ تلك النظرة الشمولية للموجودات في الكون هي أول ما جذبت روح آشبي للدين المصري القديم.

«الإنسان لا يجب أن يولد على دين بعينه.. بل عليه أن يختاره بنفسه»؛ هذا ما قالته لوتس المصرية – وهو الاسم الذي اختارته لنفسها بعد اتباعها للديانة المصرية القديمة – لـ«ساسة بوست»، مؤكدة أنها لا ترى أن هناك أي دين خاطئ، بل على العكس، فهي ترى أن كل دين موجود على سطح الأرض لمس جزءًا من الحقيقة، ولكن كل إنسان روحه تنجذب إلى الدين الذي يتوافق مع روحه ونظرته في الحياة. وتضيف أنها شعرت بقشعريرة في جسدها في المرة الأولى التي رأت صورة لمعبد مصري، وكأن هناك من ينادي روحها حتى تذهب لهذا المكان.

 تعرفت لوتس على مواتا آشبي وقرأت كتبه، وأدركت أن هذا العالم وهذا الدين هو ما تنتمي إليه روحها. بالرغم من أن أسرتها مسيحية، لا تحاول مهاجمة معتقداتهم، ولكنها في الوقت نفسه لا تراهم سعداء مثلها، ودائمًا يعيشون بشعور دائم بالذنب، وكأنهم خطاة لمجرد رغبتهم القوية في الحياة.

تقول لوتس إن الديانة المصرية القديمة علمتها حب الحياة، وعلمتها أنه ليس هناك شر مطلق في الكون، وأن كل شيء مهما كان يبدو سيئًا يمكن أن ترى فيه الجانب الإيجابي، حتى تكون الحياة جميلة ومحتملة، ولهذا السبب اختارت الديانة المصرية القديمة دينًا لها.

 «أنا لم أرتكب خطيئة، أنا لم أسلب الآخرين ممتلكاتهم بالإكراه، أنا لم أقتل، أنا لم أسرق الطعام، أنا لم أسرق ممتلكات المعبد، أنا لم أكذب، أنا لم ألعن، أنا لم أغلق أذنيّ عن سماع كلمات الحق، أنا لم أزنِ، أنا لم أتسبب في بكاء الآخرين، أنا لم أعتدِ على أحد، أنا لم أغش أحد».
*جزء من قوانين ماعت الـ42

ترمز كلمة «ماعت» للحق، والعدل، والحكمة، والقانون، والنظام، والقيم الأخلاقية والدينية الأخرى في مصر القديمة، وقانون الماعت الذي يتكون من 42 قانون هو ما كان يحكم المتدينين في ذلك الوقت. تلك القواعد كان على المتوفى أن يقولها أثناء الحساب، وعليه يحدد الآلهة إذا كانت روحه طاهرة أم لا.

يقول مايكل – أحد معتنقي الديانة المصرية القديمة – لـ«ساسة بوست» إن قوانين الماعت هي أكثر ما جذبه للديانة المصرية، وأشعره أنه يود معرفة المزيد عنها، وتلك كانت البداية بالنسبة له، فبدأ في قراءة المزيد عن الديانة المصرية القديمة، وكلما قرأ كلما شعرت روحه بالسلام.

يشرح مايكل أنه على الرغم من أن البعض يظن أن الدين المصري القديم معقد وأن متبعيه يعبدون أكثر من إله، إلا أن الحقيقي أن الدين المصري القديم بسيط للغاية، ويتمثل في اتباع قوانين الماعت، والتي إذا اتبعها كل البشر – من وجهة نظره – سيسود السلام على الأرض.

أما الآلهة التي تتضمنها الديانة المصرية القديمة، يضيف مايكل، فهي مجرد تجليات للإله الواحد، ولذلك يطلق عليها في المصرية القديمة «نتر» وليس الإله، وهي تعني حرفيًا «كيانات إلهية»، فمثلًا النتر حتحور هي تجسيد للحب والموسيقى وطاقة البهجة على الأرض.

النوردية.. دين الفايكنج الذي لازال يمارس حتى الآن

كان مستوطنو الفايكنج الأصليون في أيسلندا يعبدون الآلهة الإسكندنافيين «إيسر Æsir» خلال القرن الثامن الميلادي حتى القرن الحادي عشر، وعلى الرغم من أن البعض يعتبر هذا الدين دينًا قديمًا مندثرًا، إلا أنه يوجد اليوم من يعتنقونه ويمارسون شعائره حول العالم، خاصة في أيسلندا، تحت اسم ديانة «أوسترو Ásatrú»، التي تعني بالأيسلندية الحديثة الإيمان بآلهة إيسر.

يسمي أتباع هذه الديانة أنفسهم بالوثنيين، وكان يطلق عليها «الطريقة القديمة» حين دخلت المسيحية أيسلندا. وبالرغم من أن ديانة الأوسترو تعد حديثة بشكلها الحالي، إلا أن المعتقدات المبنية عليها تمتد لنحو 4 آلاف عام، بحسب كارل سايجفرايد، الأستاذ بجامعة شيكاغو للدراسات الدينية.

كان فهم الكون في هذه الديانة مختلفًا عن فهمنا له الآن، فكانوا يعتقدون أن كل شيء في الكون، من جبال، ونباتات، وحيوانات، تحتوي على أرواح معينة، وأن الكون مليء بالكائنات غير المرئية، وتلك المخلوقات كانت معبوداتهم، مثل الإله أودين، كبير الآلهة في تلك الديانة، الذي كان إله الحكمة، والحرب، والموت، والسحر.

صورة لطقوس الـ«التضحية-Blót» في أيسلندا.

هجر الأيسلنديون هذه المعتقدات القديمة منذ دخول المسيحية قرابة سنة 1000، وفي العام 1973، عادت ديانة أوسترو، أو الطريقة القديمة كما يطلق عليها البعض، بقيادة رجل الدين سفينباجرن دينفيىسون والذي أصبح بعد ذلك كاهنًا كبيرًا لتلك المجموعة، وأسسوا جمعية رسمية تكونت وقتها من 12 فرد فقط.

في هذا العام أقيم طقس «التضحية Blót» للمرة الأولى منذ أن كان يمارسه الفايكنج على تلك الأرض، وهذا الطقس يتضمن التضحية بوليمة كبيرة جدًا لأي من الآلهة الإسكندنافيين، وحتى الآن تقام تلك الطقوس في الربيع، فيتجمع المؤمنون بتلك الديانة في مكان مفتوح أخضر، ويشعلون حريقًا صغيرًا، ويشربون الجعة في أكواب تشبه القرون.

ينظم هذا الطقس الديني في أيسلندا جمعية «آيساتري آيسلت»، وهي جماعة دينية وثنية تعد حاليًا واحدة من أسرع الديانات نموًا في البلد، ووصل أعداد المنضمين فيها حتى العام 2018 إلى 4473 عضوًا. تمكنت تلك الجمعية من بناء أول معبد وثني مركزي في دول الشمال منذ أكثر من ألف عام، ويقع المعبد في منطقة ريكيافيك في أيسلندا.

مجتمع

منذ 6 شهور
هذا ما تقوله الدراسات عن تأثير الحروب في تدين المجتمع

يعد الكاهن هيلمار أورن هيلمارسون من أشهر الكهان لهذه الديانة في آيسلندا، وهو في أوائل الستينات من عمره، وانتُخب لهذا المركز في العام 2003 ويصرح مازحًا لهيئة لإذاعة البريطانية: «لقد كنت غبيًا بما يكفي لأوافق»، مشيرًا إلى حجم المسئولية المُلقى على عاتقه، وهو في الأساس موسيقي بارز ومشهور في البلد، وتعاون مع أشهر الفنانين الآيسلينديين، ولهذا يقول: «يجب أن يعمل الكاهن والملحن جنبًا إلى جنب».

يقول هيلمار إن انتماءه لهذا الدين يعود إلى إيمانه بأنه دين التسامح والاحترام، مؤكدًا أنه وجماعته لا يقومون بأي أعمال تبشيرية، ومع ذلك تزداد أعداد المؤمنين بالديانة، ويأتي الناس إليهم طواعية بعد أن يشهدوا الاحتفالات والطقوس التي يقومون بها، سواء كانت زفافًا أو جنازة، ويوضح قائلًا: «إنه دين يعلمك كيفية العيش بانسجام مع نفسك وما حولك، وكيفية التعامل مع جسدك وروحك في جميع مراحل الحياة»، بالإضافة إلى إيمان هيلمار الشخصي أن هذا الدين هو الانعكاس الحقيقي لتقاليد وعادات المجتمع الآيسلندي.

وجه هيلمار رسالة إلى العالم من خلال حوار أجراه سنة 2015، في واحدة من الجرائد المحلية في أيسلندا، يريد فيها أن يوضح للجميع أن هذا الدين ليس دين الحروب، وإراقة الدماء، وتمجيد الذكورية كما يظن البعض، أو كما صدرت بعض الأعمال الدرامية عنه، بل – يقول هيلمار – إنه دين التسامح الذي يتقبل الجميع.

أضاف هيلمار أن أيسلندا ليست الدولة الوحيدة التي ظهر في هذا الدين مؤخرًا وعاد للحياة، بل إن الدنمارك أيضًا فيها جماعة مؤمنة بالطريقة القديمة، وعددهم يتراوح بين 500 فرد لألف فرد.

«معبد الأرنب».. ديانة قديمة ومساحة آمنة للمثليين

تحكي الأسطورة التي تدور أحداثها في الصين في القرن الـ17، أن شابًا وسيمًا وقع في غرام رجل ذي مكانة عالية في الإمبراطورية، ولأنه يعمل مع هذا الرجل كان باستطاعته الاقتراب منه، وفي لحظة كشفه الحراس وهو يراقب الرجل أثناء استحمامه، وهو ما دفع الشاب للاعتراف للرجل بحبه له، ليأمر الرجل ذو المكانة بتعذيب الشاب؛ مما أفضى إلى موته.

تقول الأسطورة أيضًا إنه عاد للحياة بعد شهر من وفاته على هيئة أرنب، وظهر في أحلام أحد سكان مدينته يخبره أن ملك الحياة السفلى قد عينه الإله الأرنب، ومهمته الوحيدة والأساسية هي حماية الحب المثلي بين الرجال، وطلب في الحلم أن يُبنى له مكان يُخلد فيه اسمه، ويلجأ إليه الرجال المثليون.

حتى العام 2006 لم تكن تلك الديانة ذات شهرة في آسيا، حتى قرر شاب يدعى لي وي مينج، الذي أصبح فيما بعد كاهنًا، بناء معبد لهذا الإله في تايوان، موضحًا أن المثليين في الثقافة الصينية كانوا يستبعدون من المراسم الدينية. وكان لفظ أرنب يستخدم إهانة للشخص المثلي حينذاك، وكأنها سخرية منه، ولذلك جاءت الأسطورة بأن هذا الرجل الذي مات من أجل حبه المثلي، سيصبح هو إله «الأرانب» ليحميهم.

جولة أحد السائحين داخل معبد الأرنب.

يرفض مينج الإفصاح عن توجهاته الجنسية، واختار العزوبية كأي كاهن، حتى لا يتحول هذا المعبد إلى أمر شخصي بناه من أجل نفسه، موضحًا لموقع «رويترز» أن هذا المعبد هو المزار الوحيد المخصص للمثليين في العالم، وهو أحد المساحات الآمنة لهم، ويؤكد أنه منذ بنائه يُقبل عليه المثليون في تايوان ويصلون للإله الأرنب حتى يحميهم من أي تمييز، أو عنصرية يتعرضون لها، كما أنه تحول إلى وجهة سياحية مثيرة للاهتمام للبعض.

اتبع الكثير من المثليين في تايوان هذا الدين، واتخذوا من معبد إله الأرانب مكانًا للصلاة، وما دفعهم لهذا هو عدم وجود إله يخص المثليين يعرفونه غيره، يستطيعون من خلال معبده أن يصلون له ويستمع لاحتياجاتهم، وأكثر ما يجذبهم في قصته أنه قبل أن يكون إلهًا كان رجل مثليًّا تعرض للظلم والضرب حتى الموت؛ ما يجعلهم يشعرون أنه قادر على الشعور بما يمرون به من إحساس بالعزلة والوحدة في المجتمع.

حول إقبال البعض على إحياء الديانات القديمة، أو انجذاب آخرين في وقتنا الحالي في مختلف أنحاء العالم إلى الديانات الشرقية، مثل البوذية؛ يقول أستاذ الفلسفة بجامعة تايلور الأمريكية، وينفريد كوردوان، إن ذلك ربما يعود إلى الرغبة في الخروج من إطار كلمة «دين» إلى ما هو أوسع، وهي «الممارسات الروحانية»، لما يراه البعض في كلمة دين من طقوس إلزامية من قِبل المؤسسات الدينية الحالية.

اتجه آخرون من علماء النفس إلى القول إن الرغبة في دخول الحركات الدينية الجديدة قد ينتج عن أزمة هوية، أو مرور الشخص بمرحلة صعبة في حياته لا يعرف فيها حلًّا لمشكلاته، فيبحث حينها عن رسالة تعده بتخليصه من شرور حياته الحالية.

المصادر

تحميل المزيد