ارتبط اسم الحجاج بن يوسف الثقفي طوال قرون بالطغيان وسفك الدماء؛ إذ فتكَ الوالي الأموي بأهالي الأقاليم التي كانت تحت حكمه، وأهدر دماء عشرات الآلاف، ولم يمتنع عن أي شيء في سبيل تحقيق أغراضه السياسية، ولتمهيد الطريق إلى الدولة الأموية التي يمثّلها لتفرض سيطرتها على كافة ربوع العالم الإسلامي.

ورغم هذا التاريخ الدموي «المرعب» إلا أنه يحكي في طياته مواقف لم يستطع فيها الحجاج الحفاظ على كبريائه، وظهر فيها بأقصى درجات الذل والمهانة، والمفارقة أن تلك المواقف أبطالها ثلاث سيّدات لم يخفن من الحجاج، وتحدينه، بل استهزأن به أحيانًا.

«سليلة أفراس تحللها بغلُ».. هند بنت النعمان تقهر الحجاج

كانت هند بنت النعمان من أجمل جميلات عصرها، وكانت أديبة وبليغة، فلما سمع عنها الحجاج بن يوسف طلب الزواج منها، ووضع لها صداقًا قيمته 200 ألف درهم، وبعد زواجه منها أخذها الحجاج من المعرة في سوريا إلى العراق، ولكن هند لم تكن سعيدة في زواجها من الحجاج وكرهته، وذات يوم دخل عليها فوجدها تصفف شعرها أمام المرآة وتغنّي أبياتًا شعرية تقول:

وما هندُ إلا مهرة عربية … سليلة أفراس تحللها بغلُ

فإن ولدت فحلًا فلله درّها … وإن ولدت بغلًا فجاء به البغلُ

سمع الحجاج زوجته وشعرها الذي تشبهه فيه بالبغل، وتعتبر أن زواجها منه إهانة لها، فخرج بهدوء وقرر أن يطلقها، وبعث لها بأحد خدمه وأمره أن يوصل لها خبر الطلاق بكلمتين فقط، فذهب إليها الخادم وأخبرها أن الحجاج يقول لها: «كنتِ.. فبنتِ»، بمعنى أنها كانت في ذمته فبانت، أي خرجت من ذمته، وأعطاها الخادم صداقها 200 ألف درهم؛ ففرحت هند وقالت له: «كنا فما حمدنا، وبنا فما ندمنا»، وأعطت الخادم المال مكافأة له على أنه جاء إليها بـ«بشرى» طلاقها من الرجل الذي تكرهه.

تاريخ وفلسفة

منذ 3 سنوات
الحجاج بن يوسف.. «مُعلّم القرآن» الذي قتل الصحابة ووحّد خلافة المسلمين

وعرف الخليفة عبد الملك بن مروان بقصة هند وجمالها وفصاحتها فأراد الزواج منها، ولمّا وصلتها رسالة الخليفة بطلب الزواج، وهو طلب لا يُرد بطبيعة الحال، قررت أن تستغل الفرصة لتهين الحجاج زوجها السابق مرةً أخرى، فأرسلت إلى الخليفة رسالة تقول فيها: «اعلم يا أمير المؤمنين أن الإناء ولغ فيه الكلب»، مشبهةً الحجاج بالكلب، فضحكَ الملك من كلامها وأرسلَ إليها: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب».

اشترطت هند على الخليفة لقبول الزواج شرطًا قاسيًا على الحجاج: أن يكون الأخير هو من يقود موكبها من المعرة إلى دمشق، وأن يسير في الموكب حافي القدمين في رداء مهترئ، وكانت مطالبها هذه تثير إعجاب الخليفة الذي قَبِل شرطها، وأمر الحجاج بتنفيذ الشرط ففعل، وكانت هند أثناء الرحلة تكشف الستار عن نفسها لتلقي نظرة أو تطلق ضحكة هي وجاريتها على الحجاج الذي لم يتحمل كل هذا القدر من الإهانة، فأخذ يوجه حديثه إلى هند ويقول:

فإن تضحكي مني فيا طول ليلة … تركتكِ فيها كالقباء المفرجِ

فاستهزأت هند بكلامه وردّت عليه:

وما نبالي إذا أرواحنا سلمت … بما فقدناه من مال ومن نشبِ

فالمال مكتسبٌ والعز مرتجع … إذا النفوس وقاها الله من عطبِ

وقررت هند أن تستمر في إهانتها للحجاج طول الرحلة، فرَمَت دينارًا على الأرض، وطلبت من الحجاج أن يناولها درهمًا سقط منها عن غير قصد، فالتقطه الحجاج وقال لها إن هذا دينار، وليس درهمًا، فضحكت هند وقالت: «الحمد الله، سقط منا درهم، فعوضنا الله دينارًا»، تعني بذلك أن الله قد عوضها عن زواج الحجاج بزواج من هو فوق الحجاج، الخليفة نفسه.

«بل كان قلبُك في جناحَي طائرِ».. فارسة الخوارج تهزم الحجاج

من قادة الخوارج البارزين شبيب بن زيد الشيباني، الذي اشتهر بشجاعته هو وزوجته في القتال، وقيل إنّه نجح في صدّ 20 جيشًا من جيوش الحجاج في أقل من سنتين.

كان شبيب فارسًا شجاعًا وقائدًا مقدامًا، نجح في أولى معاركه أن يهزم جيشًا قوامه 3 آلاف رجل بعدد أقل بكثير من المقاتلين معه؛ ما زاد نفوذه، وقويت شوكته، فتحصن في أطراف البلاد ليرد الجيوش التي يرسلها إليه الحجاج جيشًا تلو الجيش.

مشهد يحكي قصة المواجهة الشهيرة بين الحجاج بن يوسف وغزالة

زوجة شبيب امرأة اسمها غزالة الشيبانية، شاركت زوجها في القتال وفي الهجوم على المدن ونهبها أحيانًا.

هجم الخوارج بزعامة شبيب وغزالة على مدينة الكوفة، وقتلوا الكثير من رجال الحجاج، الذي فرّ وتحصن في قصر الإمارة، فذهبت غزالة بفرسها ووقفت عند باب القصر ونادت الحجاج تطلب منه النزول لتبارزه بالسيف، فخشي الحجاج على نفسه ورفض، وصارت تلك الواقعة مضربًا للمثل، ودليلًا على جبن الحجاج رغم جبروته وسلطته، وعن ذلك الحدث قيل:

أَسَدٌ عليَّ وفي الحروب نعامة … فَتْخَاء تَنْفرُ من صفير الصافرِ

هَلَّا بَرَزْتَ إلى غزالةَ في الوغى … بل كان قلبك في جناحَي طائرِ

ولم تكتف غزالة بهذه المواجهة، بل أقسمت أن تذهب إلى جامع الكوفة وتصلّي فيه بسورتي البقرة وآل عمران، وهما أطول سور القرآن، ولم تغادر الكوفة حتى نفّذت قسمها، ووقفت على منبر الجامع تسب الأمويين، في أكبر تحدٍ للحجاج وجنوده.

أسماء بنت أبي بكر.. العجوز التي أفحمت أطغى ولاة الأمويين

كان عبد الله بن الزبير من القلائل الذين رفضوا الانحناء أمام العاصفة الأموية، ورفضَ طلب الخليفة معاوية بن أبي سفيان لمبايعة ابنه يزيد في حياته، ورأى في ذلك توريثًا للحكم، وتحولًا عن مبدأ الشورى الذي سار عليه الخلفاء منذ موت الرسول، ولم تنجح محاولات معاوية في أخذ البيعة منه لابنه بالترغيب أو الترهيب.

وحين توفي معاوية وتولى ابنه يزيد، واصل عبد الله بن الزبير رفضه الإقرار بصحة ولاية يزيد، وذهب إلى مكة، واحتمى بالكعبة، ولهذا أطلق عليه لقب «العائذ بالبيت»، وبعد مقتل الحسين بن علي في كربلاء على يد الجيش الذي أرسله يزيد التفّ المزيد من الناس حول ابن الزبير في مكة، وزاد سخطهم على حكم بني أمية، فأرسل يزيد إلى مكة جيشًا لإخضاع من فيها لحكمه، ولكن الموت خطفَ يزيد فعاد الجيش، وانفك الحصار عن مكة وأصحاب ابن الزبير الذي أعلن خلافته من هناك عام 64هـ.

كادت تستقر الأمور لابن الزبير، وبايعته العديد من الولايات، وكاد التاريخ يطوي حقبة بني أمية إلى الأبد، لولا اجتماعهم على تسمية مروان بن الحكم خليفةً، فلملم بقايا جيوش الأمويين وقادهم إلى استعادة ما فقده الأمويون من المدن بالحرب تارة، وبالسياسة تارة، وخلفه ابنه عبد الملك الذي ضيق الخناق على ابن الزبير، حتى لم يبق معه إلا مكة.

سيّر عبد الملك بن مروان جيشًا لانتزاع مكة من ابن الزبير، بقيادة أميره المفضّل الحجاج بن يوسف الثقفي، وحاصر الحجاج مكة حصارًا شديدًا، وضربها بالمجانيق حتى تهدمت بعض أجزاء الكعبة، وشق ذلك على أصحاب ابن الزبير فخرج كثير منهم يطلب الأمان من الحجاج، ومن بينهم بعض أبنائه، فأحس ابن الزبير بقرب النهاية، وذهب إلى أمه أسماء بنت أبي بكر ليطلب نصيحتها ويشكو خذلان مقرّبيه، فأجابته:

«يا بني، أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك، يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك، وأهلكت من قتل معك، وإن كنت على حق، فما وهن الدين، وإلى كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن».

مقطع تمثيليّ لموقف أسماء بنت أبي بكر مع الحجاج

كان عنفوان جيش الحجاج أقوى من قوة ابن الزبير الذي اجتمع عليه المقاتلون وقتلوه، وإمعانًا في إذلاله أخذ الحجاج رأسه وبعث بها إلى عبد الملك، وأمر بالجثة أن تصلب على عمود ليراها الناس.

وطلب الحجاج من أسماء بنت أبي بكر أن تأتيه، فرفضت، فذهب إليها ليستعرض انتصاره قائلًا: «كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟»، أسماء، عجوزٌ قاربت المائة عام، ومفجوعة بمقتل ولدها، ردّت عليه: «رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك»، وأخذت تعدد مآثر ابنها: «كان بارًا بأبويه صوامًا قوامًا بكتاب الله، مُعظمًا لحرم الله، مبغضًا لمن يعصي الله».

ولم تكتف أسماء بنت أبي بكر بذلك، بل هاجمت الحجاج واتهمته بأنه «مبير»، أي كثير القتل والسفك: «أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدثنا أنه سيخرج من ثقيف رجلان: كذاب ومبير، فأما الكذاب فابن أبي عبيد، وأما المبير فأنت».

خرج الحجاج من عند أسماء منكسرًا بعد ردّها عليه، وانتشرت تلك المحادثة بين الناس، حتى وصلت إلى الخليفة عبد الملك بن مروان في دمشق، فأرسل إلى الحجاج ينهره، وينهاه عن التعرض لها، ومما قال له «مالك وابنة الرجل الصالح؟»، وأمره بالإحسان إليها، وهو ما كان، فكان الحجاج يناديها بعدئذ بـ«يا أمّاه»، ولكنها كانت ترد عليه في جفاء: «لست بأم لك، وإنما أنا أم المصلوب على الثنية»، فأمر الحجاج بإنزال جثة عبد الله بن الزبير.

عرض التعليقات
تحميل المزيد