110 كلم فقط أصبحت تفصل أعضاء تنظيم “داعش” عن حلمهم الذي ظل يروادهم لسنوات طوال، الحلم الذي بذلوا في سبيله آلافًا من المفخخات والأنفس والأشلاء، ألا وهو السيطرة على العاصمة العراقية “بغداد”، فبعد أن سيطر التنظيم على مدينة الرمادي إحدى الحصون الكبرى، التي ظلت عقبة أمام التنظيم للاستيلاء عليها بالكامل منذ شهور، والتي تبعد عن بغداد حوالي مائة كيلو متر، أصبحت مهمة التقدم والاستيلاء على المدن كالخالدية والحبانية والفلوجية، الموجودة على طريق بغداد أسهل من ذي قبل، فحسب البي بي سي، فإن مسلحي التنظيم قد اخترقوا مؤخرًا، على ما يبدو، خطوط دفاع القوات العراقية بالقرب من مدينة الحبانية، حيث يتجمع عناصر الحشد الشعبي لمقاومتهم، في طريقهم إلى الفلوجة، ومن ثمة بغداد.

لماذا كانت الرمادي هدفًا رئيسيًا لداعش دائمًا؟

تعتبر مدينة الرمادي عاصمة محافظة الأنبار، وتكمن أهميتها في كونها من أكبر المدن السنية في العراق، وتقع المدينة في جنوب غرب ما يسمى بالمثلث السني العراقي. وحسب التقديرات يبلغ عدد سكانها 900 ألف نسمة، وينتمي أغلب سكان المدينة إلى عشائر الدليم البوفهد والبوعلوان والبوذياب والبوعساف والبومرعي والبو خليفة والبوريشة والبو عبيد.

مدينة الرمادي

وتمثل المدينة نقطة إستراتيجية هامة للتنظيم بسبب قربها من مدينة بغداد التي يستهدف التنظيم السيطرة عليها منذ فترة طويلة، ويتوقع البعض أنه بسقوط الرمادي كاملة، ستفتح جبهات جديدة على بغداد بجانب الجبهات القديمة التي سيطر عليها داعش سابقًا، مما سيزيد من احتمالية سقوط بغداد بيد داعش.

وقد حاول التنظيم في نوفمبر الماضي الاستيلاء على المدينة، حيث قام مجموعة من المقاتلين بالدخول إلى المدينة متظاهرين بأنهم طلاب جامعيون، حيث بدأ الهجوم حينها بمحاولة المقاتلين السيطرة على المباني الحكومية في قلب المدينة، حيث أطلق المسلحون النار من فوق أسطح المنازل على مقر شرطة الأنبار ومبنى المحافظة.

كيف سقطت الرمادي؟

An Islamic State car bomb explodes at the gate of a government building near the provincial governor's compound in Ramadi, Iraq, on Saturday, May 16, 2015, during heavy fighting that saw most of the city fall to the militants. (Stringer/McClatchy DC/TNS via Getty Images)

An Islamic State car bomb explodes at the gate of a government building near the provincial governor’s compound in Ramadi, Iraq, on Saturday, May 16, 2015, during heavy fighting that saw most of the city fall to the militants. (Stringer/McClatchy DC/TNS via Getty Images)

تفجير 30 سيارة مفخخة في وسط المدينة، 10 منها على غرار الشاحنات الملغومة في انفجار أوكلاهوما سيتي، كانت هذه هي الخطة الرئيسية للتنظيم للسيطرة على المدينة، بحسب مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية، حيث وصلت السيارات إلى وسط المدينة، بعد اختراق جرافة مدرعة الحواجز المحيطة بالمباني الحكومية.

كانت نتائج الانفجارات، نسف “مباني المدينة بأكملها”، حيث قام التنظيم باستخدام سيارات مفخخة ذات أجهزة تفجير ارتجالية، بحسب تصريح المسؤول، حيث قام التنظيم باستخدام جرافات مدرعة ومفخخة في نفس الوقت، بهدف هدم الأسوار المحيطة بمباني المدينة الهامة، وبعد أن قام بالوصول إلى المبنى يتم تفجير البلدوزر، في المبنى ليسويه بالأرض، وبعد أن انفجرت السيارات المفخخة، أرسلت القوات العراقية تعزيزات إلى وسط المدينة، حيث تعرضوا لإطلاق نار كثيف، مما دفعهم للتراجع.

تعلق وزارة الخارجية الأمريكية على سقوط المدينة، على أن الوضع فيها ليس مثل ما حدث في الموصل، حيث تخلت القوات العراقية عن مهامها ومعداتها، ولكن القوات المنتشرة في الرمادي تم “تجميعها” و”توحيدها” ويخططون لشن هجوم مضاد، واستطاع التنظيم السيطرة على أجزاء من المدينة في السابق، بنفس القدر الذي تسيطر عليه الحكومة العراقية، لكن بعد معارك بين الطرفين استمرت 18 شهرًا، كانت السيطرة على وسط المدينة هي الفيصل في تحديد تبعية المدينة لداعش.

كانت محصلة المعركة، استيلاء داعش على كامل مدينة الرمادي، واقتحام اللواء الثامن أهم وأكبر معاقل الجيش العراقي بها، بالإضافة إلى السيطرة على كتيبة الدبابات والراجمات فيه، والاستيلاء على مبنى قيادة عمليات الأنبار، وأسفرت المعركة عن مقتل 500 شخص بين مدني وعنصر أمني.

عقب سقوط المدينة

عندما ذهب محمد البالغ من العمر 19 عامًا إلى فراشه مساء الجمعة، بدا كل شيء طبيعيا في المدينة، لكن عندما استيقظ في الصباح كان الوضع في المدينة قد اختلف تمامًا، حيث فوجئ بسيطرة التنظيم على المدينة بعد أن فر الجيش العراقي.

يقول محمد الذي ينتمي لإحدى العشائر لكنه لحسن حظه، ليس شخصا بارزًا فيها، للبي بي سي، أن كل زعماء العشائر الذين لم يتمكنوا من الهرب قُتلوا، في حين قال سكان آخرون لوسائل الإعلام، أن مسلحي التنظيم كانوا يقتحمون بيوت رجال الشرطة ورجال العشائر الموالين للحكومة، كما أعلن مسلحو التنظيم من أحد المساجد في وسط الرمادي أنهم سيطروا على المدينة بالكامل، ويضيف محمد للبي بي سي، “الآن كل رجال العشائر تم قتلهم ولم يبق سوى المسلحين الشيعة ولا أعتقد أن بوسعهم القيام بأي شيء لمساعدة الرمادي”.

وفي هذه الأثناء يستمر نزوح مئات من العائلات من الرمادي عبر جسر بزيبز، وهو المنفذ الوحيد باتجاه بغداد. ويعاني النازحون ظروفا معيشية سيئة، كما يواجهون إجراءات يصفها ناشطون بالتعسفية بسبب منعهم من دخول بغداد إلا بوجود كفيل، ويأتي ذلك رغم تصويت مجلس النواب على قرار يقضي بعدم مطالبة النازحين بذلك وَفقا لأحكام الدستور العراقي الذي يكفل حرية التنقل، بينما يضطر كثير منهم للمبيت في الشوارع أو المساجد مع حرمانهم من السعي أو التجول في الشوارع نظرا لرفض بعض سكان بغداد وجودهم بينهم لاعتبارات يقولون إنها أمنية، وذكرت بعض المصادر وصول عدد النازحين إلى أكثر من 40 ألف شخص قد فروا من منازلهم في الرمادي منذ سيطر تنظيم داعش على المدينة يوم الجمعة الماضي.

هل تنجح الحكومة العراقية في استرداد المدينة؟

“لقد توسلنا وتوسلنا للمزيد من الدعم من جانب الحكومة العراقية، لكن لا شيء”، العقيد عيسى العلواني، ضابط في شرطة الرمادي.

في حين تتوالى تصريحات المسؤولين العراقيين المفعمة بالأمل، والتي تدور حول جهوزية الجيش العراقي في محيط الرمادي من أجل استرداد المدينة، الأمر الذي يكذبه تقدم داعش خارج محيط المدينة باتجاه بغداد، فإن العشائر السنية منقسمة الآن حول الاستعانة بالحشد الشعبي لتحرير المدينة، خصوصًا وأن العديد من التقارير الإعلامية أفادت وقوع انتهاكات جسيمة من نهب وحرق للبيوت في تكريت على يد الحشد الشعبي بعد استعادتها، لكن على الناحية الأخرى لا تجد العشائر وسيلة أخرى لاسترداد المدينة إلا من خلال الاستعانة بالحشد الشعبي، حيث طالبت بعض العشائر من الرئيس العراقي حيدر العبادي بذلك.

وتحاول الولايات المتحدة أن ترفع عن كاهلها الحمل العراقي كلما سنحت الفرصة، حتى ولو على حساب تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة أو أن يحل مكان النفوذ الأمريكي، مما يدفع الكثير من المحللين للتساؤل حول هذا الأمر، ففي الثلاثاء الماضي، أكد البيت الأبيض أن قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران والتي دعا إليها رئيس الوزراء حيدر العبادي في الرمادي تعكس “تنوعًا طائفيًا” ولا تقتصر على الشيعة، فيما أشار إلى أن إستراتيجية الولايات المتحدة في محاربة “داعش” تستند على قوات محلية وضربات التحالف.

انعدام الثقة بين الأطراف العراقية أدى إلى تقدم داعش

وأصدرت كتلة الأحزاب السنية في البرلمان العراقي بيانًا يوم الثلاثاء الموافق 19/5/2015 قائلة أنها “ألقت اللوم على الحكومة” لاحتلال الرمادي من قبل تنظيم داعش. وطالبت كتلة تحالف القوى الوطنية بإجراء تحقيق ودعت الحكومة لإرسال الأسلحة إلى الأنبار ودفع رواتب المقاتلين الموالين للحكومة في المحافظة. وكان تنظيم داعش قد اجتاح الأنبار في العام الماضي، ورحب بعض السكان المحليين بهم الذين أغضبهم التمييز من قبل الحكومة وقوات الأمن التي يهيمن عليها الشيعة في البلاد.

ويعزز الفشل في إنشاء قوات الحرس الوطني السني، وتسليح العشائر المحلية، من شعور العشائر في الأنبار بانعدام ثقة الحكومة بهم، ففي أواخر أبريل الماضي، ناقش مجلس النواب العراقي مشروع قرار مدعومًا من الولايات المتحدة ينص على التعامل مع القوات الكردية والقوات السنية، كبلدين مستقلين، في جانب تلقي المساعدات المباشرة من الولايات المتحدة، ووقف الدعم للمليشيات الشيعية وحجب جزء من المساعدات المقدمة للحكومة المركزية في حال عدم إقرار مشروع قوات الحرس الوطني، وفيما رحب السنة والأكراد بالمشروع، رفضه الشيعة على كل المستويات معتبرين أنه سيؤدي إلى تقسيم البلاد، ما دفع النواب السنة والأكراد إلى الانسحاب من الجلسة، في حين هددت سرايا السلام التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر باستهداف المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة، ردًا على هذا المشروع التقسيمي.

ويقول العقيد العلواني، لم يتم دفع رواتب الشرطة منذ شهور. وأطلق نداء يوم الثلاثاء للحصول على تعليق من وزارة الداخلية العراقية التي تشرف على الشرطة، ولكن لا يوجد رد، وقال العلواني أن الحكومة الوطنية فشلت في تقديم الأسلحة والتعزيزات العسكرية على الرغم من الطلبات المتكررة للقوات المحلية للحصول على الدعم. وقال مسؤول في الشرطة أن الشرطة ورجال العشائر المحلية قامت بتجميع الموارد لشراء الأسلحة مثل البنادق الكلاشينكوف وقذائف من السوق السوداء، مشيرا إلى أن العائلات الثرية وأصحاب الأعمال تبرعوا أيضا بمبالغ نقدية.

يقول ريناد منصور، المحلل للشأن العراقي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، العشائر في الأنبار قد تتحمل بعض المسؤولية عن الهزيمة العسكرية. وأشار إلى أن البعض منهم كان مترددا للسماح للقوات العراقية بالقتال في أراضيها. “كانت هناك وجهة نظر عندما أرادوا الحصول على الأسلحة لمحاربة داعش، ولكن بدون السماح للجيش”،وقال منصور. كان شيوخ العشائر مترددين أحيانا في التنسيق مع الحكومة بسبب سنوات من التمييز وسوء المعاملة من قبل السلطات في بغداد. ويقول المحللون أن الحكومة من جانبها كانت قلقة من إرسال الأسلحة إلى الأنبار، وذلك بسبب أن شحنات الأسلحة المرسلة قبل عامين وجدت طريقها إلى المتمردين على حد مزاعم المحللين.

ويظل السؤال، هل نجحت إستراتيجية التحالف الدولي في كبح داعش؟

البيت الأبيض: استيلاء تنظيم داعش على مدينة تدمر السورية “انتكاسة”

تفيد المعطيات على الأرض فشل الإستراتيجية، رغم ثقة الولايات المتحدة بنجاحها حتى الآن! حيث علق الكولونيل بات رايدر، المتحدث باسم الجيش الأمريكي، بعد سقوط الرمادي قائلًا “نحن واثقون أن إستراتيجيتنا تسير في الطريق الصحيح نحو هزيمة داعش، يجب عليكم أن تنظروا إلى الصورة الكبيرة”، إلا أن الصورة الكبيرة التي يتحدث عنها الكولينل تبدو عكس ما يقوله، فالتنظيم مؤخرًا يتقدم بقوة في كل من العراق، وسوريا، فبجانب سيطرة التنظيم على مدينة الرمادي في العراق وتقدمه باتجاه الحبانية، فقد استطاع أيضًا أن يسيطر على آخر نقطة حدودية بين سوريا والعراق، بعد أن انسحب الجيش من نقطة التنف الحدودية، التي تعرف باسم “الوليد” على الجانب العراقي، كما استطاع التنظيم السيطرة على مدينة تدمر التاريخية بريف حمص في سوريا، وقام بإعدام نحو 17 شخصا بينهم عناصر من القوات السورية وآخرون موالون للحكومة ومدنيون، وقام بفصل رؤوس بعضهم عن أجسادهم وبالسيطرة على تدمر أصبح التنظيم يسيطر على نصف سوريا، رغم استيلائه على مناطق غير مهمة من الناحية الإستراتيجية، وبذلك أصبح التنظيم يسيطر الآن على مساحة تُقدر بأكثر من 95 ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة تُعادل ولاية “إنديانا” الأمريكية.

وتنوي الولايات المتحدة الاستمرار في إستراتيجيتها الحالية، حيث أعلن بات رايدر عن إرسال ألف صاروخ مضاد للدبابات إلى العراق لمساعدة القوات العراقية في استعادة مدينة الرمادي، بجانب استمرار الغارات الجوية، التي ادعى أنها تسببت في ردع داعش، وفي خسائر ضخمة للتنظيم.

“مع مكاسب جديدة لداعش في الرمادي، نعلم أن الأمل لا يكمن في إستراتيجية، إن خطة الرئيس لا تعمل، لقد حان الوقت بالنسبة له إلى أن يصل إلى إستراتيجية جديدة لهزيمة التهديد الإرهابي المستمر” جون بينر.

وفي الوقت الذي يطالب فيه البنتاجون بعدم التضخيم والتهويل من سقوط الرمادي، رغم اعتبار بعض المسؤولين الأمريكيين أنها نكسة، يطالب بعض الساسة الأمريكيين بتغيير الإستراتيجية الحالية، حيث دعا جون بينر، رئيس مجلس النواب الأميركي العضو الجمهوري البارز، الرئيس باراك أوباما أن يتخلى عن خطته التي قدمها للكونجرس سابقًا لمواجهة داعش، داعيًا إياه في الوقت نفسه لاستخدام القوة العسكرية و”البدء من جديد”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد