3,506

أن تجد نفسك فجأة مديرًا لحساب رسمي لبلدك على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» هو أمر مثير وجذاب حقًا، تلك التجربة الفريدة بدأتها السويد عام 2011، من خلال مشروع «الأوصياء على السويد»، واستمرت نحو سبع سنوات قبل أن تعلن عن انتهائها بحلول نهاية شهر سبتمبر (أيلول) الجاري، وذلك بعد تغريدات متنوعة عبر بها مئات السويديين عن أنفسهم بشكل لم يخلُ من الغرابة وإثارة الجدل، ووصل إلى حد حظر آلاف الحسابات، ونشوب «حروب كلامية» بين دول وحكومات!

356 سويدي أداروا حساب الدولة الرسمي على «تويتر»

في ديسمبر (كانون الأول) 2011، أطلق المعهد السويدي مشروع «الأوصياء على السويد»؛ بهدف تعزيز الاهتمام بالسويد في العالم، وإظهار السويد من الناحية العملية على أنها بلد مفتوح وديموقراطي، بحسب مطلقي المشروع الذين اعتمدت فكرتهم على أن يدير شخص سويدي يعيش في السويد أو خارجها حسابًا رسميًا للسويد على موقع التواصل الاجتماعي«تويتر» لمدة أسبوع.

ويحمل هذا الحساب اسم الشخص والبلد مثل «السويد/ إريك»، ويتغير الشخص الذي يُختار عشوائيًا من أسبوع لآخر؛ ليجد هؤلاء السويديون الفرصة ليعبروا عن أنفسهم من خلال حساب يمثل الدولة، ويغردوا بكل ما يريدونه عن حياتهم اليومية وهواياتهم وآرائهم، والإجابة أيضًا عن أسئلة في السويد، وتوضيح حقائق بشأنها.

وبعد نحو سبع سنوات من المشروع، سيُسدل الستار عليه بنهاية سبتمبر الجاري، وبحلول ذلك الموعد يكون قد مر على المشروع 356 سويديًا أداروا الحساب، بإجمالي تغريدات يبلغ نحو 200 ألف تغريدة، وعدد متابعين يقترب من 150 ألف متابع.

وخلال رحلة المشروع عبّر مئات السويديين عن السويد من منظورهم، وطبيعة حياتهم وأعمالهم، فعلى سبيل المثال يحكي إريك، الذي يعمل مترجمًا ويدير الحساب حاليًا، عن أهمية اللغات ودورها في فتح أبواب لثقافات أخرى، مع الإشارة إلى نقاط ثقافية معينة تميز اللغة السويدية، وذلك عندما كتب: «إن تعلم اللغات أمر رائع حقًا؛ لأنه يفتح الباب أمام الثقافات والعقليات الجديدة. على سبيل المثال: في السويد، نحن ننادي أي شخص باسمه الأول، سواء كان غريبًا، أو من العائلة. لا نستخدم الألقاب».

وتأثر حساب السويد بطبيعة عمل إريك مترجمًا، فيحكي الرجل خلال تغريداته عن اختلافات بين اللغات، ويقدم نصائح لمتعلمي اللغة السويدية، ويلفت إلى حقائق وأرقام عن أعداد السويديين الذين يعيشون بالخارج وبلاد تمركزهم، ويشير إريك في إحدى تدويناته مثلًا إلى فارق بين كلمة «embarrassed» في الإنجليزية وكلمة «embarazada» في الإسبانية، فبالرغم من الاقتراب في طريقة الكتابة، فهنك اختلاف بين المعنيين؛ فالأولى تعني «محرج»، والثانية تعني «حامل طفل».

بداية القصيدة.. جنس

لم تخلُ طريقة إدراة الحساب من المواقف الخارجة عن النص، والحروب الكلامية، والتغريدات المثيرة للجدل؛ فمع البدايات الأولى للمشروع اندلع الجدل المرتبط بالجنس، عندما بدأ جاك ورنر، أول مدير للحساب، في الحديث عن أنشطته التي يفضل فعلها في أوقات فراغه.

الأمر الذي قد يبدو موضوعًا اعتياديًا، مثلما بدت التدوينة التي تحدث فيها ورنر عن عمله وحياته في البداية، قبل أن يتطرق إلى «الاستمناء» من بين الأنشطة التي يفضلها، وهو أمر التقطته صحف عالمية، ومستخدمو مواقع تواصل اجتماعي؛ ليكتسب ورنر لقب «the masturbating Swede» (أي: السويد المستمني، أو المدمن للاستمناء)، فيما لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كتبت أيضًا واحدة ممن أداروا الحساب في 2012 بلغة صريحة وفاضحة، واتسمت في نظر الكثيرين بالعنصرية، أن لا شيء يميز الشخص اليهودي سوى «عضوه الذكري».

14 ألف حساب محظور.. وحرب «تويترية» بين الدنمارك والسويد

وفي 2017 أقدمت فيان طاهر، خبيرة أمن الإنترنت، على خطوة كبيرة خلال أسبوعها التي أدارت فيه الحساب عندما حظرت 14 ألف حساب ممن اعتبرت أنهم «مناهضون للمهاجرين، والنساء، والمثليين»، أو لديهم ميل ناحية اليمين المتطرف والنازية الجديدة، وضمّت قائمة المحظورين: برلمانيين، وصحافيين، ومؤلفين معروفين، وسفير، وهي خطوة أثارت موجة انتقادات ضد الحساب؛ دفع المعهد السويدي بالرد، والقيام بفك الحظر عن الحسابات التي كانت محظورة، والاعتذار لكل من تلقى «حظرًا من حساب السويد بلا سبب».

تضمنت الخطوات «غير المألوفة» أيضًا، والتي نفذها من أدار الحساب، «حروبًا كلاميةً» مع صفحات رسمية لدول، من بين تلك الحروب، مشادة كلامية اندلعت في يوليو (تموز) 2016 بين حساب السويد ونظيره الدنماركي في إعادة للمواجهة بين جارتين اندلعت بينهما حروب قديمة بالأسلحة، لكنها تجددت هذه المرة عبر تغريدات على «تويتر» يتجادل فيها الطرفان حول سؤال: من الأعظم: الدنمارك أم السويد؟ ومع أن المواجهة «رسمية»، إلا أن كثيرًا من تعليقاتها ابتعدت عن التحفظ وسط حرب كلامية على تويتر شملت 14 تدوينةً متبادلةً تضمنت أربع صور متحركة «gif» ساخرة.

كارلسون.. العشريني الذي «قصف جبهة» ترامب

بقوة وحماس شديدين تحدّث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمر جماهيري كبير في فبراير (شباط) 2017 عن خطر استقبال اللاجئين، ودل على ذلك ببعض الهجمات الدموية في ألمانيا وبلجيكا وفرنسا والسويد أيضًا! عندما صاح: «انظروا إلى ما يحدث في ألمانيا، انظروا إلى ما حدث الليلة الماضية في السويد، السويد. من سيصدق ذلك؟ السويد!»، مُشيرًا بلهجته الاستغرابية إلى وقوع هجمات من اللاجئين هناك؛ ليكمل حديثه عن الهجمات الإرهابية التي وقعت في أوروبا، مبررًا سياسته المعادية للاجئين بالحفاظ على أمن أمريكا، قبل أن يتلقى التصفيق الحاد من الجمهور أمامه.

ولكن اللافت أن السويد لم تشهد أي هجمات من أيّ نوع عكس ما أشار ترامب في خطابه؛ مما دفع الخارجية السويدية إلى طلب للحصول على إيضاح من أمريكا، وأثار الأمر موجة من النقد والسخرية على تلك التصريحات التي ليس لها أساس من الصحة، ووصلت تلك الموجة الساخرة إلى كارل بيلت، رئيس الوزراء السويدي السابق، الذي تساءل: «السويد؟ اعتداء؟ ماذا دخّن ترامب؟».

وحاول ترامب بعد ذلك، إيضاح ما قصده، بالهجوم على سياسة السويد المنفتحة تجاه اللاجئين، وقال على «تويتر»: «إن الأخبار الزائفة التي تحاول وسائل إعلام نشرها، بأن سياسة الهجرة واسعة النطاق تعمل جيدًا في السويد، هو أمر غير صحيح».

هذه التغريدة التي فتحت النار على ترامب من ماكس كارلسون (22 عامًا) الشاب السويدي، الذي كان يدير حساب السويد  آنذاك، وقرر مواجهة الرئيس ترامب في سلسة تغريدات، أكد فيها أمان السويد بالأرقام مع سياسة الهجرة المنفتحة، وقال: إن هناك «100 حالات قتل سنويًا في السويد، وهو ما يوازي حصيلة يومين في أمريكا يومين فقط»، وأضاف: «الجريمة في السويد لم ترتفع خلال الـ20 سنة الماضية، بل على العكس السويد أكثر أمانًا»، وأشار: «خلال الفترة الزمنية التي استقبلت فيها السويد 250 ألف لاجئ، انخفضت معدل البطالة بـمقدار 1.2%»، وساهمت تلك التغريدات في زيادة عدد المتابعين لحساب السويد على تويتر لنحو 13 ألف متابع، من بعد خطاب ترامب.

تجربة السويد ألهمت أيرلندا.. هل تلهم العرب أيضًا؟

يفيد الموقع الرسمي للمشروع أن الفكرة كانت الأولى من نوعها، وتمكن المشروع من الحصول على العديد من الجوائز السويدية المحلية المرتبطة بقنوات الاتصال، وبحسب أنا روديلز، إحدى القائمات على المشروع، فإن الحساب سالف الذكر هو واحد من 20 قناة اتصال رسمية سويدية على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتواصل يوميًا مع أكثر من مليوني متابع باللغات: الإنجليزية، والروسية، والعربية، والصينية.

وأعلنت أنا روديلز عن نهاية المشروع في 30 سبتمبر 2018، ووعدت بتطوير قنوات اتصال أخرى للوصول إلى عدد أكبر من الناس، ولكن تلك الفكرة التي وصلت إلى نهايتها في السويد، كانت قد ألهمت أيرلندا، التي أطلقت بدورها حسابًا مشابهًا في 2012، ووصل الآن لأسبوعه رقم 340.

في رأيك هل يمكن تطبيق هذه الفكرة في بلدك العربي؟ وإذا نفذت ما هي أول تدوينة ستكتبها عندما تدير حساب بلدك الرسمي على «تويتر»؟