عندما تنظر إلى خريطة العالم ويلفت انتباهك حجم بعض الدول، ربما تسأل نفسك كيف أصبحت هذه الدول بهذا الحجم؟ هل كانت هكذا منذ فجر التاريخ؟ أم أنها توسعت مع مرور الزمن؟

استطاعت بعض هذه الدول الخروج من حدودها – حرفيًّا – نحو أراضٍ جديدة، لتصبح من بين أكبر دول العالم مساحةً، وفي هذا التقرير نحكي لك كيف استطاعت أربعٌ من هذه الدول تكبير حجمها إلى ما نراه اليوم.

روسيا: من سواحل السويد إلى أكبر دولة في العالم

الحجم: 17.098.242 كم مربع

الترتيب: أكبر دولة في العالم

تبدأ قصة روسيا بمجموعة من البحارة من شرق السويد، قرروا الإبحار تجاه الشرق ولم يعلموا أن هذه الرحلة ستبدأ سلسلة من الأحداث ستؤدي في النهاية لقيام أكبر دولة في العالم. فظهرت دولة روس الكييفية أو ما عرفت بـ«خقانات روس»، والتي حكمتها سلالة روريك، نسبةً لأمير الفايكنج روريك، ومن هنا ظهرت دولة روس الكييفية، وكانت عبارة عن اتحاد مجموعة من الدويلات الصغيرة يحكمها أمراء وعلى رأسهم ملك. ولكن هذا الاتحاد لم يدم طويلًا، وتفككت الدولة في القرن 12 إلى إمارات متعددة أهمها كانت إمارة موسكو، والتي صارت قلب روسيا الحديثة.

بدأت إمارة موسكو بالتوسع نحو الشرق والغرب بعد أن تحررت من الغزو المنغولي وقادها إيفان الثالث، والمعروف باسم إيفان العظيم، وفي 1547 أعلن إيفان الرابع – حفيد إيفان الثالث – قيام دولة روسيا القيصرية وإضافة لقب «قيصر روسيا» إلى لقب أمير موسكو. وتوسع القيصر الجديد، ولقبه الشهير «إيفان الرهيب»، تجاه الأراضي الصربية مع هيمنته على الأوضاع الداخلية بالقوة.

واستمرت روسيا القيصرية وحتى عصر بيتر العظيم الذي أعلن قيام الإمبراطورية الروسية في عام 1721، وفي عصر الإمبراطورية امتدت الحدود من المحيط القطبي في الشمال إلى البحر الأسود في الجنوب، ومن ألاسكا في الشرق وحتى بحر البلطيق في الغرب.

توسع الأراضي الروسية خلال القرون الماضية. المصدر: ويكيبيديا

يمكن القول إن عدم وجود سكان في هذه المساحات الشاسعة أو ندرتهم، سهَّل عملية التوسع على الإمبراطورية الروسية، حتى امتدت في ثلاث قارات، إلى أن باع الإمبراطور أليكسندر الثاني أراضي ألاسكا إلى الولايات المتحدة، فيما عرف تاريخيًّا باسم صفقة ألاسكا، وقد كانت قيمة الصفقة وقتها 7.2 ملايين دولار، ما يعادل قرابة 115 مليون دولار في الوقت الحالي.

ورغم التغير الكبير في نوعية النظام الحاكم لروسيا خلال القرنين الماضيين، ورغم اكتسابها وخسارتها للعديد من الأراضي، فإنها تظل اليوم أكبر دولة في العالم.

أمريكا: بالمال والسلاح من المستعمرات الـ13 وحتى الولايات المتحدة

الحجم: 9.833.517 كم مربع

الترتيب: ثالث أكبر دولة في العالم

بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، يمكن تقسيم قصة النمو الجغرافي الأمريكي إلى مرحلتين، الأولى هي التوسع التأسيسي، والذي تمَّ عن طريق توسيع الحدود المجاورة والنمو داخل أراضي القارة الأمريكية الشمالية، والثاني بالتوسع الاستعماري بالقوة العسكرية، بما في ذلك طرد الهنود الحمر أو إبادتهم.

في عام 1776، أعلنت 13 مستعمرة بريطانية استقلالها عن المملكة المتحدة، مدشِّنين بذلك قيام «الولايات المتحدة الأمريكية». وبعد ذلك استعمرت الولايات المتحدة الأراضي التي خصَّصتها بريطانيا للسكان الأصليين، وأخذت أراضي أخرى كانت تحت السيطرة الكاملة لبريطانيا. وفي العام التالي انضمت ولاية نيويورك للولايات المتحدة، وفي 1784 انضمَّت بقية المستعمرات بعد اعتراف بريطانيا باستقلال الولايات المتحدة، وظلَّت بعض المشكلات الحدودية بين هذه الولايات والمستعمرات الإسبانية.

وبعد فترة من التنظيم الداخلي، بدأ التوسع الأمريكي نحو الغرب وفي عام 1803 اشترت الولايات المتحدة منطقة لويزيانا المملوكة لفرنسا، والتي تبلغ مساحتها حوالي مليوني كم مربع، مقابل 60 مليون فرنك (11 مليون دولار) وتنازلت عن ديون على فرنسا قيمتها 18 مليون فرنك، فيما عُرف بـ«صفقة لويزيانا».

ثم استمر التوسع الأمريكي في الشمال الغربي، وفي عام 1819 رسَّمت الولايات المتحدة حدودها الشمالية مع المملكة البريطانية. وبعد ذلك في 1821 تخلت إسبانيا عن فلوريدا لصالح الولايات المتحدة، ليبدأ التوسع الجنوبي الغربي بعد ذلك بضمِّ تكساس للولايات المتحدة، والتي تبلغ مساحتها حوالي 696 ألف كم مربع، ومع هذا الضم جاءت الحرب الأمريكية المكسيكية (1846–1848).

فيديو يُظهر توسُّع الولايات المتحدة الأمريكية على الخريطة منذ نشأتها وحتى استقلالها، ويُظهر الأراضي التي سيطرت عليها عسكريًّا منذ ذلك الحين وحتى 2018

خسرت المكسيك حربها مع الولايات المتحدة، ووقَّعت معاهدة غوادالوبي هيدالغو، والتي حكمت بتخلي المكسيك عن مناطق نيو ميكسيكو، ويوتا، ونيفادا، وأريزونا، وكاليفورنيا، وكولورادو الغربية، والتخلي عن حق المكسيك في تكساس، مع دفع أمريكا 15 مليون دولار للمكسيك. هذا المبلغ لم يكن الأخير الذي تدفعه الولايات المتحدة للمكسيك، ففي 1854 اشترت أمريكا عبر «صفقة غادسدن» جزءًا جديدًا من المكسيك، في الجزء الجنوبي من أريزونا، وفي الجزء الجنوبي الغربي من نيو مكسيكو، وقد وُقعت هذه الصفقة لتستطيع أمريكا بناء خط سكة حديد جنوبي يربط شرق البلاد بغربها.

في أغسطس (آب) 1856 أقرَّت الولايات المتحدة قانون جزر جوانو، والذي يُمكِّن أي مواطن أمريكي من الاستحواذ، باسم أمريكا، على أي جزيرة تحتوي على الجوانو، أو ذرق الطيور، وهو سماد يتكوَّن من أجساد الطيور البحرية الميتة، اشتدَّت المنافسة عليه آنذاك بسبب فاعليته الكبيرة في تحسين المحاصيل الزراعية. ومع هذا القانون استولت أمريكا على العديد من الجزر، أهمها جزيرة نيفاسا وجزيرة هاولاند الاستوائيتين.

أما أكبر توسُّع جزري للولايات المتحدة كان في عام 1898، باستيلاء الولايات المتحدة عسكريًّا على جزر هاواي بانقلاب على الأسرة الحاكمة هناك ورأسها آنذاك الملكة ليليوكالاني، عزز الانقلاب الوجود الأمريكي في المحيط الهادئ على الرغم من بُعد أرخبيل الجزر عن أرض الولايات المتحدة بحوالي 4 آلاف كيلو متر من ولاية كاليفورنيا.

وطبعًا لا يمكن إغفال صفقة ألاسكا التي أبرمتها الولايات المتحدة مع روسيا كما ذكرنا سابقًا والتي أضافت مساحة 1.7 مليون كم مربع لمساحتها، فتتسع أراضي الولايات المتحدة بالتوازي مع صعود نفوذها العالمي شيئًا فشيئًا.

البرازيل: مستعمرة البرتغال الأنجح

الحجم: 8.515.770 كم مربع

الترتيب: خامس أكبر دولة في العالم

تبدأ قصة البرازيل بتوقيع معاهدة توردسيلاس بين البرتغاليين والإسبان لتنظيم التوسع والاستعمار فيما أسماه المستعمرون بـ«العالم الجديد»، ونصت الاتفاقية على ترسيم خط على بعد 370 فرسخ من جزر الرأس الأخضر، والتي تقع على بعد حوالي 570 كيلومترًا من سواحل السنغال في المحيط الأطلنطي، لتقع كل الأراضي المكتشفة وغير المكتشفة غرب الخط تحت سيطرة إسبانيا، بينما تحصل البرتغال على ما يقع شرق هذا الخط.

وجاءت هذه المعاهدة بعد محادثات بين القوتين الاستعماريتين حينما حصلت إسبانيا على حق استكشاف أراضي العالم الجديد من البابا أليكساندر السادس، الذي كان من أصول إسبانية، وارتأت البرتغال أن القرار مجحف، ومن ثمَّ تفاوضت القوتان على هذه الاتفاقية التي سمحت للبرتغال بإنشاء مستعمرتها الجديدة هناك، والتي أسمتها «فيرا كروز»، وانتهى بها المطاف باسم «البرازيل».

إلا أن اللحظة الحاسمة في تاريخ البرازيل هي الاتحاد الإيبيري في عام 1580 بعد أزمة الخلافة البرتغالية. في هذا الوقت ألغيت معاهدة توردسيلاس، مما سمح للمستعمرين المقيمين في البرازيل بالسفر نحو الغرب والتوسع، فانطلقت الحملات الاستكشافية وبدأت المستعمرات البرازيلية في الظهور، وفي وقت فقدت فيه البرتغال السيطرة على مستعمراتها، استطاعت البرازيل التوسع نحو قلب القارة وترسيم معظم حدودها الموجودة حاليًا كما يظهر في المقطع المصوَّر أدناه.

تغيُّر وتوسُّع خريطة البرازيل. مصدر الصورة المتحركة: ويكيبيديا

كندا: توسعات ضخمة مع تراجع بريطانيا

الحجم: 9.984.670 كم مربع

الترتيب: ثاني أكبر دولة في العالم

على عكس جارتها في القارة، كانت توسعات كندا أقل دموية من أمريكا. في عام 1867 شكَّل دومينيون كندا، بضم ثلاث مناطق من المناطق البريطانية في أمريكا الشمالية وهي إقليم كندا، والذي تكوَّن بعد ذلك من أونتاريو، وكيبيك، وإقليم نيو برونزويك، وإقليم نوفا سكوتيا، وبعد ثلاث سنوات نقلت المملكة المتحدة معظم أراضيها في الشمال إلى كندا وهذه الأراضي كانت روبرتس لاند والمنطقة الشمالية الغربية.

فيديو يُظهر تاريخ كندا وتوسع أراضيها منذ 1600 وحتى 2017

اشترت كندا روبرتس لاند، وهي منطقة تقع في الجزء الشمالي من كندا تحديدًا في المنطقة المحيطة بخليج هدسون، من شركة «هدسون باي» بمبلغ 300 ألف جنيه إسترليني، وكانت هذه الشركة، والتي لا تزال موجودة حتى الآن، تتولَّى إدارة أراضي المملكة البريطانية في خليج هدسون والمناطق المحيطة به لفترة من الزمن. وفي عام 1871 انضم إقليم كولومبيا البريطانية إلى كندا، وهو الإقليم الذي يقع في غرب كندا ليجلب معه الصراع مع الولايات المتحدة حول جزر سان خوان، الموجودة بين ولاية واشنطن الأمريكية وبين جزيرة فانكوفر الكندية والتي ظفرت بها الولايات المتحدة في النهاية.

وفي عام 1873 انضم إقليم جديد لكندا، وهو جزيرة الأمير إدوارد ليصبح الإقليم السابع، وبعد ذلك لم تحدث أي توسعات كندية إلا حينما نقلت المملكة المتحدة ملكية جزرها القطبية لكندا سنة 1880.

المصادر

تحميل المزيد