قضيّة فلسطين ليست قضيّة سهلة أبدًا، ولا يُمكن بالطبع فهم كُل جوانبها لمُجرد مُشاهدة أربعة أفلام وثائقية، ولكن الأكيد أن سلسلة «النكبة» للمخرجة الفلسطينية روان الضامن يُمكن أن تكون مقدّمة ممتازة لفهم عميق للقضية الفلسطينية، فقد استغرق العمل عليها ستة أشهر ليل نهار وبمعدل 16 ساعة يوميًا، وهي تعتمد على مئات المصادر ما بين موسوعات وكتب وصحف وكذلك مقاطع مصوّرة من الأرشيف البريطاني والصهيوني، وقد اعتبرها المفكر الأستاذ أنس الصايغ صاحب الموسوعة الفلسطينية بأنها «أفضل فيلم وثائقي عن فلسطين» هذا غير أنها نالت جائزة أفضل فيلم وثائقي عن فلسطين في مهرجان الجزيرة الدولي عام 2009 وجائزة الجمهور في مهرجان آمال الإسباني في العام نفسه، كما أنها تُرجمت إلى أكثر من 10 لغات كالصينية والروسية بل وحتى «لغة الإشارة».

 

1- خيوط المؤامرة

إن كُنت تتخيل أن قضيّة فلسطين بدأت عام 1948، فإن وثائقي «خيوط المؤامرة» سيؤكد أنك كُنت على خطأ، لأنها بدأت قبل ذلك بكثير إذ يبدأ الفيلم بنداء وجهه نابليون بونابرت عام 1799 لليهود داعيًا إياهم للتجمع في فلسطين.

لم يكن نداء نابليون إلا البداية، إذ بدأ اختلاق الأكاذيب حول فلسطين والزعم بأنها «أرض بلا شعب» مع أنه كما ذكرها أحد الصهاينة «العروس جميلة جدًا ومستوفية لجميع الشروط ولكنها متزوّجة فعلًا» ولكن الحركة الصهيونية لم تُبال بذلك وهو ما يظهر جليًا في الفيلم الذي يعتمد على مقاطع نادرة من الأرشيف الصهيوني والبريطاني، إذ يُمكن للمشاهد أن يرى بالصوت والصورة كيف كانت تضيع فلسطين شيئًا فشيئًا منذ بدء بناء المستوطنات الصهيونية عام 1885 والأجواء التي سادت أيام «وعد بلفور» و«سايكس بيكو».

كل هذا وغيره سيكشف لك كيف ساهمت بريطانيا بالإعداد لإقامة وطن قومي لليهود، إذ تم سن أكثر من 100 قانون لتسهيل مُصادرة الأراضي لاحقًا وتحويل فلسطين دولة لليهود وفق صك الانتداب الذي وافقت عليه عصبة الأمم عام 1922، كما أنه حتى عام 1925 كانت تل أبيب قد أعلنت استقلالها ثم كيف قام الفلسطينيون بمُقاومة كُل هذه المخططات في ثورة البراق 1929، والتي أعدم بعيدها الشيخ فرحان السعدي وقد تجاوز الـ70 عامًا.

2- سحق الثورة

بموسيقى ثورية وصور من عام 1936، تبدأ حلقة جديدة ومرحلة أخرى من تاريخ القضية الفلسطينية وعنوان الجزء الثاني من الوثائقي «سحق الثورة» وهي نفسها الإجابة المُسكتة لكل من يروّج أن «الفلسطيني باع أرضه» فقد استشهد في الثورة على مدى ثلاث سنوات حتى عام 1939 أكثر من خمسة آلاف فلسطيني.

«ملوك العرب» آنذاك تدخّلوا كي يوقف الفلسطينيون إضرابهم العام الذي استمر ستة أشهر داعين الثوار إلى إعطاء بريطانيا فرصة لتكشف حُسن نواياها، إلا أن بريطانيا واجهت الثوّار بكُل قوة فنسفت منازلهم وطاردتهم.

في هذه المرحلة نفسها كانت بريطانيا تغض الطرف عن الصهاينة يتدربون على السلاح ويتمتعون بخبرة واسعة في مجال الطيران والدبابات وكذلك في المخابرات، فقد عمل الصهاينة جنبًا إلى جنب مع بريطانيا في الحرب العالمية الثانية، ثم كانت هناك مشروعات ضخمة مثل «مشروع القرى» في الأربعينيات الذي احتوى على معلومات إستراتيجية عن كُل قرية وقرية في فلسطين.

إحدى الوثائق التي يُطلعنا عليها الفيلم، هي قُصاصة من جريدة بريطانية فيها إعلان لإرهابي مطلوب هو «مناحيم بيغين» الذي كان يرفض فكرة تقسيم فلسطين بين العرب واليهود وكان يُريد كل فلسطين والأردن معًا لليهود، والمثير أن الشخص نفسه حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1978 مناصفة مع الرئيس المصري أنور السادات وذلك بعد عملية السلام بين «إسرائيل ومصر».

 

 

3- التطهير العرقي

 

في عام 1947 كانت الكاميرات تصوّر المُزارعين في بيّارات البرتقال كما كانت ترصد آثار التفجيرات التي تقوم بها الحركة الصهيونية، والتي كانت تتدرب بشكل احترافي كما يكشف فيلم «التطهير العرقي» من خلال مقاطع نادرة من الأرشيف البريطاني.

بعد هذه التدريبات، قامت عصابة البلماح بتجربة تهجير أول قرية فلسطينية وكان عددهم 1500 نسمة، هي قرية «قيسارية» وكانت تلك بمثابة ضوء أخضر لتهجير الفلسطينيين إذ إن بريطانيا لم تتدخل، تمامًا كما فعلت يوم مجزرة دير ياسين حيث ذبح الصهاينة حتى الظهر 100 فلسطيني، علمًا بأن دير ياسين لا تبعد عن مكتب مدير البوليس البريطاني أكثر من ثلاثة كيلومترات كما يذكر المؤرخ الفلسطيني د. سلمان أبو ستة.

لم تكن دير ياسين آخر مجزرة، إذ كانت هناك مجازر في قرى كثيرة مثل الطنطورة والبصة وجامع دهمش في اللد، حيث انسحب الجيش الأردني من الأخيرة، وهنا وفي الدقيقة الرابعة بعد الخمسين يُقدم لنا الفيلم «معلومة جوهرية» يجهلها أكثرنا عن فلسطين مفادها أن قائد الجيش العربي عشيّة النكبة هو الإنجليزي جلوب باشا ويُساعده في القيادة 46 ضابطًا بريطانيًا، وهؤلاء كانوا متفاهمين من الأساس مع الحركة الصهيونية، أنه لن يكون هناك صدام وبالتالي ساهم ذلك في ضياع فلسطين.

 

4- النكبة مستمرة

 

في الجُزء الأخير من السلسلة، يبدو واضحًا حجم المأساة التي احتُلَّت فيها 11 مدينة ودُمِّرت 500 قرية كما لقي 13 ألفًا من الفلسطينيين حتفهم بين 1947 و1949 وهُجرّ 850 ألفًا منهم، كما يبدو واضحًا مدى إرهاب الحركة الصهيونية التي قامت باغتيال الكونت السويدي برنادوت الذي فضح جرائمهم أمام العالم، والذي يظهر في الفيلم وهو في حالة «إحباط» من الوضع حينها.

رغم كُل هذا اعتُبِرَت إسرائيل ولدًا للأمم المتحدة واعتَبَر مجلسُ الأمن إسرائيلَ بلدًا مُحبًا للسلام تمامًا بغض النظر عن كُل ما فعلته وما زالت تفعله، وبالتالي فإن «النكبة مستمرة» سواء كنّا نتحدث عن الضعف العربي أو الغطرسة الصهيونية، وهو ما يلخصه الباحث يوسف حجازي في دقيقة وهو يُقارن بين حال العرب عام 1948 وحالهم اليوم إذ الاختلافات مُجرد اختلافات سطحية فإن كان العرب راهنوا سابقًا على بريطانيا فالرهان اليوم على أمريكا، وإن كان قيادات الماضي إقطاعية فاليوم برجوازية، وإن كان التناحر في الماضي عائليًّا فاليوم أيديولوجي، وأما سوء اختيار القيادة وكثرة الوعود وقلة التطبيق فهي نفسها لم تتغير.

في النهاية يشير الراحل محرر الموسوعة الفلسطينية د. أنيس الصايغ بكلام خطير قائلًا: إما أن نعد العدة لاسترجاع فلسطين، وإما أن نقبل بالأمر الواقع وضاعت فلسطين وستضيع بعدها ومعها أجزاء أخرى من العالم العربي.

كُل هذه السلسلة بأجزائها الأربعة (خيوط المؤامرة) و(سحق الثورة) و(التطهير العرقي) و(النكبة المستمرة) تحكي قصّة فلسطين منذ عام 1799 إلى اليوم ولن تستغرق من وقتك إلا أربع ساعات وثائقية يُمكنها أن تُغنيك عن مساق تعريفي بالقضية الفلسطينية في الجامعة، فهي غنيّة جدًا بالمعلومات لأن المخرجة روان الضامن استخدمت أثناء إعدادها السلسلة قائمة هائلة من الموسوعات والكتب والمصادر، تضم أعمال أهم المؤرخين الفلسطينيين والإسرائيليين والبريطانيين.

عرض التعليقات
s