مثّلت حرب أكتوبر (تشرين الثاني) 1973 ضد إسرائيل -على الأقل من وجهة نظر مصرية- ردًا لائقًا على عنجهية إسرائيلية صاحبها التوفيق في ميدان القتال منذ حرب 1948 حتى ذروتها في 1967، حتى أن الرئيس أنور السادات اعتبرها ردًا لائقًا بما يكفي لاسترداد كرامة الدولة والأمة عريقة التاريخ، ربما لم تكن أفضل نهاية ممكنة في تصوره، ولكنه أيضًا ربما خشي من خسارة حتى هذه النهاية «المشرفة» كما عبرت عن ذلك مخاوفه في عبارات نُقلت عنه من قبيل أن «99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا».

هكذا قرر السادات في نهاية السبعينيات إسدال الستار على 30 عامًا من العداء والترقب الدائم على جبهات القتال والتوقع الحذِر لضربة بداية مفاجئة تشعل حربًا جديدة، قنع قطاع من المصريين بسياسة السادات في إنهاء المعركة وما استتبعها من الانعزال بمصر عن محيطها العربي، ما دامت مصر قد استردت -تقريبًا- أرضها، لكن القطاع الأوسع والعاطفة الشعبية الجارفة ظلت توّاقةً لاستكمال حرب راودها دائمًا شعورٌ بالخديعة حيال نهايتها، «لم يكتمل انتصارنا»، «لم نلق إسرائيل في البحر»، «لم نحرر القدس»، «لم تزل رايات العدو ترفرف في الجوار على الجانب الآخر من الحدود».

تمسك المصريون بمشاعر الكراهية والعداء تجاه إسرائيل، رافضين كل أشكال التطبيع الشعبي معها، ومتوارثين تلك المشاعر من جيل لآخر عبر ثقافة كونتها مئات الأفلام والمسلسلات والأغاني والأعمال الأدبية والحكايات التي لم تخل منها عائلة مصرية عن بطولة أو تضحية مجيدة قُدمت في مواجهة العدو الإسرائيلي وآلاف الأحلام باستشهاد رومانسي أغلقت معاهدة كامب ديفيد الباب في وجه تحقيقها.

لكن الدولة أيضًا دعمت هذا الاتجاه الشعبي، فهي حتى وإن اعترفت بإسرائيل وأقرت معاهدة السلام فقد تبنت سياسة خارجية تنحاز للجانب الفلسطيني، فضلًا عن ازدواج خطابها السياسي بين خطاب صديق لإسرائيل في الخارج وآخر عدو لها في الداخل، ويمكن فهم ذلك في سياق تفسير طبيعتها الديكتاتورية التي تحتاج باستمرار لخطر خارجي يغذي قدرتها على القمع وفرض السيطرة، أو في سياق أن مواجهاتها مع إسرائيل كانت المصدر الأول لشرعيتها الشعبية، وإلا فمن يكون أنور السادات لو لم يكن بطل الحرب قبل السلام؟ ومن يكون حسني مبارك لو لم يكن صاحب الضربة الجوية الأولى؟ إذ إن «دولة يوليو» -برأي البعض- لم تعرف شرعية الانتخابات ولم تأخذها يومًا بالجدية اللازمة.

بدورهم، تعايش المصريون مع واقع السلام بقلة حيلة كما تعايشوا مع غيره مما فرضته عليهم حكوماتهم، لكن من حين لآخر، وعبر 40 عامًا من السلام الرسمي، كانت تبرز قصة جديدة عن أحدهم ممن فاض به الكيل فقرر التخلي عن اعتبارات السلامة، وربما حتى اعتبارات العقل، ليجدد المواجهة منفردًا مع العدو، فاتحًا صدره لبطولة دون كيشوتية لا ترقى حتمًا لتعديل مسار التاريخ، ولكنها تكفي لحكاية استثنائية تتناقلها الأجيال دلالة على أن ما في القلب سيظل في القلب، وتجليًا فريدًا للبيت الشهير لأمل دنقل «أنت فارس هذا الزمان الوحيد.. وسواك المسوخ».

«هآرتس»: إسرائيل «مستاءة» من الدور المصري في ملف غزة.. لماذا؟

 

سعد إدريس حلاوة.. «مجنون مصر الجميل»

في فبراير (شباط) من عام 1980، كان سعد إدريس حلاوة شابًا في مطلع الثلاثينيات من عمره، منشغلًا بأعمال الزراعة في قريته بمحافظة القليوبية، حينما ورده النبأ الذي هز مصر في حينه، افتتاح السفارة الإسرائيلية واستقبال الرئيس السادات لأول سفير إسرائيلي بالقاهرة ورفع العلم الإسرائيلي لأول مرة على أرض العاصمة المصرية.

فاق الخبر قدرة تحمل المزارع الشاب الذي تربى على خطابات جمال عبد الناصر وأغاني القومية العربية، والتي سرعان ما تسلح بها، عبّأ حقيبته ببعض شرائط الكاسيت التي سجل عليها خطب الرئيس الراحل وبعض الأغاني الوطنية لعبد الحليم حافظ والتلاوات القرآنية للشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والأهم من ذلك مدفع رشاش، -لا نعرف مصدره ولكن الأرجح أن عائلته التي توارثت عمودية القرية قد امتلكت بعضًا من تلك الأسلحة-. توجه إلى الوحدة المحلية شاهرًا سلاحه في أوجه الموظفين الذين فر أغلبهم قبل أن يتمكن سعد من احتجاز اثنين منهم، أكد أحدهما للصحف لاحقًا أن سعد لم ينو إيذاءهما، بل إنه ذهب حتى إلى الافتخار ببطولة سعد.

انطلقت مكبرات الصوت من المبنى حاملةً أصوات الزعيم والمطرب والشيخ، يتخللها صوت سعد المعلن عن أنه لن يفرج عن الموظفين المحتجزين لديه إلا بطرد السفير وإغلاق السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وبالمقابل فقد كان رد فعل الدولة المصرية أعنف كثيرًا، حيث أصدر الرئيس السادات بنفسه على الفور أمره مباشرةً إلى وزير داخليته النبوي إسماعيل الذي ذهب بنفسه أيضًا ليشرف على عملية تصفية سعد إدريس حلاوة.

خرجت الصحف الحكومية في اليوم التالي لمقتل سعد واصفة إياه بـ«المجنون»، ورثاه نزار قباني بكلمات رقيقة عن «مجنون مصر الجميل»، وبهذا التمرد الفردي المسلح أعلن سعد حلاوة – قبل شريف خيري – بطل فيلم «السفارة في العمارة» الشهير بحوالي ثلاثة عقود – أن «يا أنا يا السفارة»، ليس في قلب العمارة فحسب وإنما في قلب الوطن بأسره، وكان اختيار النظام المصري سريعًا دون تردد وواضحًا دون لبس: «السفارة».

سليمان خاطر.. غضب رسمي وحفاوة شعبية

لعلك توقعت اسمه من البداية، فهو صاحب القصة الأشهر في موضوعنا، رغم أنها قد تعد الحلقة الأضعف فيه كذلك، تحكي القصة عن مجند مصري كان يتمركز في الليلة السابقة لذكرى نصر أكتوبر من عام 1985 في نقطة حراسة حدودية فوق أحد الجبال الواقعة في جنوب سيناء، حينما تفاجأ ببعض المواطنين الإسرائيليين يحاولون صعود الجبل، خاطبهم سليمان خاطر بالإنجليزية «توقفوا، ممنوع المرور»، غير أنهم واصلوا طريقهم ليفتح هو رصاص مدفعه الرشاش موقعًا سبعة قتلى افتدى بهم قدسية حدود البلاد ومعدات جيشها الواقعة تحت مسؤوليته.

ما تلا ذلك سَطَر حكايةً ألهبت مشاعر المصريين، وقف الجندي في محاكمته العسكرية مخاطبًا قضاته بإباء «أنا لا أهاب الموت، إنه قضاء الله وقدره، لكنني أخشى أن يكون للحكم الذي سيصدر ضدي آثار سلبية تصيب زملائي بالخوف وتقتل فيهم وطنيتهم»، قبل أن يلتفت للجنود الذين يحرسونه قائلًا «روحوا احرسوا سيناء.. سليمان مش عايز حراسة»، كان ملهمًا بحق في عباراته، غير أن ما أضعف موقفه برأي البعض أن جل ضحاياه كانوا من الأطفال والنساء.

أصر سليمان على عدم تمييزه لذلك إذ كانت الشمس قد مالت للمغيب، مؤكدًا أنه التزم بأداء واجبه الذي يحتم عليه منع أي إنسان مهما يكن من صعود الجبل، كانت حجته أمام المحقق العسكري بسيطة ولا تخلو من المنطق، «أمال أنتم قلتم ممنوع ليه؟ قولوا لنا نسيبهم وإحنا نسيبهم»، لم يشفع لسليمان خاطر منطقه العسكري ولا عاطفته الوطنية ولا حتى تقرير الطبيب النفسي الذي أفاد بأنه «مختل نوعًا ما» أمام هيئة المحكمة التي حكمت عليه بالسجن المؤبد، وخلال أيام قليلة صدرت الصحف المصرية يتصدرها خبر انتحار سليمان خاطر في سجنه ومرة أخرى تصفه بالجنون.

لكن من يصدق الرواية الرسمية في مصر؟ قبل ذلك بخمسة أعوام فقط قتلت قوات الشرطة سعد حلاوة واتهموه بالجنون أيضًا، هذه المرة انفجر الغضب في الجامعات المصرية واندفع طلابها يهتفون «سليمان خاطر قالها قوية، الرصاص حل القضية، سليمان خاطر مات مقتول، مات علشان ما قدرش يخون»، ونعاه الشيخ إمام بأغنية خاطب بها مصر على لسانه بعبارات تليق بتلك الروح التي سادت الأيام الأخيرة للجندي الشاب.

أثارت قضية سليمان خاطر الكثير من الجدل، حيث تحفظ البعض على سقوط نساء وأطفال ضحايا لطلقات الشاب المصري، فإذا ما وضعنا في الاعتبار مسألة جهله بهوية المجموعة واختراقها لمنطقة حراسته رغم تحذيره فسيبقى الأمر على الأقل محل جدل أخلاقي وإن لم يُحسم، كما أن سرعة تعامل سليمان خاطر بالسلاح تثير الأسئلة أيضًا حول مدى ضرورة ومشروعية هذا التعامل، فهو نفسه روى خلال التحقيق أنه لم يتعمد إطلاق الرصاص بهذه الكثافة، وإنما لأن سلاحه كان معدًا للإطلاق فلما ضغط الزناد انطلقت الرصاصات دون حساب ووجد ضحاياه قد بدأوا بالتساقط فلم يدر بنفسه وهو يواصل إطلاق النيران موقعًا المزيد منهم.

هذه الملحوظة تحديدًا لفتت نظر المحقق العسكري الذي سأل سليمان عن سر إعداده الدائم لسلاحه في وضع الإطلاق، فأجاب سليمان بأن ذلك حبًا لسلاحه الذي يعتبره من حب الوطن كما أن إهماله لسلاحه يعد إهمالًا للوطن، وهذه الإجابة وحدها ربما تتسق مع إخلاص الشاب وتفانيه في حراسة حدود وطنه، لكن الملحوظة التالية للمحقق أوضحت مستوى غير مألوف للعلاقة بين الجندي وسلاحه، إذ سأله عن سر حفظه حتى لرقم السلاح، فأجاب سليمان مجددًا أنه «يحبه كما يحب مصر!».

في ختام رواية سليمان خاطر للمحقق حول تفاصيل الواقعة وصف حالته قائلًا «وقفت عامل زي المجنون، وبقيت مرة أضحك ومرة أعيط»، كما روى زميله الجندي علي إبراهيم في شهادته أن سليمان بعدما انتهى من عمليته حاول قتل نفسه أيضًا إلا أنه منعه من ذلك وذكره بالتحريم الديني للانتحار.

بشكل غير رسمي، لم يخل رد فعل النظام من بعض التقدير ورد الاعتبار لسليمان خاطر، فبعد أقل من أسبوعين على وفاته صرّح الرئيس حسني مبارك لمجلة المصور أنه تمنى له البراءة، ولاحقًا بعد ثورة يناير (كانون الثاني) صرح مصطفى الفقي، سكرتير مبارك للمعلومات وقت الحادثة، أن هناك احتمالًا بأن المخابرات قررت إنهاء الأمر دون علم الرئيس، ومرة ثالثة يؤكد علي لطفي، رئيس الوزراء وقت الحادثة، أن معلوماته عن القضية لا تزيد عن معلومات أي شخص آخر لكنه يعتبر أن دماء سليمان خاطر في رقبة حسني مبارك.

5 فوائد اقتصادية كبرى لإسرائيل من صفقة الغاز مع مصر

أيمن حسن.. «إنما للسلم حدود»

لا تتضمن هذه الواقعة مظلومية سعد حلاوة ولا ضبابية سليمان خاطر ولا ميلودرامية القصتين، حتى إنها لم تنته بموت بطلها مثل سابقيه، كما أن بطولته لم تتسم بعفوية ردود أفعال كلا من سعد وسليمان، وإنما عوضًا عن ذلك فقد سبقها من التدريب والإعداد والتصميم ما هو خليق بمقاتل محترف، وأوقعت في صفوف العدو من الخسائر ما يملأ صفحات البطولة الشعبية، دون هواجس أخلاقية هذه المرة، فلقد كان الضحايا كلهم من قوات جيش الدفاع الإسرائيلي، وخلف جبهتهم.

كانت خمس سنوات قد مرت على واقعة سليمان خاطر المدوية على الحدود المصرية الإسرائيلية حينما كان الجندي أيمن حسن، المنتمي لنفس محافظة خاطر، محافظة الشرقية، يقف حارسًا لنقطة حدودية أخرى، بدأ جندي إسرائيلي على الجانب الآخر من الحدود باستفزاز أيمن عن طريق مسح حذائه بالعلم المصري، اشتكى أيمن لقيادته التي وعدت باتخاذ الإجراءات اللازمة حيال ذلك، غير أن أربعة أيام مرت دون أي إجراءات، والأدهى أن الجندي الإسرائيلي تمادى في استفزازه مرة أخرى بممارسة الجنس مع مجندة إسرائيلية فوق العلم المصري.

قرر أيمن عدم إبلاغ القيادة هذه المرة واتخاذ إجراءاته اللازمة بنفسه، وبهدوء المحترفين بدأ في مراقبة الجندي الإسرائيلي ومعرفة تحركاته ومواعيد دورياته، تمرن لمدة تسعة أيام على عملية الانتقام، وأثناء ذلك وقعت مذبحة المسجد الأقصى التي سقط فيها 21 شهيدًا فلسطينيًا فقرر تغيير خطته وتوسيع انتقامه ليشمل أكبر عدد من قوات العدو، كتب خطابًا وداعيًا مؤثرًا لأهله، وانطلق فجر اليوم الذي اختاره سلفًا، 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 1990، بعد شهر ونصف من التدريب، متسللًا عبر الحدود إلى الجانب الإسرائيلي، ومسلحًا بذخيرة قوامها 450 رصاصة لتنفيذ انتقامه المنشود.

أثناء تجهيز أيمن حسن للكمين الذي سينتظر فيه مرور دورية الجندي الإسرائيلي إياه، تفاجأ بسيارة إمدادات عسكرية تمر عبر نفس الطريق فبادرها بإطلاق النيران ليسقط سائقها أول قتلى عملية الانتقام، أثناء ذلك مرت بالصدفة أيضًا سيارة جيب تابعة للمخابرات العسكرية الإسرائيلية، فاستمر وابل رصاصات المجند المصري موقعًا صيدًا ثمينًا هذه المرة، عميد إسرائيلي في مفاعل ديمونة النووي. تواصل قدوم الضحايا الإسرائيليين لحتفهم، أتوبيس خاص بالجنود تعامل معه أيمن بنيرانه قبل أن يتبين له خلوه، ثم أتوبيس آخر للضباط خدعهم أيمن ليوهمهم أن ما جرى هنا كان حادث سير وعندما نزلوا لتفقد الأمر انطلقت نيرانه مرة رابعة لتقتل من تقتل وتصيب من تصيب، وأخيرًا قدمت سيارة الدورية التي تضم الجندي صاحب واقعة العلم فألحق أيمن أفرادها بزملائهم ليكتمل عدد قتلاه 21 ضابطًا وجنديًا إسرائيليًا، تمامًا مثل عدد الشهداء الفلسطينيين في المذبحة.

بعد ذلك بدأت الإمدادات الإسرائيلية تصل إلى موقع الاشتباك، متخذة مواقع متباعدة لظنها أنها تشتبك مع قوة عسكرية مصرية وليس جنديًا واحدًا، كان أيمن قد أصيب إصابة سطحية بفروة رأسه واستهلك أغلب ما لديه من ذخيرة، لكن عمليته تكللت بالنجاح التام حيث استطاع التسلل عائدًا إلى الحدود المصرية وهناك أبلغ قيادته بما كان منه.

أصدرت المحكمة العسكرية في أبريل (نيسان) 1991 حكمها على أيمن حسن بالسجن 12 سنة لكنه خرج من السجن عام 2000 بعد ثلاثة أرباع المدة بحسن السير والسلوك، لم تشكك السلطات المصرية في قواه العقلية هذه المرة، بل إنه يحكي عن الحفاوة والتقدير اللذين حظي بهما من قبل القيادات العسكرية رغم صدور الحكم ضده، ورغم أنه بعد خروجه من السجن أيضًا لم يلق عونًا من الدولة على تيسير سبل الحياة فاضطر للعمل بالسباكة لكسب عيشه.

الجماهير المصرية تنتفض ضد سفارة إسرائيل

بعيدًا عن حكايات الرصاص والبطولات الفردية، كانت القصة هذه المرة فصلًا من فصول ثورة 25 يناير (كانون الثاني 2011)، كانت البداية عند الحدود كالعادة، القوات الإسرائيلية تقتل ثلاثة جنود مصريين لاشتباهها في اقتحامهم للحدود الإسرائيلية، وكان الرد في القاهرة. بعد ثلاثة أيام من الواقعة، في تلك المرحلة التي اعتادت فيها شوارع القاهرة هتافات المصريين ضد كل ما لا يرضيهم عقب دعوات حشد تجد طريقها ممهدًا للانتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ المصريون بالتوافد حول السفارة الإسرائيلية، وأخذ العدد يرتفع تدريجيًا بشكل لا يصدق.

في فيلم وثائقي أصدره التلفزيون الإسرائيلي عن تلك الأحداث ستلاحظ أثناء رواية السفير الإسرائيلي للواقعة تعبيره عن هذا التدرج العددي حين يبدأ القصة بحديثه عن عشرات المتظاهرين ثم المئات والآلاف وينهيها بالحديث عن تهريب طاقم السفارة من بين مئات آلاف المتظاهرين. تصاعدت الأحداث بشكل غير متوقع في تلك البقعة من العاصمة المصرية يوم 21 أغسطس (آب) 2011، بدأ المتظاهرون بتحطيم الجدران الأمنية المحيطة بالسفارة بواسطة أعمدة خشبية.

أثناء ذلك كان طاقم السفارة بالأعلى يجري اتصالاته بوزارة الخارجية المصرية ووزارة الدفاع الإسرائيلية ورئاسة الوزراء الإسرائيلية أيضًا، المتظاهرون بالأسفل يقتربون من تحقيق هدفهم ومستوى القلق يرتفع في السفارة الإسرائيلية ومعه يرتفع مستوى الاتصالات، رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي يتصل برئيس المخابرات المصرية، ووزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك يتصل بوزير الدفاع الأمريكي ليطلب منه الاتصال بوزير الدفاع المصري وقائد المجلس العسكري الحاكم للبلاد آنذاك، المشير حسين طنطاوي، للتدخل وإنقاذ الموقف.

لم تستبعد إسرائيل حتى خيار التدخل العسكري، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واثقًا -بحسب تأكيده في الفيلم الوثائقي- أن اقتحام المتظاهرين للسفارة معناه مقتل الموظفين الستة الموجودين بداخلها، لذا فقد توجه بسؤاله لـ«رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)» عن إمكانية إرسال الأمريكان لقوات تدخل تنقذ طاقم السفارة، إلا أن واشنطن رفضت الفكرة، فلن تثمر إلا عن مقتل الكثيرين بمن فيهم طاقم السفارة نفسه.

اقتحم المتظاهرون بالفعل المبنى الذي تقع السفارة في أحد طوابقه العلوية واتخذوا طريقهم صعودًا، تلقى الموظفون أوامر بإتلاف محتويات السفارة ولم يتضح بعد ما إذا كان هناك أمل في إنقاذ حيواتهم بمعجزة ما قبل انفتاح الباب عن آلاف المصريين الغاضبين، أخيرًا تلقى رئيس جهاز الشاباك اتصالًا من لواء مصري يخبره بوصول التدخل المصري، قال وزير الدفاع إيهود باراك إنه توقع تدخلًا بسيارات شرطة ومركبات عسكرية ومكبرات صوت، وربما كان توقعه منطقيًا بالنظر إلى تاريخ السلطات المصرية، ألم يصل وزير الداخلية المصري بنفسه على رأس قوة شبيهة للتعامل مع مواطن واحد مسلح احتل وحدة محلية -وليس السفارة نفسها – في قرية خارج القاهرة قبل 30 عامًا؟

لكن التدخل الأمني كان مختلفًا هذه المرة، اخترق أفراد وحدة قوات خاصة بملابس مدنية صفوف المتظاهرين ليصعدوا إلى مبنى السفارة ويطرقوا الباب طرقة كانوا قد اتفقوا مع طاقم السفارة عليها قبل صعودهم للتعرف إليهم، دخلوا السفارة وأعطوا الموظفين ملابس تقليدية ليبدوا فيها مواطنين مصريين، ثم اصطحبوهم نازلين قبل ركوب السيارات والهروب من وسط الحشود إلى شوارع جانبية بالقاهرة ثم لاحقًا إلى خارج البلاد.

لم تمر دقائق إلا واقتحم المتظاهرون السفارة بالفعل، بينما قرر شاب مصري تخليد الواقعة بلمسة سينمائية تكلل انتصار الجموع بمشهد أضاف لإنجازها الجماعي رمزية البطولة الفردية، إذ تسلق مبنى السفارة الذي جاوز 15 طابقًا، لينتزع العلم الإسرائيلي من ساريته ويحرقه ثم يرفع العلم المصري مكانه.

«مصريون في إسرائيل» للسياسة والسياحة والعمل والزواج!

المصادر

تحميل المزيد