إذا كان يُمكن تلخيص الحياة العسكرية في جملة وحيدة، فهي الانضباط واحترام القادة، بهذا فقط يمكن للجيوش أن تدعي أنها على قلب رجل واحد، وتصدّر نفسها للشعوب باعتبار إرادتها هي «صوت الحقيقة» الذي لا يعتريه الخطأ أو الشتات، لكن بين الحين والآخر يطفو على السطح ما يُعكّر صفو هذا التجانس المرغوب، فتنشب الخلافات بين القادة العسكريين وبعضهم، فتجد الجيوش أنفسها مضطرة إلى الانحياز إلى أحد الطرفين على حساب الآخر، ويجد القادة أنفسهم مجردين تمامًا من كل سلطان وخُيلاء، وتصبح الرّتب على أكتافهم ألقابًا غير ذات معنى، بعد أن تنكّل بهم المؤسسة التي كانوا يومًا ما أحد أعمدتها، أو حتى أهم قوادها.

1- اللواء محمد نجيب.. «قائد الثورة الوقور» معتقلًا على أطراف القاهرة

«اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم. وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير في الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين. وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم».

كان ذلك جزءًا من البيان الأول الذي وجهته حركة الضباط الأحرار للشعب المصري ليلة 23 يوليو (تموز) 1952، كان البيان باسم اللواء محمد نجيب، ضابط الجيش الوقور الذي صار بعد أيام قليلة ملء السمع والبصر، بعد أن قدمه الضباط الأحرار بوصفه قائد الثورة وملهمها، وهو يجوب أرجاء مصر ونجوعها فتستقبله جموع الشعب بالترحيب والتهليل.

ولد محمد نجيب عام 1901 في الخرطوم، حيث كان والده ضابطًا في الجيش يخدم في السودان، نشأ وترعرع بين مصر والسودان قبل أن يعود إلى مصر ليلتحق بالكلية الحربية، أجاد اللغات: الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والعبرية، وقد تنوعت دراساته واهتماماته، فحصل على ليسانس الحقوق، ودبلوم في الاقتصاد السياسي، وآخر في القانون الخاص.

عُرف نجيب بمواقفه الوطنية، فقد أدى تأييده للمناضلين السودانيين إلى نقله من سلاح الحرس الملكي عام 1923، كما قدم استقالته من الجيش عقب حادث فبراير (شباط) ،1942 الذي حاصرت فيه الدبابات البريطانية قصر الملك، غير أن استقالته قد قوبلت بالرفض، وأصيب في حرب فلسطين 1948 إصابات بالغة، وحين كان رئيس سلاح حرس الحدود وقف بوجه الملك حين طلب منه ترقية حسين سري وكيل سلاح الحدود، وكان الرجل مقربًا من الملك، وتحوم حوله العديد من شبهات الفساد، فنقل الملك محمد نجيب إلى سلاح المشاة، وعين حسين سري بدلًا منه.

في تلك الأثناء، كان البكباشي -مقدم- جمال عبد الناصر يعكف على «هندسة» التنظيم السري الأهم في تاريخ مصر، والذي سيغير وجه البلاد لعقود من الزمان، «الضباط الأحرار» الذي قاده مجموعة من الضباط متوسطي الرتب، كان التنظيم بحاجة إلى ضابط من ذوي الرتب العليا في الجيش، ما يجعل حركتهم أكثر قبولًا لدى الشعب وقطاعات الجيش المختلفة، وقد وجدوا ضالتهم في اللواء محمد نجيب، الذي تمكن بدعم من الضباط الأحرار من الفوز بانتخابات نادي الضباط، على غير هوى الملك، الأمر الذي كان يعني أن الملك يفقد سطوته على العسكر.

بعد نجاح الثورة تم إلغاء الملكية في مصر، وأعلن الجمهورية التي صار «نجيب» أول رؤسائها، فيما عمد جمال عبد الناصر، المؤسس الفعلي لحركة الضباط، والمسيطر على عملية صنع القرار داخل مجلس قيادة الثورة، إلى «زرع» رجاله في مراكز القوة الحقيقية، فرقّى صديقه «عبد الحكيم عامر» إلى رتبة لواء، وولاه قيادة الجيش.

اقرأ أيضًا: من محمد نجيب إلى صدقي صبحي: أهم وزراء دفاع الجمهورية المصرية

فقد نجيب نفوذه داخل الجيش، وهو الذي كان أكثر قادته احترامًا بين القادة والجند، واتخذ مجلس قيادة الثورة مسارًا يرفض الديمقراطية والحياة الحزبية، وهو ما لم يقبله نجيب، الذي وجد نفسه منبوذًا من أغلب أعضاء المجلس، وبلغ تجاهله أحيانًا عدم دعوته لحضور اجتماعاتهم -رغم كونه نظريًّا قائدهم الأعلى- فأعلن استقالته في فبراير (شباط) 1954، ونظرًا للشعبية الجارفة التي كان يتمتع بها بوصفه «قائدًا للثورة» في نظر الشعب، خرجت المظاهرات المؤيدة له، كما ثار بعض ضباط سلاح الفرسان في الجيش، الأمر الذي أثار خشية عبد الناصر ورفاقه؛ فقرر أن يأخذ خُطوة إلى الخلف، ليعود محمد نجيب إلى منصبه ويعلَن في 5 مارس (آذار) 1954 عودة الأحزاب والبرلمان، وإلغاء الرقابة على الصحف.

لم تكن تلك الخطوات أكثر من «انسحاب تكتيكي» دبره عبد الناصر لامتصاص القطاعات المؤيدة لنجيب، ولم تمض أسابيع قليلة حتى ألغى مجلس قيادة الثورة قرارات الخامس من مارس، بعد أن استنهض عبد الناصر أنصاره داخل الجيش، واستعان بمظاهرات شعبية بدعم من هيئة التحرير والنقابات العمالية مرددة شعارات ضد الديمقراطية.

خلال أشهر قليلة كانت السلطة قد نزعت تمامًا من يدي نجيب، وصارت بين يدي عبد الناصر، الذي انتهز محاولة الاغتيال التي تعرض لها في ميدان المنشية بالإسكندرية في أكتوبر (تشرين الأول) 1954، وعزل بعدها بأسابيع قليلة محمد نجيب من منصب رئيس الجمهورية، وحرمه من حقوقه السياسية، واعتقله في استراحة صغيرة تخص السيدة زينب الوكيل زوجة النحاس باشا على أطراف القاهرة، وظل بها مدة 17 عامًا حتى رفع السادات القيود عنه عام 1971، وظل مقيمًا في الاستراحة حتى عام 1983.

وفيما يلي بعض الفقرات يتحدث فيها «نجيب» عن ظروف اعتقاله، وتنكيل عبد الناصر به، سردها هو في كتابه «كنت رئيسًا لمصر»:

«صادروا أوراقي، وكتبي، وتحفي، وتذكاراتي، ونياشيني، وقلاداتي، وسيوفي، ونقودي، وكل شيء يخصني، لم يحافظ عبد الناصر على الأصول أو التقاليد، تعاملوا معي كأني لص أو شرير أو مجرم، لم يتصل بي عبد الناصر، لم يقل لي كلمة واحدة، ولم يشرحوا لي ما حدث، ولم يحترموا سني، ولا رتبتي، ولا مركزي، ولا دوري».

ويسرد في موضع آخر كيف شطب عبد الناصر اسمه من كتب التاريخ، وحاول التعامل معه وكأنه لم يكن، ولم يولد من الأصل:

«عندما جئنا إلى معتقل المرج، جاء إلىّ فاروق -ابني- وسألني في اهتمام شديد:

– أبي هل صحيح أنك كنت رئيسًا للجمهورية؟

– نعم يا بني، لكن ما الذي جعلك تسأل هذا السؤال؟ هذا تاريخ مضى وانقضى.

ولمحت دموعًا حائرة في عين الصبي، وهو يقدم لي كتابًا في المطالعة، جاءت فيه هذه العبارة (وجمال عبد الناصر هو أول رئيس لجمهورية مصر العربية)».

2- الفريق أول محمد فوزي.. الجيش يحكم على «بطل حرب الاستنزاف» بالأشغال الشاقة

على بعد كيلومترات قليلة من القاهرة، جنوب شرق مدينة حلوان الصناعية، تقع مدينة «15 مايو»، وهي المدينة التي أنشئت بقرار من رئيس الجمهورية عام 1978، ضمن مجموعة التجمعات العمرانية الجديدة، مثل «6 أكتوبر» و«السادات» وغيرها، الاسم نفسه «15 مايو» يحمله كوبري يمتد بين مديان «سفينكس»، وحي بولاق بطول 4.5 كم.

قد لا يعرف الكثير من المصريين المدينة، تمامًا كما قد يجهل الكثيرون أن تاريخ «15 مايو» -الذي حاول الرئيس الأسبق محمد أنور السادات تخليده عبر إطلاق اسمه على المنشآت المختلفة- يؤرّخ لإحدى اللحظات المفصلية في تاريخ السلطة السياسية في مصر، أي القضاء على «مراكز قوى» دولة عبد الناصر، أو ما كان يحلو للرئيس السادات وأنصاره تسميته باسم «ثورة التصحيح».

لم يكن السادات رجلًا عظيم الخطر إبّان عهد عبد الناصر، ولذلك جاء به الأخير نائبًا له، ووفقًا للرواية الساداتية، فإن بعض كبار رجالات الدولة لم يتعاملوا مع الرئيس الجديد بالاحترام اللازم، وبحسب إحدى الوثائق البريطانية فإن السفير الإنجليزي في القاهرة قد كتب أن «السادات يواجه معارضة رهيبة، يندرج فيها المعارضون للتسوية السلمية مع إسرائيل والمعارضون للتقارب مع الولايات المتحدة»، في إشارة إلى رجال عبد الناصر الذين لم يأخذوا السادات على محمل الجد منذ اليوم الأول.

ووفقًا للرواية ذاتها، فقد كان ثمة خطة للانقلاب على السادات واغتياله، الذي توصل إلى أشرطة تكشف مراقبة تجسس مراكز القوى عليه، فخرج وزير الداخلية «شعراوي جمعة» من الخدمة، وما كان من خصوم السادات إلا أن قدموا استقالات جماعية، بغرض إحداث بلبلة وفراغ قيادي في الدولة لإجبار السادات على الخضوع والتسليم.

اقرأ أيضًا: أسطورة «الرئيس المؤمن».. السيسي والسادات وجهان لعملة واحدة

لكن رد السادات جاء على النقيض، إذ قبل استقالات هؤلاء المسؤولين جميعًا، وتمت إحالتهم إلى المحاكمة، وكان في مقدمة هؤلاء «علي صبري» رئيس الاتحاد الاشتراكي، و«شعراوي جمعة» وزير الداخلية، و«سامي شرف» سكرتير رئيس الجمهورية، لكن الشخصية الأهم والأخطر كانت وزير الحربية الفريق أول «محمد فوزي».

يعد محمد فوزي أحد أعلام العسكرية المصرية، تخرج في الكلية الحربية عام 1936، ولفت الأنظار في حرب فلسطين 1948 حينما قام بتطوير المدافع المضادة للطائرات لتصيب أهدافًا أرضية، وقد عهد إليه عبد الناصر بمهمة إعادة بناء الجيش المصري، وولاه القيادة العامة للجيش بعد نكسة عام 1967.

عُرف عن الرجل انضباطه الشديد، وحزمه، وحماسته للحرب، ولعب دورًا بارزًا في إعادة الانضباط إلى الجيش بعد النكسة، كما أشرف على حرب الاستنزاف، وأعد خطة للعبور وخوض معركة التحرير، وكانت تشمل خطتين هما: «200»، و«جرانيت»، وكذلك تحرير الجولان.

تقول الرواية الساداتية إن الفريق فوزي قد حاول القيام بـ«انقلاب» ضد السادات، إذ استدعى قادة أذرع الجيش المختلفة، وحرضهم ضد الرئيس، لكن تصدي رئيس الأركان الفريق «محمد صادق» حال دون نجاح الخطة.

لكن الفريق فوزي، وفي شهادة لاحقة له عن أحداث تلك الفترة، نفى تورطه في محاولة الانقلاب على السادات، معتبرًا أن السادات هو من أخلف وعده بالسير على نهج عبد الناصر، وحاول تسليم مصر للأمريكيين، وتنفيذ أوامرهم. وأن هذا هو سبب استقالته الحقيقي. حُكم على الفريق فوزي بالأشغال الشاقة مدة 15 سنة، بعد أن كانت الرغبة الأولى أن يكون الحكم بالإعدام، وقد أصدر السادات قرارًا بالعفو عنه عام 1974. وقد جاء في حيثيات الحكم المخفف:

«ثبت للمحكمة جريمتا العصيان والترويج للعصيان في حق المتهم الفريق أول متقاعد محمد فوزي أمين. حرصًا على بحث جميع جوانب القضية، عرضت المحكمة على رئيس الجمهورية وجهة نظرها، وأسباب تخفيف الحكم عند التصديق عليه، فاستجاب، وقد فتح قلبه الرحيم واضعًا في اعتباره ما بذله المحكوم عليه من مجهود سابق بعد نكسة 5 يونيو (حزيران) 1967، وما أسهم به مع غيره في إعادة بناء القوات المسلحة، وصدّق رئيس الجمهورية على الحكم بعد تخفيف العقوبة لتكون الأشغال الشاقة 15 سنة».

3- الفريق سعد الدين الشاذلي.. «بطل حرب أكتوبر» نزيلًا في السجن الحربي

معلومٌ مدى الأهمية التي يمثلها منصب «رئيس هيئة أركان الحرب» في التراتبية العسكرية للجيوش، فهو المسؤول الرئيس عن تحريك القطعات العسكرية، وعن الجوانب العملياتية المختلفة للجيش، ومن ثم، ففي حالة نشوب حرب ما، فإن رئيس الأركان ينال نصيب الأسد حال النصر، فيما يصبح عادة في مقدمة كِباش الفداء التي تُقدّم حال الهزيمة.

لكن الحال لم تكن كذلك مع الفريق «سعد الدين الشاذلي»، الذي شغل رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية إبان حرب أكتوبر 1973، والتي توجت فيها قواته بنصر لا تزال الدولة المصرية تتباهى به عبر عقود، وتصبغ عليه صفات الإعجاز والتبجيل، فيما لم يكن جزاء الشاذلي إلا التهميش والإبعاد، ثم محاكمة عسكرية أفضت إلى سجنه بعد ذلك.

ولد سعد الدين الشاذلي عام 1922 في مركز بسيون بمحافظة الغربية، قضى عامًا في كلية الزراعة، قبل أن يقرر تغيير مساره ليلتحق بالكلية الحربية، ليبزغ نجمه سريعًا فيصبح أول قائد لفرقة مظلات مصرية، وقد اشتهر عنه تنفيذه عملية انسحاب ناجحة نجا فيها بأغلب قواته خلال نكسة يونيو 1967، ما جعل أسهمه ترتفع في صفوف الجيش، ليختاره السادات رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة عام 1971، عقب إطاحة ما عرف حينها بـ«مراكز القوى»، ومنذ ذلك الحين بدأ الشاذلي يعد العدة ويجهز الجيش للمعركة الموعودة.

اقرأ أيضًا: كيف يرى سعد الدين الشاذلي ممارسات السلطة العسكرية في مصر؟

لكن حرب أكتوبر، والتي كان من المفترض أن تشكل ذروة مجد الشاذلي، كانت هي البداية الحقيقية لأفول نجمه، إذ اختلف الرئيس السادات ووزير الحربية أحمد إسماعيل، مع الشاذلي، حول تفاصيل عملياتية، وأدى تمكن القوات الإسرائيلية من تطويق الجيش الثالث الميداني، فيما عُرف بـ«ثغرة الدفرسوار» إلى تبادل الرجلين الاتهامات بشأن المسؤولية عن ذلك الإخفاق، وقد تصاعدت تلك الخلافات بين السادات والشاذلي، حتى أطيح الأخير من منصبه في ديسمبر (كانون الأول) 1973، وقد استثنى السادات الفريق الشاذلي في الاحتفالية التي كرم فيها أبطال حرب أكتوبر عام 1974، في دلالة واضحة على مدى تعمق هوة الخلافات بين الرجلين.

«في يوم 16 أكتوبر أرسلت رئيس الأركان الجنرال سعد الشاذلي للتعامل مع الثغرة، وكان من السهل جدًا التعامل معها في ذلك اليوم، فقد كان السباق فيها للزمن. ولو أنه نفذ ما طلبته منه أنا والفريق أحمد إسماعيل، وفي التوقيت الذي حددته له فأحاط شاطئ البحيرة المرة بسد يسجنهم داخلها ويوقفهم في مكانهم لأصبح من السهل القضاء عليهم، وكان في إمكانه أن ينتهي من العملية كلها بعد وصوله بساعات، ولكنه أضاع الليلة بأكملها في جمع المعلومات، وإنشاء قيادة ينافس بها غريمه الجنرال أحمد إسماعيل»، هكذا روى السادات الواقعة متهمًا سعد الدين الشاذلي بالتسبب في الثغرة.

وفي مذكراته يرد الشاذلي على اتهام السادات: «يدعي السادات في مذكراته بأنني عدت من الجبهة منهارًا يوم 19 أكتوبر، وأنني طالبت بسحب قواتنا في شرق القناة، لأن الغرب مهدد، ويؤسفني بأن أقول إن هذا كـذب رخيص، لقـد كنا تسعـة أشخاص مات واحد وما زال الثمانية الآخرون أحياء، وإني أتحدى إذا كان أحد من هؤلاء الأحياء يستطيع أن يشهد بصدق ما يدعيه السادات، لقد طالبت حقًا بسحب جزء من قواتنا من الشرق إلى الغرب، وكانت مطالبتي بهذه العملية يوم 19 أكتوبر هي خامس محاولة لإنقاذ الموقف، إن شرف القوات المسلحة المصرية وتاريخها الرائع الذي كتبته بدمائها في أكتوبر 1973 يتطلبان منا أن نحدد من هو المسئول الحقيقي عن حدوث الثغرة، ولماذا لم تدمر في حينها؟ ومن هو المسؤول الحقيقي عن حصار الجيش الثالث؟ إن حصار الجيش الثالث جريمة لا تغتفر، وإني أتهم السادات بأنه هو المسؤول الأول عنها، لقد رفض السادات وقف إطلاق النار عندما كنا في موقف قوة، وطلب وقف إطلاق النار عندما أصبحنا في موقف ضعف، لقد كان اقتراحي الخاص بسحب أربعة ألوية مدرعة من الشرق ليلة 19/20 أكتوبر هو الفرصة الأخيرة لإنقاذ الشرف العسكري المصري، لقد فقدنا المبادرة نهائيًّا بعد ذلك وحتى نهاية الحرب».

عُيّن الرجل سفيرًا لمصر في بريطانيا عام 1974، ثم في البرتغال عام 1975 وحتى عام 1978، فيما اعتبره الشاذلي رغبة في تهميشه وإبعاده، وكان اتجاه السادات للتطبيع مع إسرائيل، وتوقيعه اتفاقية كامب ديفيد، هو القشة التي قصمت ظهر البعير، فحزم الشاذلي أمتعته، وولى وجهه صوب الجزائر، ليتخذها منفىً له شرع منه في مهاجمة السادات، والمطالبة بإسقاطه.

ظل الشاذلي في المنفى، ومن هناك أصدر مذكراته الشهيرة «مذكرات حرب أكتوبر»، والتي يروي فيها جهوده في بناء القوات المسلحة وتطويرها، كما يتهم السادات بالتفريط في النصر، ويرد على اتهامه بالتسبب في ثغرة الدفرسوار، وقد أدت تلك المذكرات إلى محاكمته عسكريًّا عام 1983 بتهمة إفشاء أسرار عسكرية، وقد عاد الشاذلي إلى مصر عام 1992، ليقضي شهورًا في السجن الحربي، تحت إمرة الضباط الذين كانوا يومًا يتلقون منه الأوامر ويقدمون له التحية العسكرية بتبجيل واحترام.

4- الفريق سامي عنان.. «لن يحكمنا رئيس أركان»

بالنسبة للكثير من المصريين، وبخاصة المدنيين، لم يكن اسم «سامي عنان» معروفًا قبل ثورة 25 يناير 2011، التي اندلعت أحداثها لتقطع زيارة الرجل «الروتينية» إلى الولايات المتحدة، فيعود إلى مصر ويصبح الرجل الثاني في سلم السلطة في البلاد، تاليًا لوزير الدفاع «محمد حسين طنطاوي».

صار الرجل -باسمه وصفته- رقمًا صعبًا في معادلة السلطة خلال شهور طويلة لاحقة، وبدأ هتاف «يا طنطاوي قول لعنان.. لن يحكمنا رئيس أركان» الذي تردد في الميادين في مناسبات عدة انعكاسًا ربما لإدراك قوى سياسية حينئذ لطموح الرجل، ولكونه الشخص الأكثر «أهلية» ليتبوأ مقعد الرئاسة حال قرر الجيش الاستمرار في مباشرة الحكم بنفسه، بحكم تقدم طنطاوي الكبير في السن.

لكن ذكر الرجل قد خمل تمامًا عقب التغييرات التي أجراها الرئيس المصري «محمد مرسي» عام 2012، وأقال بموجبها عددًا -إلى جانب عنان- من قادة الجيش، قبل أن يبرز اسم الرجل مجددًا عقب إطاحة مرسي، حيث خرج ليلة الثالث من يوليو (تموز) 2013 ليعلن مباركته لـ«الثورة الشعبية»، مختتمًا مكالمته قائلًا: «مساء النصر يا مصر».

وتشي تلك المداخلة، وما تلاها من أحداث، بأن الرجل كان يبيت طموحًا سياسيًّا حاول تحقيقه مع الأيام، إذ أعلن اعتزامه الترشح لانتخابات 2014، في مواجهة مرؤوسه السابق ووزير الدفاع حينئذ «عبد الفتاح السيسي»، قبل أن يتراجع في مؤتمر صحافي حضره أقطاب إعلامية وسياسية مؤيدة للسيسي مثل مصطفى بكري.

ويبدو أن حُلم عنان بمقعد الرئاسة لم يخفت عبر سنوات أربع هي فترة حكم السيسي، فعلى بعد أيام من غلق باب الترشح للانتخابات الرئاسية المصرية 2018، خرج رئيس الأركان السابق بخطاب «منمق» يعلن فيه نيته للترشح للانتخابات الرئاسية، وخطى أبعد من ذلك حين أعلن اختيار مساعدين محسوبين على المعارضة له هما المستشار «هشام جنينة» الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، وأستاذ العلوم السياسية «حازم حسني» الذي جعل يطوف القنوات والصحف بتصريحات جريئة تهاجم النظام الحالي، وتوحي بأن موقف عنان غير قابل للتبدّل هذه المرة لا ترغيبًا ولا ترهيبًا.

اقرأ أيضًا: قصة «الفريق» و«المشير» لم تبدأ الآن.. ما لا تعرفه عن الصراع بين عنان والسيسي

لكن رد النظام المصري أتى سريعًا، ومن طرف المؤسسة التي كان عنان يجلس على قمة هرمها يومًا، إذ أصدرت قيادة الجيش بيانًا ذكرت فيه أنها قررت استدعاء سامي عنان للتحقيق معه؛ لارتكابه مخالفات قانونية تتعلق بإعلانه الترشح لخوض الانتخابات الرئاسية، وذكر بيان الجيش أن بيان عنان للترشح تضمن «ما يمثل تحريضًا صريحًا ضد القوات المسلحة بغرض إحداث الوقيعة بينها وبين الشعب المصري»، كما اتهمه بارتكاب «جريمة التزوير في المحررات الرسمية، وبما يفيد إنهاء خدمته في القوات المسلحة على غير الحقيقة الأمر الذي أدى إلى إدراجه في قاعدة بيانات الناخبين دون وجه حق».

ولم تمض ساعات قليلة حتى ذاع خبر اعتقال سامي عنان، ليمثل أمام النيابة العسكرية التي كان يترأس ضباطها يومًا، فيما يعتبر الكثيرون أن تهمته الحقيقية أنه تجرأ على الترشح في انتخابات رئاسية -يفترض أن تكون تعددية- أمام من كان يُفترض أنه يفوقه رتبة ومنزلة قبل سنوات قليلة فقط.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد