لطالما حضرت السياسة في مدرّجات ملاعب كرة القدم، سواء من خلال الهتافات والأهازيج ذات الطابع السياسيّ التي يغنّيها آلاف الجماهير نقدًا للسلطة، أو في الرّايات والأعلام وحتّى اللغات التي تستخدمها هذه الجماهير لتمرير رسائل سياسيّة.

كرة القدم هي الرياضة الأكثر شعبيّة في العالم، وهو ما يجعلها وسيلة للاستغلال السياسيّ مِن قبل السلطة في كثير من الأحيان، خصوصًا في المباريات التي تجمع البلدان التي بينها خلافات سياسيّة وتاريخيّة، ممّا يجعل رمزيّة مبارياتها ودلالاتها أكبر من مجرّد 90 دقيقة يفوز فيها من يفوز.

في هذا التقرير، نضع بين يديك أربع مباريات بطعم السياسة خاضتها منتخبات وطنيّة معروف عنها توتّر العلاقات بين بلدانها، ممّا جعل العالم أجمع يتّجه صوب التلفاز لمتابعة مجرياتها بسبب السياق التاريخي والسياسي الذي أحاط بتفاصيلها.

1-مباراة الجزائر – فرنسا 1975.. نشيد «قسمًا» بدل «لامارساياز»

كانت الشاشة العملاقة في الملعب تشير إلى الدقيقة 89، فرنسا متقدّمة بهدفين لهدف أمام الجزائر، الرئيس الجزائريّ هواري بومدين يشاهد المباراة في المنصّة الشرفيّة منزعجًا من تأخّر المنتخب الوطنيّ الذي يلعب في أرضه وأمام جمهوره. ليس هذا فحسب، فالمباراة أكبر من مجرّد 90 دقيقة يفوز فيها من يفوز وينتهي الأمر؛ فقد كانت هذه المباراة بالذات مليئة بالدلالات السياسية والتاريخية التي لا تخطئها العين.

المباراة تُلعب في ملعب «5 يوليو»، وهو الملعب الذي سُمي على التاريخ الذي أعلنت فيه الجزائر استقلالها من المستعمر الفرنسيّ، كما أنّ هذه المباراة هي النهائيّة في دورة الألعاب المتوسّطية، أول دورة كرويّة دوليّة تنظّمها الجزائر التي نالت استقلالها من فرنسا قبل 13 سنة فقط، وبالتالي فإن الأنظار متّجهة نحوها، والتكهنات حول إمكانيّة تنظيم هذه الدولة «الفتيّة» لدورة بهذا الحجم.

المنتخب الجزائري سنوات السبعينيات – المصدر

بدا الرئيس الجزائريّ منزعجًا من هذه النتيجة، التي ستعني أنّه سيقوم ويحيّي النشيد الفرنسيّ «لامارساياز» الذي سيُعزف إن استمرّت النتيجة على حالها وفاز المنتخب الفرنسيّ، أطفأ بومدين سيجاره الكوبيّ الذي أرسله صديقه فيديل كاسترو خصّيصًا من أجله، وغادر المنصّة الشرفيّة بعد أن تيقّن أن النتيجة ستبقى على حالها، لكن تسديدة من طرف عُمر بطروني الذي عدّل النتيجة في الدقيقة التسعين أعادت الرئيس الذي همّ بالمغادرة إلى المنصّة الشرفيّة. في الأشواط الإضافية، سجّل اللاعب منقلّاتي هدف الفوز للمنتخب الجزائري، ليهدي بذلك التتويج للجزائر، ويُرفع نشيد «قسمًا» بدل «لامارساياز».

كانت هذه هي المباراة النهائيّة لدورة ألعاب البحر الأبيض المتوسّط التي جرت في العاصمة الجزائر في السادس من سبتمبر (أيلول) سنة 1975، أي بعد 13 سنة فقط من انتهاء الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسيّ ونيل الجزائر لاستقلالها سنة 1962، ولعلها كانت أوّل مواجهة بين عدوّي الماضي القريب، لكن هذه المرة في المستطيل الأخضر بدل الجبال وساحات الحرب.

2-«الشيطان الأعظم» ضد «محور الشرّ».. إيران تواجه أمريكا في كأس العالم 98

هذه الليلة، الخصم المتكبّر والمتعجرف تجرّع مرّة أخرى طعم الهزيمة على أيديكم
*علي خامنئي مرشد الثورة الإيرانيّة مخاطبًا الفريق الإيراني

دخل لاعبو المنتخب الإيراني ملعب ليون، وهم يحملون ورودًا بيضاء تعبيرًا عن السلام، سلام لم يتحقّق طوال 20 سنة مضت مع خصمهم الذي سيواجهونه لمّدة 90 دقيقة داخل الملعب، إيران ستواجه لأوّل مرّة الولايات المتحّدة الأمريكية في نهائيات كأس العالم سنة 1998 بفرنسا.

عندما وضعت القُرعة الولايات المتحدة وإيران في نفس المجموعة في كأس العالم سنة 1998، حبس جميع المتابعين أنفاسهم، فبعد القطيعة التي دامت 20 سنة تقريبًا منذ الثورة الإيرانية سنة 1979 التي أطاحت شاه إيران المدعوم من طرف الولايات المتحدة، وبعد حادثة حصار السفارة الأمريكية في إيران، كان من المؤكد أن مباراة كهذه لن تكون مقابلة كرويّة كغيرها من مقابلات كأس العالم، فالسياسة والتصريحات الناريّة المتبادلة والاحتجاجات كلها ستحضر في مقابلة كهذه.

Embed from Getty Images

صورة جماعية للمنتخب الأمريكي والإيراني

بعد أن دخل الفريقان إلى أرضيّة الملعب، التقط اللاعبون صورة جماعيّة مبادرة حسن نيّة بين الطرفين، لكن ما إن صفّر الحكم معلنًا بداية المقابلة حتى تحوّلت المباراة إلى منافسة ساخنة يحاول الطرفان بكل قوتهما الفوز بها، وهو ما تحقّق في النهاية للإيرانيين الذين تفوّقوا بهدفين لهدف، ليرسّموا بذلك أوّل فوز لهم في نهائيات كأس العالم، ويُخرجوا الولايات المتّحدة من البطولة. بعد هذه المقابلة التاريخية بكل المقاييس بـ18 شهرًا، التقى الطرفان مرّة أخرى في مباراة وديّة جرت في كاليفورنيا الأمريكيّة، تعادلا فيها بنتيجة هدف مقابل هدف.

3-الأرجنتين-إنجلترا.. حرب الفوكلاند تنتقل إلى الملعب

من المؤكّد أن جميع عُشّاق كرة القدم قد شاهدوا الهدفين الشهيرين لمارادونا في مباراة الربع النهائي من كأس العالم بمكسيكو سنة 1986. الهدف الأول الذي جاء بعد أن راوغ مارادونا أغلب لاعبي المنتخب الإنجليزي وتلاعب بهم كالأطفال، بينما كان الثاني هدفًا دخلت به يدُ مارادونا التاريخ بدل رجله، إذ استطاع مُخادعة حكم المباراة الذي لم يلحظ أن مارادونا قد سجّل الهدف بيده، لتفوز الأرجنتين على إنجلترا وتتأهّل إلى النصف النهائي، لتصبح بطلة العالم في تلك الدورة.

لكن ما قد لا يعرفه الكثيرون، هو السياق السياسي الملتهب الذي لُعبت فيه تلك المباراة، فقبلها بأربع سنوات فقط، كانت الحرب تدوّي بين بريطانيا والأرجنتين بسبب احتلال الأخيرة لجزر الفوكلاند التابعة لبريطانيا، والتي تبعد عن الأراضي الأرجنتينية حوالي 500 كم، ممّا أشعل صراعًا عسكريًّا بين الطرفين سقط على إثره 900 قتيل، وبالتالي فإن المباراة التي دارت بينهما كانت بطعم «الانتقام» لمن قُتلوا على أيدي الطرف الآخر. وقد كان النجم الأرجنتيني دييغو مارادونا قد أعلن أنّه وزملاءه قد دخلوا المباراة «وهم يفكّرون في مواطنيهم الذين سقطوا جراء الحرب كالعصافير الصغيرة».

صحيح أن المباراة والحرب انتهتا منذ أكثر من 30 سنة، إلاّ أن الصراع على الجزر بين الأرجنتين وبريطانيا لم يحسم بعد، فقبل شهور قليلة فقط اعتبر وزير الدفاع الأرجنتينيّ أن الجزر أرجنتينيّة بالفعل، مما أثار ردود فعل غاضبة في بريطانيا، كما زادت الجزيرة -المسيطر عليها من طرف بريطانيا- من قوّاتها الجويّة الدفاعية تحسّبًا لأي هجوم أرجنتينيّ عليها.

4-الحرب الباردة تنتقل إلى العشب الأخضر.. ألمانيا الشرقية ضد ألمانيا الغربية

بعد الحرب العالمية الثانية، خرجت ألمانيا منهزمة ومنقسمة بين شرقية وغربيّة، وأصبحت ساحةً للحرب الباردة بين المعسكرين الشرقيّ بقيادة الاتحاد السوفياتي والغربي بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيّين، وقد فازت ألمانيا الغربيّة بشرف تنظيم كأس العالم في سنة 1974، لتضعها القرعة ضد الجارة، والعدوّة اللدودة ألمانيا الغربيّة.

كلّ شيء في تلك الدورة كان ينذر بأجواء سياسيّة متوتّرة، فالاتحاد السوفياتيّ لم يشارك بسبب رفضه اللعب أمام منتخب تشيلي، بسبب الانقلاب الذي قاده الجنرال بينوشيه بدعم من الولايات المتحدة، كما أنّ التخوّف من أعمال عنف من طرف جماعات مسلّحة كان على أشدّه، فقبلها بسنتين فقط، عندما نظّمت مدينة ميونخ دورة الألعاب الأولمبيّة، شهدت هجومًا مسلّحًا قادته مجموعة فلسطينيّة مسلّحة تُدعى «أيلول الأسود»، -نِسبة إلى أحداث سبتمبر 1971 حين اشتبك الجيش الأردنيّ مع قوّات منظمة التحرير الفلسطينيّة ووقع بسبب ذلك عدّة قتلى-. وقد استهدف الهجوم الفلسطينيّ البعثة الرياضيّة الإسرائيليّة، وقُتل على أثر ذلك 11 رياضيًّا إسرائيليًّا.

 

مباريات تاريخيّة

المصدر جتي إيمدج

هذا ما جعل دورة كأس العالم بعدها بسنتين تحظى بحراسة أمنيّة مشدّدة. رغم أنّ المباراة على المستوى الكرويّ لم تكن مصيريّة، فقد ضمن التأهّل فريق ألمانيا الغربيّة بعد فوزه على تشيلي وأستراليا، بينما فاز منتخب ألمانيا الشرقية على أستراليا وتعادل مع الشيلي؛ إلاّ أن الرمزية السياسيّة للمباراة كانت طاغية، فقد لفتت أنظار العالم أجمع.

ورغم أنّ كفّة التوقّعات كانت ترشّح منتخب ألمانيا الغربيّة بقيادة النجم فراتز بينكنباور، وباقي لاعبي بايرن ميونخ الذين فازوا قبلها بأسابيع البطولة الأوروبيّة، انتهت المباراة بتعادل سلبيّ، وبقيت هذه المقابلة خالدةً في التاريخ كإحدى أبرز المباريات ذات الطابع السياسيّ التي شهدتها ملاعب الكرة المستديرة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!