في السينما نرى أحيانًا «موتى سائرين» بعثوا من مرقدهم مرةً أخرى، بأجسادٍ ميتة متآكلة يتساقط لحمها. كما نرى يدًا خرجت عن سيطرة صاحبها وراحت تصفعه، علاوة على أشخاص يتحدثون إلى أعمدة النور والسيارات، وآخرين يحدقون في الفراغ وكأنه لوحة. نراهم ونضحك، لكن هل تظن أن الأمر محض خيال؟ في الحقيقة النفس البشرية على مدار تاريخها قد أثبتت أنها أكثر تعقيدًا من قصص «الفانتازي»، وفيما يلي بعض الاضطرابات النفسية والعصبية التي فاقت في غرابتها خيال المؤلفين.

1. «اضطراب الزومبي».. أو متلازمة كوتار

عام 1880 قامت سيدة تدعى «Mademoiselle X» أو (الآنسة إكس) بزيارة الطبيب الفرنسي جول كوتار. كانت السيدة تعاني من عدة أعراض، منها القلق والاكتئاب والحزن، إلا أنها عانت من عرضٍ آخر أكثر خطورة؛ إذ اعتقدت الآنسة إكس أنها ميتة. حينها قام الطبيب الفرنسي بتوثيق واحد من أندر الاضطرابات النفسية على مر التاريخ، وهو متلازمة «الموتى السائرين» أو «اضطراب الزومبي».

مرضى «وهم كوتار» لا يقتنعون أبدًا مهما قدمت لهم من أدلة أنهم ما زالوا على قيد الحياة؛ إذ غالبًا ما يكونون على قناعةٍ تامة بعدم وجودهم كليةً، أو بعدم وجود أعضائهم الداخلية؛ إذ يعتقدون أن أعضاءهم الداخلية إما تعفنت أو فقدوها، وبالتالي فهم «موتى سائرون»، أقرب للموتِ من الحياة. كانت الآنسة إكس ـ على سبيل المثال ـ تعتقد بعدم وجود أعضائها الداخلية، مثل الجهاز العصبي والهضمي، ونتيجة لذلك شعرت بعدم جدوى الطعام، فامتنعت تمامًا عن الأكل حتى ماتت جوعًا قبل بدء علاجها النفسي، وذلك على الرغم من أنها لم تعان من أية أمراضٍ جسدية.

في حالة الآنسة إكس لم تعتقد فقط بموتها، وإنما اعتقدت بخلودها أيضًا؛ إذ ظنت أنها لُعنت لعنة أبدية، أوقفت عمل أعضاء جسدها الداخلية لتجوب الأرض ميتة إلى الأبد، ويعتبر الخلود بالنسبة إلى مرضى هذه المتلازمة أمرًا بديهيًا، يأتي جنبًَا إلى جنب اعتقادهم بوفاتهم: هم جثث متحركة لن تضمها مقبرة.

لم تكن السيدة إكس وحدها مَن عانت مِن هذه المتلازمة؛ ففي عام 2008 وثقت بعض الدراسات حالة سيدة فلبينية تبلغ من العُمر 53 عامًا وقد أرعبت عائلتها؛ إذ شكت من عدم استطاعتها احتمال رائحة جسدها المتعفن لاعتقادها بأنها جثة متعفنة يجب نقلها إلى المشرحة.

وبالإضافةِ إلى حالة السيدة الفلبينية، كانت هناك حالة مشابهة، لسيدة أخرى تبلغ من العُمر 46 عامًا، صاحت في فريقها الطبي ونعتتهم بالكاذبين؛ وذلك لاعتقادها بأن قلبها متوقف عن النبض، ونتيجة لذلك امتنعت عن النوم والأكل، والذهاب إلى الحمام لشهور. وفي عام 1996 سجلت الدراسة حالة رجل أسكتلندي تعرض لإصابة في الدماغ نتيجة حادث دراجة نارية، وأعتقد أنه مات أثناء عملية التعافي، وعندما انتقل مع أمه إلى جنوب أفريقيا أقنعته حرارة الجو أنه ذهب إلى الجحيم.

غالبًا ما يسبق الإصابة بـ«متلازمة كوتار» اكتئاب عميق، وشعور تام بالانفصالِ عن الواقع، تكون نتيجته شعور بالموتِ. هم يرون أجسادهم تسير وتتحرك ومع ذلك يعتقدونها جثة متحركة فاقدة للحياةِ، وبالتالي يهملون نظافتهم الشخصية، والاهتمام بصحة جسدهم، وهنا تكمن مخاطر هذا المرض؛ إذ يتوقف مرضى هذا الوهم عن القيام بالضرورات الحيوية اللازمة لاستمرار عمل الجسد، مثل تناول الطعام والشراب والنوم والذهاب إلى الحمام.

2. «الرجل الذي حسب زوجته قبعة» .. متلازمة عمى الوجه

كتب الطبيب وعالم الأعصاب أوليفر ساكس في كتابه «الرجل الذي حسب زوجته قبعة» – والذي تناول فيه بعض الاضطرابات النفسية والحالات المأساوية التي عاينها أثناء عمله طبيبًا ـ عن قصة الدكتور بي، وهو موسيقار متميز، وأستاذ بكلية الموسيقى؛ إذ بدأت بعض الأعراض الغريبة في الظهورِ عليه. في البدء لم يعد الدكتور بي قادرًا على تمييز أوجه طلابه؛ ما أصابه بالارتباك والحرج، وأحيانًا الضحك، لكن ما أثار الفضول حقًا هو أنه كان يرى وجوهًا حين لا يكون هناك وجوه لترى.

«كان أحيانًا يربت على رؤوس حنفيات المياه، وعدادات الوقوف في الشارع؛ حاسبًا أنها رؤوس أطفال، وقد يخاطب بوجهٍ ودي المقابض المنحوتة على الأثاث، ويندهش عندما لا تجيب». *من كتاب الرجل الذي حسب زوجته قبعة

كان أستاذ الموسيقى في البداية يحاول تجنب الإحراج، وذلك عن طريق الضحك على هذه المواقف الغريبة؛ إذ لم يظن أبدًا أنه مريض، بل كان في حالٍ أفضل من ذي قبل، ولمدة ثلاث سنوات كان يتعامل فيها مع مرضه مثل نكتة، حتى أصابه داء السكري بما له من تأثيراتٍ على العين، حينها راجع الدكتور بي طبيب عيون، والذي بدوره فحص عينيه بدقة. كانت العينان سليمتين، إلا أنه عانى من مشكلة في الأجزاء البصرية من الدماغ، أحاله الطبيب على إثرها إلى طبيب الأعصاب أوليفر ساكس.

يقول ساكس عنه: «كان رجلًا مهذبًا وذا شخصية جذابة، يتحدث جيدًا وبطلاقة، إلا أن هناك شيئًا بالفعل أثار استغرابي، كان يواجهني أثناء حديثه إليَّ بأذنيه، لا بعينيه. كانت عيناه تركزان بشكل غريب مفاجئ على أنفي، أو أذني اليمنى، أو ذقني، أو عيني اليمنى، وكأنه يدرس هذه الملامح المنفردة، دون قدرة منه على أن يرى وجهي ككل».

عندما خضع الرجل إلى فحص الأعصاب البسيط اضطر لخلع حذائه، وعندما همَّ بارتدائه مرةً أخرى ظنَّ أن قدميه هي الحذاء، كان يتحسس قدميه بحثًا عنه. يقول ساكس عن هذا الخطأ: إنه من أغرب الأخطاء التي صادفها خلال عمله طبيبًا، وبعد انتهاء الفحص بدأ الرجل ينظر حوله بحثًا عن قبعته. مدَّ يده وأمسك برأس زوجته. حاول رفعه ليضعه على رأسه. يضيف ساكس: «بدا جليًا أنه قد حسب زوجته قبعة».

كان دكتور بي يعاني من مرضٍ يسمى «prosopagnosia» أو «عمى الوجه»، والذي يسبب عدم القدرة على التعرفِ على وجوه الناس، بما في ذلك وجوه أفراد العائلة، أو حتى وجوههم الخاصة. ينظر المريض في المرآة ولا يتعرف على وجهه. إلا أنه يستطيع تفحص الملامح، كل واحدة على حِدةٍ، ومن هذه الاستراتيجية البديلة يستطيع أن يميز المحيطين به، إما لملاحظة شيء يميزهم، مثل تصفيفة الشعر، أو طريقة المشي، أو الصوت، مستخدمًا في ذلك أذنيه.

لم يقتصر الأمر على ذلك فقط، فمرضى «عمى الوجه» عاجزون عن تمييز تعبيرات الوجه، بما في ذلك الغضب والشغف والاشمئزاز، لا يستطيعون متابعة برامج تليفزيونية أو أفلام؛ وذلك لعدم قدرتهم على استيعاب الشخصيات، أو حتى تحديد الجنس (ذكر أو أنثى)، كما يؤثر الازدحام على قدرة الشخص على تمييز الأماكن والسيارات. ونتيجة لذلك يعاني أغلب المرضى من اضطرابات القلق، كما يتجنبون التفاعل الاجتماعي، وقد يواجهون صعوبة في حياتهم المهنية، أو تكوين علاقات.

3. هل تشعر بما يشعر به الآخرون؟.. اضطراب حس المرآة اللمسي

في العام الماضي نشرت وكالة «بي بي سي» الإخبارية تقريرًا عن الطبيب جويل ساليناس بعنوان «الطبيب الذي يشعر حقًا بآلام مرضاه». يقول ساليناس: إن العالم بالنسبة له كما يلي: «الموسيقى لها ألوان. الأرقام لها شخصيات خاصة بها، وآلام الآخرين هي جزء من آلامك الشخصية». ظنَّ ساليناس أن البشر جميعًا يشتركون معه في رؤيته للعالم. لم يعرف حقيقة إصابته بأحد الاضطرابات النفسية النادرة، إلا عندما درس في كلية الطب.

عندما رأى جويل ساليناس شخصًا مريضًا بمعدته، اندفع إلى حمام المستشفى، وعانى من القيء حتى جف جسده. كان هزيلًا جدًا لدرجة أنه نظر إلى وجهه في المرآة وتمنى أن يتجاوز الألم ويعيش. لم يكن جويل يدري حينها أنه يعاني من حالة نادرة، تسمى «حس المرآة اللمسي»، وبمجرد أن يرى شخصًا يشعر بالألم يبدأ دماغه في عمل محاكاة، وتكون النتيجة أن يشعر بهذا الألم في جسده.

«في عام 2008 رأى ساليناس شخصًا مصابًا بسكتة قلبية، كانوا ينعشونه بالضغط على الصدر وأجهزة التنفس، يقول: حينها شعرتُ بضغطاتهم على صدري، وأحسسستُ بأنبوب التنفس يخترق أسفل حلقي، وعند إعلان وفاة المريض بعد 30 دقيقة عانيت من غياب تام للأحاسيس الجسدية». * تقرير وكالة «بي بي سي»

تشبه حالة «حس المرآة اللمسي» النظر في المرآة. فكل ما يشعر به الآخر، ينعكس عليك، وكأنك تقف أمام مرآتك، إن لوى أحدهم كاحله سيؤلمك كاحلك، إلا أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فمرضى حس المرآة يرون العالم بشكلٍ مختلف أيضًا، ذكرياتهم عن الأرقام والموسيقى تتخللها الألوان، وترتبط هذه الألوان بالأرقام، أو الأحرف إلى الأبد. ويعتقد العلماء أن تلك الحالة ترتبط بالخلايا العصبية الموجودة في الدماغ، والمسؤولة عن نقل الإشارات الكهربائية بين جميع أنحاء الجسم، وتأتي نتيجة لتقاطع بعض هذه الدوائر العصبية في المخ.

4. «أيديهم لا تخصهم».. متلازمة اليد الغريبة

ماذا تفعل لو أن يديك لديهما عقل خاص؟ لو أنك لا تستطيع التحكم بهما؟ تخيل أن يتم مهاجمتك بواسطة يديك. منذ عدة أعوام نشرت وكالة «بي بي سي» الإخبارية تقريرًا عن امرأة تدعى كارين بيرن تبلغ من العمر 55 عامًا، وتعاني من «متلازمة اليد الغريبة». تقول بيرن إن يدها اليسرى وقدمها اليسرى تتصرف كما لو كانت تحت سيطرة قوى خارجية.


عندما كانت كارين في السابعة والعشرين من عمرها خضعت لعدة عمليات جراحية، كان الهدف منها السيطرة على مرض الصرع الذي تعاني منه منذ أن كانت في العاشرة. في حالة كارين قام جراحها بقطع مجموعة من الألياف العصبية، والتي تبقي نصفي المخ على اتصالٍ دائم. وعلى الرغم من أن قطع الألياف العصبية المعروفة باسم «Callosum» قد ساعد في شفاء المريضة من الصرع، إلا أنه قد تركها مع مشكلة مختلفة تمامًا.

في البدء أخبرت كارين طبيبها أنها على ما يرام، إلا أنه قد لاحظ عليها بعض السلوكيات الغريبة، تحكي المريضة قائلة: «صاح فيَّ الطبيب قائلًا: كارين ماذا تفعلين؟ يدك تخلع ملابسك»، تشير كارين إلى أنها لم تدرك أن يدها اليسرى تفك أزرار قميصها إلا بعدما نبهها الطبيب لذلك.

خرجت كارين من غرفة العمليات بشفاء الصرع ويدٍ يسرى خارج نطاق السيطرة. تقول عن ذلك: «في بعض الأحيان ما أن أشعل سيجارة، وأركنها بيدي اليمنى على طرف منفضة السجائر، حتى تتقدم يدي اليسرى وتطفئها. تخرج يدي اليسرى مقتنياتي من حقيبتي دون أن أدرى، وعندما أنتبه أكون قد فقدت الكثير من الأشياء».

يشير الأطباء إلى أن مشكلة كارين تكمن في صراعٍ على السلطة يدور داخل رأسها؛ إذ إن الألياف العصبية هي المسؤولة عن تواصل نصفي المخ مع بعضهما البعض. النصف الأيمن من المخ يتحكم في الساق واليد اليسرى، والنصف الأيسر يتحكم في الساق واليد اليمنى، ولأن نصفي أدمغتنا يحتوي كل منهما على نوع من الوعي المنفصل، لذلك ففي حالة كارين كلاهما حاول الاستئثار بالإدارة المستقلة للجسد.

تعتبر «متلازمة اليد الغريبة»، واحدة من أندر الاضطرابات العصبية. يعاني فيها المريض من حركاتِ يد لا إرادية، وقد تكون مصحوبة بفقدان القدرة على الكلام، أو توقف عمل إحدى الحواس. يدعى المرضى بعدها أن أياديهم لا تخصهم، وقد سجلت الحالة الأولى للمتلازمة عام 1908؛ إذ أصيب رجل بسكتة دماغية في الجانب الأيمن من الدماغ، ادعى بعدها أن يده اليسرى لا تنتمي إليه.

قد يميل بعض المرضى إلى إيذاء أنفسهم أو الآخرين لا إراديًا؛ إذ جرى تسجيل حالات حاول فيها بعض الأشخاص خنق أنفسهم وصفع وجوههم بشكلٍ مستمر، أو إيذاء شخص آخر، وبالتالي ففي المواقف العصبية يجب وضع تلك اليد المتمردة تحت السيطرة.

الاضطرابات العقلية سببها التطور البشري.. أي مستقبل ينتظر الأجيال القادمة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد