الهند بلد غني ومتنوع في ثقافته، وديانته، ولغته، وفنونه، وتعد الديانة الهندوسية من أكثر الديانات انتشارًا في الهند، ولها مخزون ثريٌ من الأساطير التاريخية المليئة بالشخصيات الغامضة والقصص المثيرة. وفي السطور التالية، نتناول أربعًا من أشهر هذه الأساطير.

1. أساطير الخلق

تنوعت أساطير الخلق في الهندوسية وافترضت أشكالًا وكيفيات عديدة لخلق العالم، أحد هذه الأساطير تقول إن الآلهة ضحّت بمخلوق عملاق، فصار جسدهُ السماء، وسرتهُ الهواء، ورجلاه صارت الأرض. وخُلق القمر من مخه، والشمس من عينه، والعواصف من نَفَسِه.

وفيما تروي أسطورة أخرى، أن الإله نارايانا (Narayana) هو الذي خلق الوجود، فخُلق الكلام من فمه، وخُلق الماء من لسانه، والفلك من أنفه، والسماء والشمس من عيونه، والأماكن المقدسة من آذانه، والسحب والمطر من شعره، والصواعق من لحيته، والصخور من أظافره، والجبال من عظامه.

ومن أبرز أساطير الخلق أيضًا، أسطورة البيضة الأرضية، التي تقول إن الكون أصله بيضة، انكسرت فكان نصفها من الفضة والنصف الآخر من الذهب. وتكونت الأرض من النصف الفضي، والسماء من النصف الذهبي. ونشأ من صفار البيضة الضباب والغمام، وتكونت من عروقها الدقيقة الأنهار، ومن رمالها البحر، وتولدت الشمس من البيضة، حسبما جاء في مجلة ثقافة الهند عدد سبتمبر (أيلول) 1965.

2. أسطورة سافيتري.. إخلاص زوجة تغلب على الموت

أسطورة أخرى عن أميرة؛ الأميرة سافيتري من مملكة مادرا، إحدى الآلهة في الديانة الهندوسية، محبة وجميلة ومشرقة كالشمس، وكان والدها سافيتير، إله الشمس. اشتهرت الأميرة بجمالها وحكمتها، فطلب العديد من الأمراء الأقوياء والتجار الأثرياء يدها للزواج، ولم تأبه الأميرة بأحد منهم وقررت أن تجد زوجها بنفسها.

ركبت سافيتري عربتها الذهبية، وسافرت في الصحاري وفي المدن المزدحمة، وعبرت الجبال المغطاة بالثلوج، رافضةً الكثير من الرجال الراغبين فيها على طول الطريق. وفي النهاية، غامرت سافيتري في عمق غابة، والتقت هناك بشاب يقطع الخشب اسمه ساتيفان، الذي كان محبًا للطبيعة مثلها، ولكن الأميرة لاحظت أنه يعاني من خطب ما.

تبادلا الحديث لساعات، وفي سمرهما أخبرها ساتيفان عن محنته، كان والده حاكمًا ثريًا في يوم من الأيام، حتى أصيب بالعمى، وأطيح به في انقلاب عنيف، ليعمل ساتيفان في قطع الأخشاب ليؤمن لعائلته لقمة العيش في حياتهم الجديدة الفقيرة.

Embed from Getty Images

لوحة تصويرية لمشهد الأميرة سافيتري أمام آلهة الموت يامراج

ألهمت الأميرة من إخلاص ساتيفان وتفانيه لوالديه، وشعرت في قرارة نفسها أنها وجدت من تبحث عنه أخيرًا، فسارعت سافيتري إلى قصر والدها لتزف له الأخبار السارة، ولكنها وجدته يتحدث مع نارادا، الرحالة ورسول الآلهة الحكيم. أخبرت سافيتري والدها عن ساتيفان وفرحَ في البداية، ولكن هذه السعادة لم تدم طويلًا، فقد أخبرها نارادا أن ساتيفان، الرجل الذي اختاره قلبها، لن يبقى على قيد الحياة سوى لعام واحد.

صُدمت سافيتري بما سمعت، فبعد أن انتظرت طويلًا لتجد شريك حياتها، علمت أنها ستفقده بعد عام، ولكن سافيتري لم تكن لتقبل بذلك، وأقسمت ألا تتزوج غيره. وبالفعل تزوج الاثنان، وعادا إلى الغابة ليعيشا معًا بعيدًا عن البيئة المرفهة التي نشأت فيها، ولكنها كانت سعيدة بصحبة زوجها ساتيفان.

عاش الزوجان سعيدين حتى مر العام، وجاء اليوم المحتوم، وأتى يامراج، إله الموت، ليسوق روح ساتيفان إلى الحياة الآخرة. ولكن سافيتري عزمت ألا تترك ساتيفان له، وتبعت يامراج طوال الطريق وهو يقود ساتيفان إلى مثواه الأخير. لاحظ يامراج تتبعها له وأنذرها بأن تذهب بعيدًا، ولكن سافيتري لم تأبه وظلت تتبعه حتى سالت الدماء من قدميها.

ومكافأة على إصرارها وإخلاصها لزوجها، منحها إله الموت ثلاث أمنيات، كانت إحداها أن يُعيد ساتيفان إلى الحياة، وأخرى أن يُعيد مملكته الضائعة، وأخرى أن يعيد النظر لوالد زوجها الذي كان ضريرًا، وحقّق لها يامراج أمانيها جميعها.

تاريخ وفلسفة

منذ 9 شهور
أشهر الأساطير الفرعونية.. عندما يمتزج الخيال بالحكمة والفلسفة

3. ملحمة الرامايانا والمهابهاراتا

مثل الإلياذة والأوديسة، الملحمتان الإغريقيتان الشهيرتان للشاعر الإغريقي هومر، نجد في الثقافة الهندية أيضًا ملحمتي الرامايانا والمهابهارتا، وهي قصائد ملحمية شهيرة في الهند القديمة، وواحدة من الكتابات الأكثر شعبية وأهمية في الهندوسية.

تعني كلمة مهابهاراتا الملك العظيم بهاراتا، وتعد المهابهاراتا أطول قصيدة ملحمية في العالم، ومصدرًا مهمًا حول تطور الهندوسية بين عامي 400 قبل الميلاد و200 ميلاديًّا، ويُعتقد أن من بدأ كتابتها هو حكيم فياسا، أكبر حكيم في الديانة الهندوسية، وكتبت باللغة السنسكريتية، وكانت في البداية عبارة عن قصيدة قصصية قصيرة، ثم أُضيف إليها المزيد من الحكايات والمقطوعات على مر القرون المتعاقبة.

وتتألف القصيدة من نحو 100 ألف مقطع شعري يضم آلاف المعتقدات، والأساطير، والتعاليم والشخصيات التي ما زال بعضها جزءًا من الثقافة الهندية حتى اليوم. وتحكي القصيدة قصة النزاع الدموي الطويل بين مجموعتين من أبناء العمومة: الباندافاس، وهم خمسة إخوة، والكورافاس، الذين يوجد منهم مئة، وهما فرعان من أسرة بهاراتا الحاكمة، ويدور بينهما نزاع عائلي حول من يرث العرش الملكي، وينتهي الصراع بمعركة طاحنة تحدّد مصير العالم.

رسمةٌ للأمير راما مع زوجته سيتا. مصدر الصورة: ويكيبيديا

أما ملحمة الرامايانا، فهي ملحمة شعرية هندية كُتبت بالسنسكريتية أيضًا، وتعني سيرة حياة راما. وتُنسب للشاعر فالميكي، ويُعتقد أنه بدأ كتابتها في القرن الثالث قبل الميلاد، ثم أضيف لها مقاطع حتى وصل طولها الحالي إلى 24 ألف مقطع، موزعة على سبعة كتب.

تتحدث الملحمة عن قصة أمير اسمه راما، من مملكة كوزالا الأسطورية، قرّر والده نفيه 14 عامًا في الغابات، ومعه زوجته سيتا، نموذجُ الزوجة المثالية والوفية، وأخوه لاكشمانا، وجاء نفيهم بتحريض من زوجة أبيهم، وتتركز الملحمة على ما حصل لهم في الرحلة وخاصةً اختطاف الزوجة، ثم تعاون الأمير راما مع نوع من القرود يقودهم ليُحرر زوجته من الأسر ويمضي قدمًا في انتصاراته العسكرية حتى يأخذ الملك في مملكته القديمة.

4. أسطورة كالي يوجا

ومن أساطير الزمن والخلود، تروي الأساطير الهندوسية أن الكون مُعد لاجتياز أربع حقبات عظيمة، كل منها عبارة عن دورة كاملة من الخلق والدمار الكوني، وأن عملية الخلق تتحرك في دورات، تتكون كل منها من أربعة أزمنة أو عصور، تُسمى الـ«يوجا».

وتشمل الأزمنة الأربعة الكبرى في الهندوسية: ساتيا يوجا، وتريتا يوجا، ودابارا يوجا، وكالي يوجا. ويعتقد أن ساتيا يوجا، الذي يُعرف أيضًا بعصر الحقيقة، يدوم لمدة 4 آلاف سنة إلهية، ويدوم تريتا يوجا لمدة 3 آلاف سنة إلهية، ودابارا يوجا ألفي سنة إلهية، ويستمر كالي يوجا لمدة ألف سنة إلهية، وتُعادل السنة الإلهية 432 ألف سنة أرضية.

وتروي الأسطورة أن الأزمنة الثلاثة الأولى من هذه اليوجا ولّت بالفعل، وأننا نعيش الآن في الزمن الرابع، كالي يوجا، الذي بدأ في عام 3102 قبل الميلاد، بمغادرة الإله كريشنا الأرض إلى مسكنه السماوي بعد حرب ماهابهاراتا العظيمة.

وتصف النصوص الهندوسية القديمة هذا العصر بأنه بداية انحطاط الحضارة الإنسانية، وفيه يهيمن الجشع، والكراهية، والتعصب، والشهوة، والفساد، ويكون متوسط عمر الإنسان في هذا العصر المظلم هو الأقصر، إذ يستمر حوالي 70 عامًا، بينما في العصر الأول لساتيا يوجا، كان متوسط العمر المتوقع يصل إلى 4 آلاف عام.

ويُطلق على كالي يوجا أيضًا اسم «العصر الحديدي»، وتشغله الحروب والصراعات والانحطاط الأخلاقي للحضارات، ثم يأتي الإله كالكي ليطهّر العالم بمعاقبته، ويُعاد خلق الكون لتبدأ دورة جديدة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد